تصاعدت الدعوات الدولية إلى مواجهة العنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب والتعصب، مع التأكيد أن هذه الظواهر لم تعد تقتصر على الممارسات التقليدية، وإنما امتدت إلى الفضاء الرقمي والتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، بالتزامن مع استمرار تأثيرات تاريخية مرتبطة بالاستعمار والاسترقاق وتجارة الرقيق وعدم المساواة الهيكلية.
وجاء ذلك ضمن فعاليات الدورة 63 لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال النقاش العام حول العنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب والتعصب، في إطار البند التاسع من جدول أعمال المجلس، حيث استعرضت الدول والمنظمات المشاركة مواقفها من التحديات المرتبطة بالتمييز، ومدى تنفيذ الالتزامات الواردة في إعلان وبرنامج عمل دوربان، بعد مرور 25 عاماً على اعتمادهما.
دوربان بعد 25 عاماً.. التزامات لم تتحول بالكامل إلى واقع
ركز عدد من الوفود على الذكرى الخامسة والعشرين لاعتماد إعلان وبرنامج عمل دوربان، مؤكدين أن مرور ربع قرن لا يعني انتهاء الحاجة إلى هذا الإطار، بل يفرض مراجعة مستوى التنفيذ ومعالجة الفجوات التي ما تزال قائمة.
وأكدت ألبانيا التزامها بمكافحة العنصرية والتمييز وكراهية الأجانب والتعصب، محذرة من تنامي خطاب الكراهية والتمييز ضد المهاجرين واللاجئين والأقليات، خصوصاً في البيئة الرقمية. وربطت بين التطور التكنولوجي والتحديات الحقوقية، داعية إلى وضع ضمانات تحول دون استخدام الذكاء الاصطناعي في إعادة إنتاج الأحكام المسبقة أو نشر الخطاب العنصري، مع توفير رقابة بشرية وآليات واضحة للمساءلة.
وفي الاتجاه نفسه، قالت إندونيسيا إن العنصرية والتمييز وكراهية الأجانب تتكيف مع التحولات التكنولوجية، محذرة من إمكانية إعادة الذكاء الاصطناعي إنتاج أوجه عدم المساواة والتحيز الموجودة بالفعل، بسبب اعتماد أنظمته على البيانات والخوارزميات. ودعت إلى تعزيز الشفافية والمساءلة والحوكمة الرقمية والابتكار المسؤول.
وأكدت نيجيريا وتنزانيا أهمية عدم تحول التقنيات الناشئة والذكاء الاصطناعي إلى أدوات لنشر خطاب الكراهية، في حين شددت ماليزيا على أهمية الدراية الرقمية إلى جانب التشريعات والتعليم والحوار والمشاركة المجتمعية.
إرث الاستعمار والاسترقاق.. من الاعتراف إلى جبر الضرر
احتلت الآثار التاريخية للاستعمار والاسترقاق وتجارة الرقيق مساحة واسعة من النقاش، خصوصاً في مداخلات الدول الإفريقية ودول أخرى ربطت بين الماضي واستمرار مظاهر عدم المساواة في الحاضر.
وقالت غامبيا إن إرث الاسترقاق والاستعمار لا يزال يؤثر في المنحدرين من أصل إفريقي، خصوصاً في مجالات الهجرة والعدالة والتعليم والعمل والفرص الاقتصادية. ودعت إلى الانتقال من الاعتراف بالظلم التاريخي إلى معالجة آثاره، وضمان سبل الانتصاف للضحايا وتحقيق المساواة في الحياة اليومية.
وأكدت كينيا ضرورة تحويل التعهدات المرتبطة بإعلان وبرنامج عمل دوربان إلى إجراءات ملموسة، ودعت إلى تعزيز العدالة التصحيحية لمعالجة آثار الاسترقاق وتجارة الرقيق، وتطوير الإطار الدولي لمواجهة مظاهر العنصرية المعاصرة، ومنها كراهية الأجانب والتمييز في الفضاء الرقمي.
كما دعمت فنزويلا معالجة الآثار التاريخية للاستعمار والاستعباد وتجارة الرقيق عبر الأطلسي، مؤكدة أهمية الاعتراف وجبر الضرر وضمان عدم التكرار، في حين ربطت نيجيريا وتنزانيا مكافحة العنصرية المعاصرة بمعالجة أسبابها التاريخية والجذرية.
وفي السياق نفسه، أشارت فرنسا إلى خطة عمل وطنية أعلنتها في يوليو لمكافحة العنصرية ومعاداة السامية والتمييز المرتبط بالأصل، وتضم 55 إجراءً. كما تناولت مسؤولية معالجة إرث الاسترقاق والاستعمار وإحياء ذكرى الضحايا، مستندة إلى القانون الفرنسي لعام 2001 الذي يعترف بتجارة الرقيق والاسترقاق باعتبارهما جرائم ضد الإنسانية، وأعلنت دعمها للمبادرة الغانية المتعلقة بالحقيقة التاريخية والعدالة التذكارية.
