منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

رحلة البحث عن قائد.. “حقوق الإنسان” في قلب استعادة دور منظمة الأمم المتحدة

13 أغسطس 2026
السباق إلى منصب قائد الأمم المتحدة يشتعل
السباق إلى منصب قائد الأمم المتحدة يشتعل

تواجه الأمم المتحدة أزمة تتجاوز ضعف النفوذ أو نقص التمويل، لتطال قدرتها على أداء الدور الذي أُنشئت من أجله: حماية السلام، وترسيخ النظام الدولي، والدفاع عن حقوق الإنسان والتنمية ومواجهة تغير المناخ.

ويأتي سباق اختيار الأمين العام المقبل في لحظة تبدو فيها المنظمة أكثر احتياجًا إلى قيادة قادرة على استعادة دورها، بعدما تراجع صوتها في أزمات وحروب كبرى، وتزايد تجاهل القوى الدولية لقراراتها وآلياتها.

تُظهر تجربة المنظمة أن أزمة الجمود ليست جديدة، إذ تذكّر “فايننشيال تايمز” بأن صحيفة “نيويورك تايمز” نشرت في 20 أكتوبر 1959 خبرًا صغيرًا بعنوان “جمود في الأمم المتحدة”، بعدما لم يتمكن مجلس الأمن طوال ذلك العام من الاتفاق إلا على قرار واحد لإنشاء لجنة فرعية للتحقيق في غارة مزعومة عبر الحدود إلى لاوس.

لكن الصحيفة ترى أن الأزمة الراهنة تبدو أكثر قتامة، مع اقتراب نهاية ولاية الأمين العام أنطونيو غوتيريش، واحتدام السباق لخلافته.

معركة تتعلق ببقاء المنظمة

يواجه الأمين العام المقبل معركة تتعلق ببقاء المنظمة نفسها، وليس فقط بمدى أهميتها، في ظل تراجع التعددية الدولية وتزايد التشكيك في قدرة الأمم المتحدة على صياغة قواعد عالمية تحكم قضايا تتراوح بين السلام والأمن ومواجهة تغير المناخ.

يقول المسؤول الأممي رفيع المستوى السابق، ثانت مينت-يو، إن المفارقة تكمن في أن الأمم المتحدة لم تكن من قبل مهمشة بهذا الشكل في إدارة الأزمات العالمية، لكنها لا تزال تمتلك “القوة الخارقة الخفية” المتمثلة في قدرة أمينها العام على الوساطة باسم المنظمة العالمية الوحيدة ذات الطابع الشامل.

تكشف الأزمات المتلاحقة عمق التحدي، بعدما تزايد تجاهل روسيا والولايات المتحدة للأمم المتحدة، بينما ترى دول أخرى أن هياكلها لا تزال تعكس موازين القوى التي كانت قائمة عام 1945، وليس واقع العالم الحالي.

كما ظل مجلس الأمن في حالة جمود منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، بعد أن تراجع عدد قراراته بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة.

وتضاعف المنافسة الدولية الضغوط على المنظمة، بعدما أنشأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “مجلس السلام” بوصفه منافسًا محتملًا للأمم المتحدة، بينما أصبحت مجموعة العشرين وغيرها من التكتلات العالمية تنافس الجمعية العامة على اهتمام قادة الدول، وفي الوقت نفسه، تراجعت مكانة الأمم المتحدة كوسيط إلى درجة يكاد معها صوتها لا يُسمع في حروب أوكرانيا وغزة وإيران.

أزمة التمويل

تواجه المنظمة كذلك فجوة مالية هائلة، بعدما خفّضت الولايات المتحدة ودول أخرى تمويلها، بينما تحتاج بيروقراطيتها ووكالاتها إلى إصلاحات واسعة.

ويصف رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الأرجنتيني رافائيل غروسي، الوضع بأنه أقرب إلى “موت بطيء”، نتيجة انجراف الأمم المتحدة نحو فقدان الأهمية من دون مساهمة ذات معنى في الأزمات الأخيرة أو الحروب بين الدول.

وأعاد تراجع الدور الأممي طرح سؤال الحقوق بصورة مباشرة، إذ تقوم المنظمة خلال العقدين الماضيين على ثلاثة أعمدة رسمية هي الأمن والتنمية وحقوق الإنسان، فيما باتت هذه الأعمدة جميعًا مهددة.

ويرى مسؤولون أمميون كبار أن روسيا تمثل العائق الأساسي أمام مجلس الأمن، بينما تتجاوز الولايات المتحدة المجلس في بعض الحالات، وتدعم الصين النظام متعدد الأطراف علنًا لكنها تنحاز في أحيان كثيرة إلى روسيا لعرقلة قرارات تقودها دول غربية.

خفض التمويل الأمريكي

أضعفت إدارة ترامب عمود التنمية وحقوق الإنسان، بعدما خفضت التمويل الأمريكي وأوقفت دعم عدد من الوكالات، وهو ما أدى إلى أزمة في الميزانية وإلغاء آلاف الوظائف.

