منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

التنمية المستدامة في مواجهة الحروب.. وعود 2030 تتقلص أمام واقع حقوق الفقراء والنازحين

22 سبتمبر 2026
التنمية المستدامة في مواجهة الحروب.. وعود 2030 تتقلص أمام واقع حقوق الفقراء والنازحين
التنمية المستدامة في مواجهة الحروب.. وعود 2030 تتقلص أمام واقع حقوق الفقراء والنازحين

مع بقاء أقل من أربع سنوات على الموعد الذي حدده العالم لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، تتقلص الفجوة بين الطموح والواقع إلى أزمة لا تقاس بالأرقام وحدها، بل بحياة ملايين البشر الذين تقطعت بهم السبل في مناطق النزاع والنزوح.

ويصطدم الوعد الذي أطلقته الأمم المتحدة عام 2015 بألا “يُترك أحد خلف الركب” بواقع مغاير، حيث تتشابك الحروب المستمرة مع الجوع والفقر وشح التمويل الدولي، لتجعل أبسط الحقوق الإنسانية عرضة للتراجع.

في سبتمبر 2015، أقرّت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة سبعة عشر هدفاً طموحاً يمتد أثره حتى 2030، من القضاء على الفقر المدقع ومكافحة الجوع، إلى تطوير التعليم والصحة ومواجهة التغير المناخي.

قال رئيس لجنة الإنقاذ الدولية ووزير الخارجية البريطاني الأسبق، في مقال رأي تحليلي نشرته مجلة “فورين بوليسي”، افترض هذا الالتزام وجود دول فاعلة، وتعاون دولي متماسك، وقدرة على تحويل التمويل إلى نتائج ملموسة على الأرض.

إعادة رسم خريطة الفقر

واصطدم هذا التصور، خلال السنوات الآتية، بعالم غارق في الاضطرابات، مع حروب متجددة، وميزانيات مساعدات تتقلص، وتعاون دولي يفقد زخمه، ولخص ميليباند، قائلاً إن أهداف التنمية المستدامة لم تصمم أصلاً لهذا العصر، مشيراً إلى أن كلمة “نزاع” ترد في وثيقة الأهداف مرات أقل من كلمة “مصايد الأسماك”، في حين لا يوجد ضمنها هدف مستقل يتعامل مع المساعدات الغذائية الإنسانية أو يعالج النزاعات والنزوح باعتبارهما محركين رئيسيين للجوع.

وأظهرت الأرقام الواردة في تقرير “حالات الهشاشة 2025” الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حجم الفجوة، إذ يعيش 25% من سكان العالم في 61 سياقاً صُنفت بأنها تعاني هشاشة مرتفعة أو شديدة، في حين تحتضن هذه السياقات 72% من فقراء العالم المدقعين.

وأظهر التقرير أيضاً أن أياً من السياقات ذات الهشاشة المرتفعة أو الشديدة لم يكن على المسار الصحيح نحو تحقيق الأهداف المرتبطة بالسلام أو الجوع أو الصحة أو المساواة بين الجنسين.

وربط التقرير هذه الهشاشة المتصاعدة بتراكم الأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تغذي بدورها اللامساواة والفقر وانعدام الأمن الغذائي، موضحاً أن أكثر من 100 مليون لاجئ ونازح داخلياً، أي نحو أربعة أخماس جميع النازحين قسراً في العالم، ينحدرون من هذه السياقات الهشة.

وأكدت الأبحاث التي استند إليها ميليباند في مقاله أن النزاعات المسلحة عطلت بالفعل مسار التنمية العالمية، إذ كان الصراع المسلح حتى عام 2021 قد أخر التقدم نحو أهداف التنمية المستدامة بما يعادل 18 عاماً، موضحاً أن 15% فقط من بين 139 هدفاً تتوفر عنها بيانات كافية كانت تسير في الاتجاه الصحيح، في حين ظلت الدول الهشة والمتأثرة بالنزاعات هي الأبعد عن تحقيق الأهداف، كما تقع فيها قرابة نصف وفيات الأطفال دون سن الخامسة عالمياً.

وأشار ميليباند إلى أن أكثر من نصف الأشخاص الذين يُتوقع أن يعيشوا في فقر مدقع بحلول 2030 سيكونون في عشرين دولة مدرجة على قائمة مراقبة حالات الطوارئ الصادرة هذا العام عن لجنة الإنقاذ الدولية، وأوضح أن هذه الدول لا تمثل سوى 12% من سكان العالم، لكنها تضم 89% من الأشخاص الذين يحتاجون إلى مساعدات إنسانية حول العالم، وخلص إلى أن جيلا من مكاسب التنمية فقد بسبب حروب لا تجد لها نهاية.

تراجع التمويل

أقر تقرير الأمم المتحدة لأهداف التنمية المستدامة لعام 2026، الصادر عن إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في يوليو الماضي، بتحقق تقدم منذ 2015 في مجالات مثل الوصول إلى المياه النظيفة والكهرباء والرعاية الصحية والاتصال الرقمي.
وأشار التقرير في الوقت نفسه إلى أن هذا التقدم ظل غير كافٍ وغير متكافئ أمام تصاعد النزاعات، وتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، وتغير المناخ، وتراكم أعباء الديون، وانحسار المساعدات الإنمائية الرسمية.

ونقلت “رويترز” عن التقرير الأممي ذاته أن سد الفجوة التمويلية اللازمة لتحقيق الأهداف بحلول 2030 يتطلب نحو 4 تريليونات دولار سنوياً، في وقت تتزايد فيه مخاطر تعطل المسار بفعل أزمات متشابكة ونقص التمويل. وأشارت الوكالة إلى أن التقرير رصد أيضاً مكاسب، أبرزها وصول مليارات البشر إلى الكهرباء والمياه والخدمات الصحية، وهو ما يجعل التمويل حاسماً للحفاظ على ما تحقق واستكمال ما تبقى من الأهداف.

