قال تقرير مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان إن اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان في اليمن واصلت خلال الفترة من يوليو 2025 إلى يونيو 2026 توثيق الانتهاكات والتجاوزات التي ارتكبتها جميع أطراف النزاع، رغم استمرار تحديات سياسية وأمنية ولوجستية ومالية أثّرت في قدرتها على الوصول إلى الضحايا ومواقع الانتهاكات وجمع الأدلة اللازمة للتحقيق.
وأوضح التقرير، المقدم إلى الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان التي ستعقد في جنيف خلال الفترة من 7 سبتمبر إلى 7 أكتوبر 2026، أن المفوضية السامية لحقوق الإنسان واصلت تقديم الدعم التقني والمشورة للجنة الوطنية للتحقيق، تنفيذاً لقرارات مجلس حقوق الإنسان ذات الصلة، بما يعزز قدرة اللجنة على إجراء تحقيقات مستقلة ونزيهة وفعالة، وجمع الأدلة وتحليلها وفقاً للمعايير الدولية، تمهيداً لتحقيق المساءلة وضمان حقوق الضحايا في الحقيقة والعدالة وجبر الضرر.
احتجاز موظفي الأمم المتحدة
أشار التقرير إلى أن بيئة حقوق الإنسان في اليمن ظلت شديدة التعقيد، في ظل استمرار احتجاز موظفين تابعين للأمم المتحدة والعاملين في المجال الإنساني وموظفي المنظمات الدولية والوطنية وموظفي البعثات الدبلوماسية، فضلاً عن مواطنين اقتيدوا إلى مباني الأمم المتحدة، في سياق إجراءات أمنية اتخذتها السلطات التابعة لجماعة “أنصار الله”.
وأوضح أن نمط الاحتجاز التعسفي بدأ منذ نوفمبر 2021، واستمر عبر موجات متتالية خلال أعوام 2023 و2024 و2025، بما في ذلك الفترة الممتدة بين أغسطس وديسمبر 2025، ليصل العدد الإجمالي لموظفي الأمم المتحدة المحتجزين تعسفياً من مواطني البلد إلى نحو 73 موظفاً.
وأضاف أن موظفين أجانب كانوا أيضاً ضمن المحتجزين، الأمر الذي أثار مخاوف متزايدة بشأن ظروف الاحتجاز وسوء المعاملة، إلى جانب صعوبة حصول المحتجزين على الرعاية الطبية والغذاء الملائم.
وطالب الأمين العام للأمم المتحدة والمفوض السامي لحقوق الإنسان والمبعوث الخاص للأمين العام إلى اليمن وآخرون بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع موظفي الأمم المتحدة المحتجزين تعسفياً.
لجنة وطنية وسط حرب ممتدة
أوضح التقرير أن اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان في اليمن أنشئت بموجب المرسوم الرئاسي رقم 140 لعام 2012، للتحقيق في انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني التي ارتكبت منذ عام 2011.
وأشار إلى أن ولايتها توسّعت بموجب مراسيم رئاسية لاحقة، شملت المراسيم أرقام 13 لعام 2015، و66 لعام 2016، و50 لعام 2017، و30 لعام 2019، لتغطي التحقيق في جميع ادعاءات الانتهاكات والتجاوزات المرتبطة بالنزاع، بما في ذلك التحقيق في الجرائم والانتهاكات الجسيمة وتحديد المسؤولين عنها.
وقال إن المرسوم الرئاسي رقم 20 لعام 2025، الصادر في 8 يوليو 2025، مدد ولاية اللجنة خمس سنوات بدءاً من 23 أغسطس 2025، ولم تطرأ خلال الفترة التي يغطيها التقرير تغييرات على ولايتها.
وبيّن أن اللجنة تتكون من تسعة أعضاء، بينهم الرئيس وثمانية أعضاء، وأن عضويتها تضم قضاة ومحامين وأستاذين جامعيين، فيما يعمل إلى جانبها جهاز أمانة عامة مقره عدن ويضم 31 موظفاً، بينهم 11 امرأة، ويتولى مهام متنوعة تشمل قواعد البيانات، وتحليل البيانات، والاقتصاد، وتكنولوجيا المعلومات، والشؤون الإدارية.