المنحدرون من أصل إفريقي.. فجوات مستمرة
ركزت الإكوادور على أوضاع المنحدرين من أصل إفريقي، مجددة التزامها بإعلان وبرنامج عمل دوربان والعقد الدولي الثاني للمنحدرين من أصل إفريقي.
وقالت إن تحقيق المساواة يتطلب سد الفجوات في مجالات الأمن والعدالة والتعليم والعمل والمشاركة العامة، مشيرة إلى سياستها الوطنية المعلنة في أكتوبر 2025 لتنفيذ أهداف العقد الثاني، وإلى اعتماد آليات تشاركية مع منظمات المجتمع المدني وقادة المجتمعات.
كما تحدثت عن تطوير مؤشرات للتعددية القومية والثقافية وإدراج التعريف الذاتي في السجلات الإدارية، بهدف تحسين رصد أوجه عدم المساواة وتقييمها.
وأكدت بيلاروس أن الأشكال المعاصرة للتمييز ترتبط بجذور تاريخية، داعية إلى معالجة آثار الاستعمار والاستعباد، في حين أشارت فنزويلا إلى أن دستورها يعترف بالطبيعة متعددة الثقافات والإثنيات، إلى جانب اعتماد تشريعات لمكافحة العنصرية.
ودعت منظمات حقوقية خلال الجلسة إلى تعزيز عمل المنتدى الدائم للمنحدرين من أصل إفريقي ودعم آلياته، معتبرة أن عدم المساواة والتمييز لا يزالان يؤثران في مجتمعات المنحدرين من أصل إفريقي في مناطق مختلفة.
الإسلاموفوبيا والتمييز ضد المسلمين
برزت قضية الإسلاموفوبيا في عدد من المداخلات، حيث أعربت الكويت عن قلقها من انتشار العنصرية ضد المسلمين، داعية إلى تعزيز التنوع والاحترام المتبادل.
كما أدانت الجزائر ما وصفته بتصاعد الإسلاموفوبيا وتدنيس المقدسات والتمييز ضد المسلمين، مشيرة إلى تشريعات وطنية لتجريم خطاب الكراهية والتمييز وإنشاء مرصد وطني لرصد هذه المظاهر.
وأكدت إيران رفضها لجميع أشكال العنصرية والتمييز وكراهية الأجانب والإسلاموفوبيا والأفروفوبيا، معتبرة أن هذه الظواهر لا تزال قائمة بعد 25 عاماً من اعتماد إعلان وبرنامج عمل دوربان، في حين حذر الأردن من الخطابات التي تُحمّل فئات بعينها مسؤولية الأزمات الاجتماعية والاقتصادية.
وشدد الأردن كذلك على ضرورة مواجهة التحريض على الكراهية الدينية مع احترام حرية الرأي والتعبير وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان، مؤكداً أهمية التشريعات وسبل الانتصاف والتعليم والحوار.
التعليم.. أداة للوقاية من العنصرية
تكرر التعليم باعتباره أحد أهم الأدوات المطروحة لمواجهة العنصرية والتمييز، ليس فقط عبر المناهج، وإنما من خلال تدريب المعلمين وتعزيز التفاهم بين المكونات المختلفة للمجتمعات.
وأشارت أيرلندا إلى خطتها الوطنية التي أطلقتها عام 2023 لمعالجة أوجه التفاوت والتمييز في التعليم وتعزيز الشمول ومواجهة الانحياز في المناهج، كما أعلنت تخصيص 1.4 مليون يورو خلال عام 2026 لمشاريع وطنية ومحلية لمكافحة العنصرية.
وأكدت أذربيجان أهمية التعليم والتثقيف في تعزيز الشمول واحترام التنوع، مشيرة إلى مجانية التعليم والمساواة في الوصول إليه، وإلى إدراج مبادئ المساواة واحترام الآخر في المناهج والكتب والأنشطة التعليمية.
أما السودان، فرحب بالتقرير المتعلق بالتعليم بوصفه أداة لمكافحة العنصرية والتمييز وكراهية الأجانب، مؤيداً إدماج مكافحة العنصرية في المناهج وتدريب المعلمين وضمان مجانية التعليم للأطفال في المناطق الأكثر فقراً وتحسين جودته.
ودعت ماليزيا إلى الجمع بين التعليم والحوار بين الأديان والدراية الرقمية والمشاركة المجتمعية، في حين شددت كينيا على أهمية مراجعة المناهج التعليمية، ما يعكس تاريخ وإسهامات الأفارقة والمنحدرين من أصل إفريقي.