وكشفت بيانات نشرتها “فايننشال تايمز” عن تراجع المساعدات الإنمائية الرسمية بنحو 60 مليار دولار بين عامي 2023 و2025، بعدما خفضت دول غربية كبرى، من بينها الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، موازناتها المخصصة للمساعدات.
دفع هذا التراجع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى محاولة التعويض عبر جذب مزيد من استثمارات القطاع الخاص، في حين نقلت الصحيفة عن رئيس البرنامج ألكسندر دي كرو أن هدف القضاء على الفقر بحلول 2030 بات أمراً غير مرجح.

وأظهرت “الغارديان” أن خفض ميزانية المساعدات البريطانية من 0.5% إلى 0.3% من الدخل القومي يهدد الإنفاق الصحي والتعليمي في عدد من الدول الإفريقية، وأفاد تقييم أثر أعدته الحكومة البريطانية بأن هذا الخفض قد يزيد عبء الأمراض والوفيات، خصوصاً بين الفقراء والنساء والأطفال وذوي الإعاقة، كما أشار التقييم إلى تأثيرات محتملة على التعليم، بينها إغلاق مبكر لبرنامج تعليم الفتيات في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وهو ما سيطول نحو 170 ألف طفل في منطقة كاساي الريفية المتضررة من النزاع.

وتكشف هذه الأرقام أن أزمة التمويل لا تتعلق فقط بحجم الموازنات، بل تمتد إلى الخدمات التي يعتمد عليها الأكثر ضعفاً، من الصحة والتعليم إلى الغذاء والحماية الاجتماعية، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات المرتبطة بالنزوح والحروب.

ماذا بعد 2030؟

شخّص المؤرخ والاقتصادي آدم توز، أستاذ التاريخ ومدير المعهد الأوروبي بجامعة كولومبيا، أزمة نموذج التنمية بصورة أوسع في مقال تحليلي نشرته “فورين بوليسي” تحت عنوان “نهاية التنمية”، حيث رأى أن الأمر لا يقتصر على تقليص واشنطن لمساعداتها، بل يعكس أزمة أشمل يمر بها النظام الدولي للتنمية ذاته، وتراجعا في الإجماع الذي أحاط بأهداف 2015، في ظل عالم تتبدل فيه موازين القوى وتتكاثر فيه الأزمات.

يرى ميليباند أن السنوات المتبقية حتى 2030 يجب أن تُستثمر في تعزيز ما أثبت نجاحه فعلياً، بدلاً من إطلاق موجة جديدة من الوعود، واستشهد بالمساعدات النقدية التي تمكّن الأسر النازحة من تجنب العوز وإعادة بناء حياتها بسرعة أكبر من المساعدات العينية التقليدية، ويمكنها بالتمويل ذاته الوصول إلى ملايين إضافية من المحتاجين، كما أشار إلى أنها يمكن أن تولد دولارين من النشاط الاقتصادي المحلي مقابل كل دولار من التمويل.

أشار ميليباند إلى الدور الذي لعبته منظمات المجتمع المدني والوكالات الإنسانية في الحفاظ على استمرار الخدمات الأساسية حتى في الأماكن التي انهارت فيها مؤسسات الدولة، داعيا الحكومات والبنك الدولي وتحالف “جافي” العالمي للقاحات، إلى جانب المؤسسات متعددة الأطراف الأخرى، إلى تيسير وصول التمويل للمنظمات التي أثبتت جدواها، وتوجيه الموارد نحو الشركاء الذين يصلون إلى المحتاجين بسرعة ويستخدمون التمويل بكفاءة.

واقترح ميليباند أن يكون الإطار الذي سيخلف أهداف التنمية المستدامة أكثر تركيزاً وأضيق نطاقاً، ويتمحور حول الفقر والجوع والصحة والتعليم في الدول الهشة والمتأثرة بالنزاعات، مع تخصيص هدف مستقل للحد من الهجمات على العاملين في الخطوط الأمامية والخدمات الأساسية، ودعا أيضاً إلى صياغة أهداف واضحة وقابلة للقياس، بحيث يمكن تتبع حصول أطفال مناطق النزاع على اللقاحات، واستمرار علاج سوء التغذية أثناء الحروب، ووصول الأسر النازحة إلى المساعدات النقدية والحماية الاجتماعية، وبقاء المدارس والعيادات قيد التشغيل.

أكد تقرير الأمم المتحدة لعام 2026 أن أهداف التنمية المستدامة تبقى الإطار العالمي المشترك للسلام والازدهار والاستدامة، لكنه أشار إلى أن السنوات المتبقية حتى 2030 ستكون حاسمة في تحديد إمكانية تحقيقها، في ظل نزاعات متصاعدة ومساعدات متراجعة وديون متراكمة ومناخ متغير، ودعا إلى ضخ استثمارات أكبر، وتعزيز التعاون الدولي، وتوسيع الوصول إلى التكنولوجيا والبيانات، وتجديد الالتزام السياسي بالسلام.
تكشف هذه المعطيات أن حقوق الفقراء والنازحين وسكان مناطق النزاع أصبحت في صميم التحدي الذي تواجهه أجندة 2030، فالمسألة لم تعد تتعلق بمؤشرات قد تتأخر عن مواعيدها فحسب، بل بقدرة أكثر المجتمعات هشاشة على الوصول إلى الغذاء والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، في وقت تتقلص فيه الموارد ولا تتوقف فيه الحروب.
ويبقى شعار “ألا يُترك أحد خلف الركب” قائماً، لكن تحقيقه فعلياً يتطلب إطاراً يستجيب لواقع هؤلاء البشر.