وأضاف أن فريق التحقيقات يتكون من 16 محققاً مساعداً، جميعهم رجال، إلى جانب 55 باحثاً ومتطوعاً ميدانياً، بينهم 15 امرأة، يعملون على جمع المعلومات وإعداد التقارير وإحالتها إلى أعضاء اللجنة لمراجعتها وتقييمها، بينما لا يتلقى المتطوعون عقود عمل، وإنما يحصلون على تعويضات.
وأكد التقرير أن استقلالية أي آلية للتحقيق تتطلب موارد كافية ومستدامة، مشيرا إلى أن المرسوم الرئاسي رقم 140 لعام 2012 ينص على تمويل اللجنة من الحكومة اليمنية، مع السماح لها بتلقي تمويل من الجهات المانحة الدولية، وفق القوانين واللوائح المعمول بها.
ولفت إلى أن اللجنة لم تنشر خلال الفترة المشمولة بالتقرير معلومات عن تمويلها، فيما أبلغت المفوضية السامية لحقوق الإنسان بأنها تمول من الحكومة اليمنية ولا تتلقى دعماً مالياً من دول أو جهات أخرى.
53 زيارة ميدانية أمام قيود الوصول
قال التقرير إن اللجنة الوطنية للتحقيق واصلت مواجهة تحديات كبيرة في تنفيذ ولايتها، في ظل استمرار النزاع المسلح، وتدهور الحالة الإنسانية، وتوتر الأوضاع السياسية، واستمرار الانتهاكات والتجاوزات التي ترتكبها مختلف أطراف النزاع.
وأضاف أن اللجنة نفذت خلال الفترة المشمولة بالتقرير 53 زيارة ميدانية إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية، وزارت 33 من مرافق الاحتجاز، لكنها لم تتمكن من زيارة مرافق الاحتجاز الواقعة في مناطق سيطرة سلطات “أنصار الله” بسبب القيود الأمنية واستمرار عدم تعاون السلطات أو اعترافها بعمل اللجنة.
وأوضح أن اللجنة لم تحل قضايا جديدة إلى مكتب النائب العام خلال الفترة المشمولة بالتقرير، رغم استمرارها في تلقي الشكاوى وإجراء التحقيقات، بينما ظلت القضايا التي سبق أن أحالتها إلى السلطات القضائية المختصة قيد النظر.
وأشار إلى أن اللجنة عقدت ست جلسات استماع عامة للضحايا وأسرهم في محافظات مختلفة خلال زياراتها الميدانية، وواصلت تطوير قنوات تلقي الشكاوى والمعلومات، بما في ذلك الموقع الإلكتروني والبريد الإلكتروني وخطوط الهاتف وتطبيقات المراسلة والزيارات المباشرة إلى مكاتبها في عدن وتعز ومحافظات أخرى، إلى جانب شبكة المراقبين الميدانيين.
الدعم الدولي وبناء القدرات
أوضح التقرير أن المفوضية السامية لحقوق الإنسان واصلت تقديم الدعم التقني للجنة، بهدف تعزيز قدرتها على إجراء تحقيقات موضوعية ونزيهة ومستقلة وإعداد تقارير تستند إلى الأدلة والتحليل القانوني الشامل.
وقال إن المفوضية واجهت، في الوقت نفسه، قيوداً مالية واسعة أثّرت في عدد من أنشطة بناء القدرات، إلا أنها واصلت تقديم التدريب والمشورة الفنية والمواد اللازمة للمفوضية وللمحققين والمراقبين الميدانيين وأمانة اللجنة.
وأضاف أن الدعم شمل تدريب اللجنة على استخدام تكنولوجيا المعلومات، حيث قدّمت المفوضية في يوليو/تموز 2025 مجموعة من المعدات التقنية، من بينها أجهزة لتصوير الوثائق الملونة، وماسحات ضوئية، وأقراص صلبة، وأجهزة مكتبية، وهواتف مكتبية، بهدف تحسين تخزين البيانات وأرشفتها وتحليلها وإعداد التقارير وتقليل الاختناقات التشغيلية.
وأشار إلى أن المفوضية نظّمت خلال أغسطس 2025 حلقة عمل استمرت ثلاثة أيام، بمشاركة 10 منظمات مجتمع مدني، ركزت على قضايا حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأن المشاركين قدموا توصيات عملية لتعزيز الرصد والتوثيق والدعوة في هذا المجال.