الهجرة واللجوء.. التمييز على الحدود
تناولت عدة مداخلات أوضاع المهاجرين واللاجئين باعتبارهم من الفئات الأكثر تعرضاً للتمييز وخطاب الكراهية.
وأعربت سريلانكا عن القلق من تصاعد العنصرية وكراهية الأجانب ضد المهاجرين وعائلاتهم، إلى جانب انتشار التعصب الديني عبر الفضاء الرقمي.
كما ركز بيان مشترك لمنظمات حقوقية على أن أنظمة الهجرة واللجوء لا تزال تتأثر بالتمييز العنصري وعدم المساواة الهيكلية، داعياً إلى توفير مسارات آمنة ومنتظمة للمهاجرين واللاجئين وإنهاء المعاملة التمييزية على الحدود.
وأكد البيان ضرورة حماية النساء والفتيات المنحدرات من أصل إفريقي من العنف، وإدماج مبادئ مكافحة العنصرية في سياسات الهجرة على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.
أما بنغلاديش، فتحدثت عن أوضاع الروهينغا، مشيرة إلى أن نحو 1.2 مليون شخص منهم فروا إلى أراضيها بسبب التمييز والاضطهاد والعنف، ودعت إلى معالجة الأسباب الجذرية وضمان المساءلة وتهيئة الظروف اللازمة لعودتهم الآمنة.
فلسطين.. تباين حاد في المواقف
حضرت القضية الفلسطينية بقوة في عدد من المداخلات، لكن من زوايا مختلفة.
فقد أدانت الكويت ما وصفته بتصاعد أشكال التمييز العنصري ضد الفلسطينيين واستهداف المدافعين عن حقوقهم، معتبرة أن التضامن الإنساني معهم ينبغي ألا يوصف بخطاب الكراهية.
كما أشارت بنغلاديش إلى غزة والضفة الغربية، داعية إلى المساءلة والعدالة، في حين أكدت إيران دعمها للشعب الفلسطيني ودعت إلى حماية متساوية للحقوق والكرامة الإنسانية لجميع الشعوب.
في المقابل، قدمت منظمات يهودية مداخلات ركزت على معاداة السامية والهجمات ضد المؤسسات اليهودية. ودعت إحدى المنظمات إلى الاعتراف بما وصفته بالأشكال المعاصرة لمعاداة السامية، في حين قالت منظمة أخرى إن الهجمات على المؤسسات والكنس اليهودية تصاعدت منذ أكتوبر 2023.
وفي مداخلات مقابلة، اتهمت منظمة أخرى إسرائيل بممارسة سياسات وصفتها بالعنصرية تجاه الفلسطينيين، وربطت ذلك بالاحتلال والضم والعنف، داعية إلى تعزيز المساءلة.
وتظل هذه المواقف، وما تتضمنه من اتهامات متبادلة وتفسيرات مختلفة، جزءاً من النقاش السياسي والحقوقي الذي شهدته الجلسة، دون أن تعني بالضرورة تبني المجلس أو رئاسته لهذه الادعاءات.
أوكرانيا وروسيا.. العنصرية في ظل الحرب
شهدت الجلسة أيضاً سجالاً مرتبطاً بالحرب الروسية الأوكرانية.
فقد تحدث الاتحاد الروسي عمّا وصفه بسياسات معادية للروس في دول أوروبية، معتبراً أنها تمثل شكلاً من أشكال التمييز.
وعقب ذلك، أثارت أوكرانيا نقطة نظام اعترضت فيها على مشاركة متحدث يمثل الاتحاد الروسي، وتناولت وضع شبه جزيرة القرم ومدينة سيفاستوبول والسيادة الإقليمية لأوكرانيا.
وردت رئاسة المجلس بأن تعيين أعضاء الوفود يعود إلى الدول نفسها، وأن مكتب المجلس لا يتدخل في تشكيل الوفود.
وفي مداخلة لاحقة تحدثت ألمانيا بالنيابة عن الاتحاد الأوروبي وعدد من الدول، معترضة على تمثيل ما وصفته بـ«الإدارة الروسية» في منطقة من أوكرانيا تخضع لسيطرة روسية مؤقتة، وأحالت إلى قرارات الجمعية العامة التي تعد المنطقة جزءاً من أوكرانيا.
كما اتهمت أوكرانيا روسيا بممارسات تمييزية ممنهجة في الأراضي الأوكرانية الواقعة تحت السيطرة الروسية، منها ما وصفته بالقيود على الحقوق المدنية والاجتماعية، وترحيل السكان وتغيير التركيبة السكانية.