ويقر أحد العاملين في المجال الإنساني بالأمم المتحدة بأن بعض مطالب الإصلاح الأمريكية ليست غير معقولة، معتبرًا أن المنظمة مطالبة بالاعتراف بوجود برامج ووكالات لا ينبغي أن تستمر بالشكل الحالي.

وأطلق غوتيريش خطة إصلاح بمناسبة الذكرى الثمانين للأمم المتحدة، لكنها واجهت مقاومة مؤسسية، بينما قال موظفون إن التخفيضات استهدفت في حالات كثيرة أصحاب العقود الضعيفة بدلًا من أصحاب الأداء الضعيف الذين أمضوا سنوات طويلة داخل المنظمة.

المرشحون

في خضم هذه الأزمة ظهر سبعة مرشحين لخلافته، وسط آمال بأن يمثل السباق فرصة لإعادة النظر في وظيفة المنظمة واستعادة زخمها.

تضع عملية الاختيار الدول الخمس دائمة العضوية في قلب المشهد، إذ يُحسم الأمر في مجلس الأمن المؤلف من 15 عضوًا، لكن أصوات الولايات المتحدة والصين وروسيا والمملكة المتحدة وفرنسا تظل الأكثر حساسية بسبب امتلاك كل منها حق النقض، ويزيد ذلك إحباط الدول الأعضاء الـ193، التي تطالب بإعادة النظر في تركيبة المجلس بما يعكس النظام العالمي الحالي.

أظهرت الاستطلاعات الأولية تقدم ريبيكا غرينسبان، نائبة رئيس كوستاريكا السابقة ورئيسة الأونكتاد حاليًا، بعدما حصلت على عشرة أصوات “تشجيع”، فيما جاءت سفيرة غويانا لدى الأمم المتحدة كارولين رودريغيز-بيركيت ثانية، وحل رافائيل غروسي ثالثًا، وإذا نجحت غرينسبان، البالغة 70 عامًا، فستصبح أول امرأة تتولى منصب الأمين العام.

وتبقى الولايات المتحدة قادرة على قلب السباق، بعدما لعبت تقليديًا دورًا حاسمًا في اختيار الأمين العام، ويوازن الموقف الأمريكي بين الرغبة في أمين عام مطواع وبين الحاجة إلى قائد قادر على تنفيذ إصلاحات والتعامل مع أزمات لا ترغب واشنطن في إدارتها بنفسها.

قال السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، إن بلاده تريد من المنظمة التركيز على قضايا تتماشى مع السياسة الخارجية للرئيس، مثل أزمتي هايتي وغزة، مع “خفض الباقي”.

إنقاذ الدور الأممي

يطرح المرشحون والخبراء الوساطة باعتبارها الطريق الأكثر واقعية لاستعادة نفوذ المنظمة، إذ يرى ثانت مينت-يو أن الدور الأساسي للأمين العام يجب أن يكون “الوسيط الأول”، مستعيدًا نموذج السنوات الأولى للأمم المتحدة، عندما كان المكتب السياسي يضم عددًا محدودًا من الموظفين وكانت الوساطة المباشرة جزءًا أساسيًا من عمل الأمين العام.

ويطالب مسؤول أممي كبير بأن يتحرك الأمين العام المقبل نحو الحروب التي خرجت من دائرة اهتمام الإعلام، ومن بينها الحرب في جمهورية الكونغو الديمقراطية، بدلًا من الانشغال المفرط بإدارة المؤسسة من مقرها في نيويورك.

وترى ريبيكا غرينسبان أن الأمم المتحدة تحتاج إلى دبلوماسية هادئة وإلى بناء شراكات أكبر، مستشهدة بدورها في اتفاق الحبوب عبر البحر الأسود عام 2022 بين روسيا وأوكرانيا وتركيا والأمم المتحدة.

ويؤكد رافائيل غروسي أهمية الوساطة حتى مع الأطراف التي ترتكب أفعالًا خطيرة، مستشهدًا بلقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد غزو أوكرانيا عام 2022، بينما تحذر الاقتصادات النامية والدول الأصغر من أن تؤدي الإصلاحات إلى تقليص برامج مكافحة الفقر وتغير المناخ.

العلاقة مع الولايات المتحدة

تمنح المساعدات الإنسانية مجالًا محتملًا لإعادة بناء العلاقة مع الولايات المتحدة، بعدما تمكن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من الحفاظ على التمويل الأمريكي رغم إغلاق وكالة التنمية الأمريكية “USAID”.

يقول رئيس المكتب، الدبلوماسي البريطاني السابق توم فليتشر، إن الولايات المتحدة منحت المكتب ملياري دولار في ديسمبر الماضي، وإن التمويل الإنساني المباشر تجاوز أربعة مليارات دولار.

وتحذّر إستر جوداه، العاملة السابقة في مجال المساعدات بالأمم المتحدة، من أن العالم تغير، وأن الأمين العام المقبل يحتاج إلى التفكير بطريقة مختلفة.

تبقى منظمة الأمم المتحدة أمام فرصة محدودة لاستعادة دورها، بينما يختصر أحد مسؤوليها المعضلة بالقول “إن قوة الأمم المتحدة لا تتجاوز ما يسمح لها به أعضاؤها، والأهم الأقوياء منهم”.