لم يعد انقطاع الإنترنت في إيران مجرد خلل تقني عابر، بل تحول إلى أزمة اقتصادية وإنسانية مركبة تهدد أحد أبرز القطاعات التي شكلت خلال السنوات الأخيرة متنفسا للاقتصاد المحلي، فبعد أكثر من خمسين يوما من الانقطاع شبه الكامل، تتكشف ملامح خسائر متسارعة تطال الشركات والأفراد وسوق العمل، في ظل بيئة اقتصادية تعاني أصلا من ضغوط التضخم والعقوبات، وتشير تقديرات نقلتها وسائل إعلام إيرانية إلى أن هذه الأزمة أعادت الاقتصاد الرقمي إلى نقطة حرجة، بعدما كان يمثل أحد مسارات التكيف مع القيود الاقتصادية.
شهد الاقتصاد الرقمي في إيران نموا تدريجيا خلال السنوات الماضية، مدفوعا بانتشار الإنترنت وتوسع استخدام الهواتف الذكية، وتشير تقارير وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الإيرانية لعام 2025 إلى أن نسبة مستخدمي الإنترنت تجاوزت 70 في المئة من السكان، فيما توسعت التجارة الإلكترونية بشكل ملحوظ، خاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي، كما يوضح تقرير البنك الدولي لعام 2025 أن الاقتصادات التي تعتمد على الحلول الرقمية تحقق نموا أسرع في القطاعات الخدمية، وهو ما انعكس جزئيا على السوق الإيرانية رغم القيود.
ومع بدء انقطاع الإنترنت، تعرضت الشركات لشلل شبه كامل في عملياتها اليومية، وباتت العديد من المؤسسات تعمل بأقل من نصف طاقتها التشغيلية، نتيجة فقدان الوصول إلى أدوات أساسية في التصميم والإنتاج والتسويق، كما توقفت عمليات البيع الإلكتروني بشكل كبير، ما أدى إلى تكدس الطلبات وتعطل سلاسل التوريد الرقمية، ويؤكد تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية لعام 2025 أن تعطيل الاتصال الرقمي يؤدي إلى تأثيرات فورية على الإنتاجية، خاصة في الاقتصادات التي تعتمد على التجارة الإلكترونية.
خسائر مالية متصاعدة
وتقدّر الخسائر الناتجة عن انقطاع الإنترنت في إيران بأكثر من مليار دولار منذ بداية الأزمة، فيما تصل الخسائر اليومية إلى نحو 80 مليون دولار، وفقا لتقديرات خبراء نقلتها وسائل إعلام إيرانية، في مؤشر على حجم الاعتماد المتزايد على البنية الرقمية في النشاط الاقتصادي، ويشير مركز أبحاث مجلس الشورى الإسلامي الإيراني في تقريره لعام 2025 إلى أن الاقتصاد الرقمي أصبح يشكل نسبة متنامية من الناتج المحلي، مع توسع التجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية، ما يجعل أي تعطيل طويل الأمد مكلفا على مستوى الاقتصاد الكلي وليس فقط على مستوى الشركات.
وتدعم هذه التقديرات بيانات البنك الدولي لعام 2025 التي تشير إلى أن انقطاع الإنترنت في الاقتصادات النامية يمكن أن يؤدي إلى خسائر يومية تتراوح بين 1 و2 في المئة من الناتج المحلي في القطاعات الأكثر ارتباطا بالاتصال الرقمي، خاصة التجارة والخدمات، كما يوضح تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية لعام 2025 أن التجارة الإلكترونية تمثل ما بين 15 و25 في المئة من النشاط التجاري في بعض الأسواق الناشئة، وهو ما يعني أن تعطيلها يؤدي إلى تراجع فوري في الإيرادات وتباطؤ في سلاسل التوريد.
وفي السياق الإيراني، تشير تقديرات وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الإيرانية قبل الأزمة إلى أن ملايين المستخدمين كانوا يعتمدون على المنصات الرقمية في أنشطتهم اليومية، سواء في البيع أو تقديم الخدمات، ما يفسر سرعة انتقال تأثير الانقطاع إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد، كما يلفت برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقريره لعام 2025 إلى أن الاقتصاد الرقمي يمثل مصدرا رئيسيا لفرص العمل منخفضة التكلفة، ما يجعل خسائره لا تقتصر على الأرقام المالية، بل تمتد إلى فقدان الدخل اليومي لشرائح واسعة من العاملين.