المنظمات غير الحكومية.. شهادات وملفات متعددة
قدمت المنظمات غير الحكومية خلال النقاش مجموعة واسعة من القضايا، منها التعذيب والاختفاء القسري والعنف ضد الأقليات والعنصرية المؤسسية.
وعرضت منظمة Jerusalem Institute of Justice شهادة شخصية بشأن الاختطاف والاحتجاز وما وصفه المتحدث بالتعذيب، مطالباً بالتحقيق في الادعاءات وملاحقة المسؤولين عنها.
كما تناولت منظمة معنية باليمن أوضاع الأكاديميين والصحفيين والعاملين الإنسانيين والأطفال في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وقدمت اتهامات بشأن الاختطاف والتعذيب والتجنيد، داعية إلى حماية المدنيين والأطفال.
وفي البرازيل حذر Instituto Brasileiro de Direitos Humanos من استمرار التمييز العنصري في ممارسات الشرطة، مستشهداً بعملية أمنية في ريو دي جانيرو في أكتوبر 2025، وقال إن 120 شخصاً قتلوا خلالها، معتبراً أن المجتمعات السوداء والمنحدرين من أصل إفريقي كانوا الأكثر استهدافاً.
كما طرحت منظمة Fundación Vida قضية إدريس ختاك، والد أحد المدافعين عن حقوق الإنسان من البشتون في باكستان، وقالت إنه تعرض للاختطاف والاحتجاز، مطالبة المجلس بالحث على إطلاق سراحه.
وفي سريلانكا اتهمت منظمة حقوقية السلطات بمواصلة طمس تاريخ وهوية التاميل الثقافية، وتحدثت عن المختفين قسراً والمقابر الجماعية، مطالبة بآليات دولية للتحقيق والمساءلة.
العنصرية الرقمية.. تحدٍ يتجاوز الحدود
يكشف النقاش العام أن التطور التكنولوجي أصبح جزءاً أساسياً من معادلة مكافحة العنصرية. فخطاب الكراهية لم يعد محصوراً في المجال العام التقليدي، بل أصبح قادراً على الانتشار عبر المنصات الرقمية بسرعة كبرى، في حين تثير أنظمة الذكاء الاصطناعي أسئلة حول البيانات المستخدمة في تدريبها وإمكانية انتقال التحيزات الاجتماعية إلى نتائجها.
ولهذا ركزت ألبانيا وإندونيسيا ونيجيريا وتنزانيا وماليزيا على الحوكمة الرقمية والشفافية والمساءلة، مع التأكيد أن الابتكار التكنولوجي يجب ألا يؤدي إلى إعادة إنتاج التمييز.
وفي المقابل، دعت مداخلات أخرى إلى مواجهة خطاب الكراهية من خلال التعليم والتوعية والتعاون الدولي، باعتبار أن التكنولوجيا لا تعمل بمعزل عن البيئات الاجتماعية والقانونية التي تستخدم فيها.
بين الالتزام والتنفيذ
أظهرت المناقشات أن هناك مساحة واسعة من التوافق الدولي حول رفض العنصرية والتمييز وكراهية الأجانب والتعصب، لكن الخلافات تظهر بصورة كبرى عند الانتقال من المبادئ العامة إلى تفسير أسباب الظاهرة وآليات معالجتها وتحديد المسؤوليات.
وبينما ركزت دول على إرث الاستعمار والاسترقاق وضرورة العدالة التصحيحية وجبر الضرر، شددت دول أخرى على الإسلاموفوبيا أو معاداة السامية أو التمييز ضد المهاجرين واللاجئين، في حين اتجهت مداخلات أخرى إلى قضايا التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتعليم.
ويشير تعدد الملفات المطروحة إلى أن تنفيذ إعلان وبرنامج عمل دوربان بعد 25 عاماً لا يرتبط فقط بإقرار تشريعات جديدة، وإنما بقدرة الدول على تحويل مبادئ المساواة وعدم التمييز إلى سياسات وممارسات قابلة للقياس، وتوفير سبل انتصاف فعالة للضحايا، وضمان عدم تحول التقنيات الحديثة إلى وسيلة جديدة لإعادة إنتاج التحيز.
وفي نهاية النقاش برزت رسالة مشتركة بين غالبية المداخلات؛ أن مكافحة العنصرية لا تتطلب فقط مواجهة مظاهرها المباشرة، بل معالجة جذورها التاريخية والمؤسسية والاجتماعية، وضمان أن تكون المساواة وحماية الكرامة الإنسانية واقعاً ملموساً في التعليم والعمل والعدالة والهجرة والفضاء الرقمي، مع تعزيز التعاون الدولي والمساءلة عن الانتهاكات.