كما نظمت المفوضية حلقة عمل لمدة يومين في أغسطس 2025 حول معايير المحاكمة العادلة، بمشاركة 20 شخصاً، بينهم ستة محققين مساعدين من اللجنة، و10 مدعين عامين وقضاة، وممثلون عن المجتمع المدني، وانتهت المناقشات إلى توصيات لتعزيز جمع الأدلة وتحسين ظروف المحاكمات وسد الثغرات في مجال المساءلة.
وأوضح التقرير كذلك أن المفوضية عقدت في سبتمبر 2025 مشاورات بمشاركة أكثر من 40 مراقباً ميدانياً، بينهم 11 امرأة، في إطار دعم إعداد التقرير السنوي الثالث عشر للجنة، ومناقشة أعمال الرصد والتحديات التشغيلية والاحتياجات المتعلقة ببناء القدرات.
حقوق الضحايا في قلب المساءلة
أكد التقرير أن استمرار عمل اللجنة الوطنية للتحقيق يمثل أهمية خاصة في اليمن، باعتبارها من الآليات القليلة التي تعمل على توثيق الانتهاكات والتجاوزات المرتكبة خلال النزاع.
وشدد على ضرورة أن تواصل اللجنة إجراء تحقيقات فعالة، وجمع الأدلة وفق المعايير المطلوبة، وأن تدعم نتائج التحقيقات بتحليلات قانونية شاملة تستند إلى القانون الدولي.
وأكدت المفوضية السامية لحقوق الإنسان التزامها بتقديم المساعدة والمشورة للجنة، رغم التحديات المالية، مرحِبة بما أحرزته من تقدم، ومن ذلك إجراء زيارات ميدانية مكثفة في مختلف أنحاء اليمن، وتنظيم مشاورات مع منظمات المجتمع المدني، وإعداد تقارير موثقة بشأن أنواع مختلفة من انتهاكات حقوق الإنسان وانتهاكات القانون الدولي الإنساني التي ترتكبها جميع أطراف النزاع.
دعوة إلى حماية الشهود
دعا التقرير جميع أطراف النزاع إلى التعاون الكامل مع اللجنة، بما يضمن تنفيذ ولايتها باستقلالية وفعالية، والسماح لها بالوصول إلى جميع مناطق اليمن، بما في ذلك أماكن الاحتجاز، وتزويدها بالمعلومات ذات الصلة التي تطلبها، بما في ذلك المعلومات المتعلقة بهوية الجناة المزعومين.
وطالب الحكومة اليمنية بتعزيز ولاية اللجنة وقدرتها على أداء دورها باعتبارها آلية مستقلة وشفافة، وضمان حقوق الضحايا كاملة، بما في ذلك الحق في معرفة الحقيقة والعدالة وجبر الضرر، والعمل على منع وقوع المزيد من الانتهاكات.
ودعا الحكومة إلى توفير الموارد المالية اللازمة لتعيين موظفين بعقود مناسبة، وتوسيع جهود التوعية، وتحسين إمكانية الوصول إلى اللجنة، من خلال إنشاء نقاط اتصال في مختلف أنحاء اليمن، إلى جانب النظر في زيادة ميزانيتها.
وشدد على ضرورة اتخاذ تدابير فعالة لحماية الضحايا والشهود الذين يتعاونون مع اللجنة من الترهيب والانتقام، بما في ذلك إنشاء آلية لحماية الشهود وتوفير أماكن آمنة تتيح لهم التحدث بحرية وسرية مع أعضاء اللجنة وموظفيها.
وطالب التقرير أيضاً مكتب النائب العام بتوفير الموارد اللازمة للتحقيق والملاحقة القضائية في القضايا التي تحيلها اللجنة، وإنشاء البنية التحتية التقنية لمعالجة ملفات القضايا والحفاظ على سريتها.
وأكد ضرورة ضمان حقوق الضحايا في الحقيقة والعدالة وجبر الضرر، والعمل على وضع إطار أوسع للعدالة الانتقالية يحدد كيفية التعامل مع القضايا التي وثّقتها اللجنة، بما يسهم في منع تكرار الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان.