إضافة إلى ذلك، يؤكد صندوق النقد الدولي في بياناته لعام 2025 أن الاقتصادات التي تعاني من قيود هيكلية، مثل التضخم والعقوبات، تكون أكثر عرضة لتضاعف آثار الصدمات الرقمية، حيث يؤدي تعطل قطاع واحد إلى انتقال الأثر بشكل سريع إلى قطاعات أخرى مثل النقل والخدمات اللوجستية والتجزئة، ويعزز ذلك ما أورده البنك الدولي من أن فقدان الاتصال الرقمي لفترات طويلة يؤدي إلى خسائر غير مباشرة قد تتجاوز الخسائر المباشرة، نتيجة تراجع الإنتاجية وفقدان الثقة في استقرار بيئة الأعمال.
وبذلك، لا تعكس الأرقام المعلنة سوى جزء من الخسائر الفعلية، إذ تمتد التداعيات إلى ما هو أبعد من الإيرادات المباشرة، لتشمل تآكل القدرة التشغيلية للشركات، وتعطّل الاستثمارات، وتراجع النشاط الاقتصادي في مجمله.
الاقتصاد غير الرسمي
يمثل الاقتصاد الرقمي غير الرسمي جزءا كبيرا من النشاط الاقتصادي في إيران، خاصة عبر منصات مثل إنستغرام التي يعتمد عليها آلاف البائعين الصغار، وتشير تقارير محلية إلى أن عددا كبيرا من المشاريع المنزلية يعتمد بشكل شبه كامل على هذه المنصات لتحقيق الدخل، ومع الانقطاع، فقد هؤلاء مصدر رزقهم الأساسي بشكل مفاجئ، ويؤكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقريره لعام 2025 أن الاقتصاد غير الرسمي يلعب دورا محوريا في توفير فرص العمل في الدول التي تعاني من قيود اقتصادية.
سوق العمل تحت الضغط
تتزايد المخاوف من تداعيات الأزمة على سوق العمل في إيران، حيث تشير تقديرات رسمية إلى احتمال فقدان نحو 10 ملايين شخص لوظائفهم في حال استمرار الوضع الحالي، ويؤكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن التحول الرقمي أصبح أحد المحركات الرئيسية لخلق الوظائف، وأن تعطيله يؤدي إلى تراجع فرص العمل، خاصة بين الشباب، كما تشير تقارير منظمة العمل الدولية لعام 2025 إلى أن القطاعات الرقمية توفر فرصا مرنة، ما يجعلها أكثر تأثرا بأي اضطراب مفاجئ.
تأتي هذه الأزمة في سياق اقتصادي معقد، حيث يعاني الاقتصاد الإيراني من معدلات تضخم مرتفعة وتراجع في الاستثمارات، ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد الإيراني يواجه تحديات هيكلية عميقة، من بينها ضعف الإنتاجية وتقييد الوصول إلى الأسواق العالمية، ويؤدي الانقطاع الرقمي إلى تفاقم هذه التحديات، عبر تقليص أحد القطاعات القليلة التي أظهرت قدرة على النمو رغم القيود.
الأبعاد الإنسانية للأزمة
لا تقتصر تداعيات الأزمة على الاقتصاد، بل تمتد إلى الحياة اليومية للأفراد، فمع فقدان مصادر الدخل، تواجه آلاف الأسر صعوبات في تلبية احتياجاتها الأساسية، ويشير تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية لعام 2025 إلى أن تدهور الأوضاع الاقتصادية يؤدي إلى زيادة مستويات الهشاشة الاجتماعية، خاصة في الدول التي تعاني من ضغوط معيشية، كما يؤدي فقدان الوظائف إلى تراجع القدرة على الوصول إلى الخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.
وتؤكد منظمة العفو الدولية في تقريرها لعام 2025 أن انقطاع الإنترنت يؤثر بشكل مباشر على حق الأفراد في الوصول إلى المعلومات، كما تشير منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن القيود الرقمية تحد من قدرة الأفراد على التعبير والتواصل والعمل، ما يضاعف من الآثار السلبية للأزمة، ويؤكد الاتحاد الدولي للاتصالات أن الاتصال الرقمي أصبح جزءا أساسيا من البنية التحتية الحديثة.
الإطار القانوني والحقوقي
ينص القانون الدولي لحقوق الإنسان على حماية حرية التعبير والوصول إلى المعلومات، وتؤكد المفوضية السامية لحقوق الإنسان أن الإنترنت أصبح أداة أساسية لممارسة هذه الحقوق، كما تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أي قيود على الاتصال يجب أن تكون محدودة ومتناسبة، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى توافق الانقطاعات الواسعة مع هذه المبادئ.
