منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

انظروا إلى الخراب البشري الذي خلّفته عبادة التنوع

18 أغسطس 2026
جيسون أرداي (صورة: بي بي سي)
جيسون أرداي (صورة: بي بي سي)

بريندان أونيل

تكمن مأساة جيسون أرداي في أنه صُنع ودُمّر في الوقت نفسه على يد الآلية القاسية للتنوع والإنصاف والشمول (DEI) فقد جعلته الأوساط الأكاديمية فتىً ذهبيًا لمشروعها السطحي المتمثل في “إزالة الاستعمار”، ولم تفكر ولو للحظة في العواقب التي قد تترتب إذا بدأت قصته الهشة في الانهيار، وهو ما كان سيحدث حتمًا، ولا يستطيع أحد إنكار ذلك الآن: فثقافة “اليقظة” تصنع آلهة زائفة ومآسي حقيقية.

لا تقتصر فداحة وفاة أرداي على كونها مروِّعة، بل إنها مثيرة للغضب أيضًا، ويبدو الأمر وكأنه كارثة كان يمكن التنبؤ بها، بل إن بعضنا تساءل علنًا عمّا إذا كان لأرداي أصدقاء من حوله، بينما كانت العاصفة الإعلامية بشأن اختلاقاته المزعومة تتصاعد وتنتشر عالميًا.

لقد كان من التهور الشديد أن تصنع النخب الفكرية “عبقريًا أسود” جديدًا، ثم تقول “عفوًا” عندما بدأت الأسطورة التي صيغت بعناية تتداعى من أطرافها، لقد أدانوه بتملقهم له.

هذه هي الكأس المسمومة لدين الدولة المتمثل في التنوع، فهو ينصب الفخاخ للأشخاص أنفسهم الذين يحتفي بهم، وينتقي أعضاء “المضطهدين” لمنحهم التقديس الأخلاقي والإغراق المؤسسي بالثناء، بينما يتركهم عرضة لانكشاف أمرهم عندما يبدأ الآخرون في التشكيك في مؤهلاتهم.

وذلك هو المقابل السام لسياسات الهوية: فهي تبني قواعد متداعية لمفكرين من الأقليات العرقية، ما يعني أن سقوطهم من مكانتهم غالبًا ما يكون أشد فتكًا بمرتين.

ويا له من موقع رفيع صنعوه لأرداي، لقد عبدوه باعتباره “الأفضل في العالم”، وقدسوه باعتباره نابغة أسود شابًا، يمكن لمجرد وجوده في مكان مثل كامبريدج أن يساعد في محو خطاياها المرتبطة بالبياض، وخلّدوه باعتباره نصبًا حيًا لـ”إزالة الاستعمار“.

كانت هذه الرغبة تحديدًا، رغبتهم المتحمسة والنرجسية في صناعة نوع من المنقذ الأسود، هي التي جعلتهم يغضون الطرف عن العناصر المشكوك فيها في السيرة الذاتية لأرداي وقصة حياته، لقد ضحوا بالتدقيق الواجب لإرضاء إله إزالة الاستعمار.

عانى أرداي، فقد كان في الوقت نفسه الواجهة الدعائية والحمل القرباني لحملة التنوع، وحتى عندما استفاد منها، ووصل إلى المكانة المذهلة المتمثلة في أستاذية كامبريدج، كان يُدان بسببها، وكان الأساس من الأسطورة والرمال الذي بُنيت عليه مسيرته المهنية اللامعة غير قابل للاستمرار.

وكان انهياره أمرًا حتميًا، ويشكل ذلك شهادة على العمى الأيديولوجي لسكان أبراجنا العاجية، إذ لم يتوقع أي منهم حدوثه.

وهنا نصل إلى القلب المتعفن لسياسات الهوية، لقد رأيت تقارير تفيد بأن بعض المفكرين السود كانت لديهم تحفظات على أرداي، لكنهم اختاروا إبقاءها مخفية.

يا إلهي، لقد فاقت عبادتهم لطائفة التنوع اهتمامهم بصديق كان واقعًا في قبضة الاختلاق، كان الحفاظ على صرح سياسات الهوية أهم من حماية زميل من عاصفة قادمة، كان من المؤكد دائمًا أن تكون عنيفة بقدر ما كانت متوقعة.

لقد فضلوا الاستمتاع بنصف ضوء “العبقرية السوداء”، بدلًا من الاهتمام بزميل أسود، إن القسوة الفاوستية التي ينطوي عليها كل ذلك مذهلة.

وسارع اليساريون بالفعل إلى تحميل وسائل الإعلام مسؤولية وفاة أرداي، ويقولون إن الصحفيين طاردوه حتى أصابوه باليأس، وأنا لا أقبل هذا، فالصحافة هي المؤسسة الوحيدة في هذه الفضيحة المأساوية برمتها التي أدت عملها على نحو صحيح.

عثر الصحفيون على قصة ورووها، وكانت الأوساط الأكاديمية وزملاء أرداي هم الذين أخفقوا في أداء واجباتهم، فقد أخفقوا في تفضيل الجدارة على الهوية، وأخفقوا في توقع الإحراج العام الذي كان سيحل بصديقهم الذي جرى الترويج له بصورة زائفة، لقد تجاهلوا الحقيقة، بينما عثرت عليها وسائل الإعلام.

لقد جادلتُ أنا وآخرون لسنوات بأن سياسات الهوية كارثة على الجميع، السود والبيض على حد سواء؛ يُتجاهل الأطفال البيض، بينما يُعامل الأطفال السود بتعالٍ.

يُوصم البيض بأنهم “متمتعون بالامتياز”، بينما يُوصف السود بأنهم “مضطهدون”، ويُنظر إلى البيض باعتبارهم المستفيدين من جرائم تاريخية، ويتعين عليهم التكفير عن خطايا الماضي، بينما يُنظر إلى السود باعتبارهم ضحايا دائمين للتاريخ، يحتاجون إلى اليد الكريمة التي تمدها لهم الدولة، نحن نُشيطن أو نُعامل كقُصّر وفقًا لمجرد المصادفة المتمثلة في عِرقنا.

كفى.. ليكن نصبنا التذكاري لجيسون أرداي هو استعادة المثل الحقيقي للمساواة، لم نتمكن من إنقاذ جيسون، لكن يمكننا إنقاذ الجدارة من بين فكَّي الهوية الوحشية.

نقلاً عن مجلة “ذا سبيكتاتور” البريطانية

ترجمة: زينب مكي