محاسبة قضائية وعدالة انتقالية
وطالب التقرير النيابة العامة بالعمل بصورة منهجية وسريعة وفعالة على التقارير وملفات القضايا التي تحيلها اللجنة، وضمان سرعة ونزاهة وفعالية التحقيقات والملاحقات القضائية المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
كما دعا إلى وضع معايير واضحة وموضوعية وشفافة لتحديد القضايا ذات الأولوية، وضمان توافق المحاكمات، سواء أمام المحاكم المدنية أو العسكرية، مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة.
وحثّ على ضمان وصول موظفي اللجنة دون عوائق إلى جميع أماكن الحرمان من الحرية، والسماح لهم بإجراء مقابلات سرية مع المحتجزين، وإيلاء الاهتمام الواجب لتقارير اللجنة وتوصياتها بشأن المحتجزين وظروف الاحتجاز.
ودعا مجلس القضاء الأعلى إلى النظر في اقتراح اللجنة، المقدم منذ عام 2017، بإنشاء محكمة متخصصة ذات ولاية قضائية على مستوى اليمن للنظر في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني المرتبطة بالنزاع.
وأكد أن إنشاء آلية قضائية متخصصة يمكن أن يسهم في ضمان حقوق الضحايا في الحقيقة والعدالة وجبر الضرر، ويدعم مسار العدالة الانتقالية والمصالحة داخل المجتمعات اليمنية.
مسؤولية المجتمع الدولي
دعا التقرير المجتمع الدولي إلى تعزيز قدرة اللجنة الوطنية للتحقيق وفعاليتها من خلال دعم بناء قدرات موظفيها وتطوير خبراتهم التقنية، وتعزيز دور المساءلة والعدالة الانتقالية ضمن عملية السلام في اليمن.
وطالب أيضاً بدعم المجتمع المدني، ولا سيما ممثلي الفئات الضعيفة، في الدعوة إلى المساءلة والعدالة، والضغط من أجل الإفراج الفوري وغير المشروط عن موظفي الأمم المتحدة وموظفي المنظمات الأخرى المحتجزين تعسفياً.
وأكد أن اللجنة الوطنية للتحقيق مطالبة بمواصلة تطوير قدرتها على إجراء تحقيقات شاملة في جميع ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني التي ترتكبها مختلف أطراف النزاع، وفق مبادئ الموضوعية والشفافية والنزاهة والمعايير الدولية.
وشدد على ضرورة اتخاذ جميع التدابير الممكنة لحماية الضحايا والشهود والمتعاونين مع اللجنة، مع إيلاء اهتمام خاص للنساء والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة والفئات الضعيفة الأخرى، بما في ذلك غير اليمنيين.
ودعا إلى مواصلة تعزيز التعاون مع المجتمع المدني في مجالات العدالة الانتقالية والمساءلة، وإنشاء آلية فعالة للتواصل مع المدافعين عن حقوق الإنسان، فضلاً عن تطوير استراتيجية إعلامية أكثر فاعلية للتعريف بولاية اللجنة ودورها في مختلف أنحاء اليمن.
وأكد التقرير أهمية الحفاظ على نزاهة اللجنة واستقلالها من خلال الالتزام الصارم بقواعد ومعايير القانون الدولي، ومنع تضارب المصالح، وإنشاء مزيد من نقاط الاتصال في أنحاء اليمن لتسهيل الوصول إلى اللجنة والإبلاغ عن الحالات، وشدد على ضرورة اتخاذ خطوات ملموسة لتنفيذ الحكم الوارد في المرسوم رقم 30 لعام 2019 بشأن تمثيل النساء في فريق المحققين المساعدين.
وأكدت التوصيات الأممية أن العدالة في اليمن لا يمكن أن تكتمل بمجرد تسجيل الانتهاكات، وإنما تحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ بالوصول الآمن إلى الضحايا والشهود، وتمر بجمع الأدلة وحمايتها وتحليلها، وتنتهي بمحاسبة المسؤولين وضمان الحقيقة والعدالة وجبر الضرر.
وفي بلد أنهكته سنوات النزاع، يظل مستقبل المساءلة مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف اليمنية والمجتمع الدولي على إزالة القيود أمام التحقيقات، وحماية من يتحدثون عن الانتهاكات، وتوفير الموارد اللازمة للآليات المستقلة، وتحويل التوثيق الحقوقي من سجل للانتهاكات إلى خطوة فعلية نحو العدالة ومنع تكرارها.