وقد شهدت إيران خلال السنوات الماضية عدة موجات من انقطاع الإنترنت، خاصة في فترات التوتر السياسي، وتشير تقارير منظمات حقوقية إلى أن هذه الانقطاعات تسببت في خسائر اقتصادية كبيرة، ويؤكد البنك الدولي أن تكرار هذه الأزمات يضعف قدرة الاقتصاد على التعافي، ويؤثر على ثقة المستثمرين.
وتظهر تجارب دول أخرى أن استقرار الإنترنت يمثل عنصرا حاسما في النمو الاقتصادي، ويشير تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الدول التي تستثمر في البنية الرقمية تحقق معدلات نمو أعلى، وفي المقابل، فإن الدول التي تواجه انقطاعات متكررة تعاني من تراجع في الابتكار والاستثمار.
التداعيات طويلة الأمد
يحذر خبراء في الاقتصاد الرقمي وسياسات الاتصالات، من بينهم محللون في البنك الدولي ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، إضافة إلى خبراء سياسات التكنولوجيا في صندوق النقد الدولي، من أن استمرار انقطاع الإنترنت في إيران قد يؤدي إلى إعادة تشكيل هيكل الاقتصاد الرقمي بشكل سلبي على المدى الطويل، وليس فقط خسائر مؤقتة.
ووفق هذه التقديرات، فإن أبرز التداعيات المحتملة تشمل: تراجع الاستثمار الأجنبي والمحلي حيث تشير بيانات البنك الدولي إلى أن عدم استقرار البنية الرقمية يؤدي إلى انخفاض ثقة المستثمرين، ما يدفع الشركات إلى تأجيل أو إلغاء خطط التوسع، خصوصا في القطاعات التقنية والخدمية كما يوضح تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أن الشركات الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد الرقمي هي الأكثر عرضة للإغلاق أو الانتقال إلى أسواق أكثر استقرارا عند تعرضها لانقطاعات طويلة، بسبب ضعف قدرتها على تحمل الخسائر التشغيلية.
تراجع بيئة الأعمال والاستثمار
يؤثر انقطاع الإنترنت بشكل مباشر على ثقة المستثمرين في السوق الإيرانية، ويؤكد تقرير البنك الدولي لعام 2025 أن استقرار البنية التحتية الرقمية يعد عاملا أساسيا لجذب الاستثمار، كما يشير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى أن أي اضطراب في الخدمات الرقمية يؤدي إلى تراجع القدرة التنافسية للاقتصاد، وفي الحالة الإيرانية، يعزز الانقطاع المخاوف بشأن استمرارية الأعمال، خاصة في القطاعات المرتبطة بالتكنولوجيا.
بحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإن تعطّل الاقتصاد الرقمي يؤدي إلى فقدان وظائف مباشرة وغير مباشرة، خاصة في مجالات التسويق الإلكتروني، تطوير البرمجيات، وخدمات التجارة الإلكترونية، وهو ما قد يترك آثارا ممتدة لسنوات، كما يشير صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد العالمي يتجه نحو الاعتماد المتزايد على الرقمنة، وأن أي تعطيل طويل للبنية التحتية الرقمية يؤدي إلى تأخر الدول في اللحاق بهذا التحول، ما يخلق فجوة تنافسية يصعب تعويضها لاحقا.
حلول بديلة
يرى خبراء في سياسات الاقتصاد الرقمي بالبنك الدولي أن غياب الاستقرار يدفع الأفراد والشركات إلى البحث عن حلول بديلة غير منظمة، ما قد يضعف القدرة على التنظيم الضريبي والرقابة الاقتصادية على المدى الطويل، مستقبل الاقتصاد الرقمي في إيران
يبقى مستقبل الاقتصاد الرقمي في إيران مرهونا بمدى استعادة الاستقرار في البنية التحتية للاتصالات، وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن الاستثمار في البنية الرقمية يمثل شرطا أساسيا للنمو كما أن دعم الشركات الصغيرة وتعزيز بيئة الأعمال قد يسهمان في الحد من الخسائر.
تكشف أزمة انقطاع الإنترنت في إيران عن هشاشة الاقتصاد الرقمي أمام الاضطرابات، وتبرز في الوقت نفسه أهميته كأحد محركات النمو، وبينما تتصاعد الخسائر الاقتصادية والضغوط الاجتماعية، تشير المعطيات إلى أن استعادة الاتصال الرقمي ليست مجرد مسألة تقنية، بل شرط أساسي لاستقرار الاقتصاد والمجتمع في ظل عالم يعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا.

