منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الحرب تركتها واقفة.. منازل متضررة تهدد العائدين في سوريا

01 أكتوبر 2026
الحرب تركتها واقفة.. منازل متضررة تهدد العائدين في سوريا
الحرب تركتها واقفة.. منازل متضررة تهدد العائدين في سوريا

لم يمت حسان المصري بقصف جديد، ولم يكن الشاب السوري البالغ من العمر 31 عاما في ساحة قتال، كان داخل مبنى متضرر في بلدة حاس بريف إدلب الجنوبي، عندما انهار جزء من سقفه فوقه، المبنى الذي قتله في أغسطس/آب 2026 كان قد أصيب بأضرار خلال سنوات الحرب.

وأفادت وكالة الأنباء السورية (سانا) في 8 أغسطس/آب بأن المبنى سبق أن تعرض لأضرار جراء القصف، فيما حذرت السلطات المحلية السكان من دخول الأبنية المتضررة أو ترميمها قبل إخضاعها لتقييم هندسي.

تكشف وفاة حسان وجها آخر للحرب السورية، فالقصف قد يتوقف، لكن أثره يبقى داخل آلاف المنازل المتصدعة أو المتضررة، بينما تضطر أسر إلى العودة إليها أو البقاء فيها بسبب محدودية البدائل وارتفاع كلفة الإصلاح والسكن.

وهنا لا يصبح السؤال فقط: كم سوريًّا عاد إلى منزله؟ بل هل المنزل الذي عاد إليه آمن أصلاً، ومن يتحمل مسؤولية حمايته إذا لم يكن كذلك؟

أكثر من نصف المساكن متضرر

تكشف أحدث البيانات المتاحة اتساع المشكلة، فوفق تقييم أوردته وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء في يوليو/تموز 2026، واستند إلى تقييم مشترك أجرته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وقطاع المأوى خلال الربع الأخير من 2025، كان نحو 52% من مخزون المساكن في سوريا متضرراً جزئياً أو كلياً حتى نهاية العام.

ولا تعني النسبة أن أكثر من نصف المنازل آيلة للسقوط، وإنما تكشف حجم المساكن التي تعرضت لأضرار بدرجات متفاوتة، فيما يتطلب تحديد صلاحية أي مبنى للسكن تقييما هندسيا متخصصا.

وتظهر البيانات تفاوتا بين المناطق، ففي حماة سجلت 15% من المجتمعات التي شملها التقييم نسبة تدمير كامل تجاوزت نصف مخزونها السكني، مقابل 16% في حمص. وفي يوليو/تموز 2026، قدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قيمة الأضرار التي خلفها الصراع في البنية التحتية والمباني بنحو 108 مليارات دولار، مع وجود عشرات الملايين من أطنان الأنقاض، بعضها ملوث بمخلفات متفجرة.

ولا تظهر المخاطر دائما بالعين المجردة، فقد يبقى المبنى قائما رغم تعرض بعض عناصره الإنشائية للضرر، بينما يمكن للرطوبة وغياب الصيانة وتغير الأحمال أن تزيد هشاشته مع مرور الوقت.

العودة لا تعني الأمان

بالنسبة إلى ملايين السوريين الذين غادروا منازلهم، تمثل العودة خطوة نحو استعادة الحياة الطبيعية، لكنها لا تصبح آمنة بمجرد فتح الطريق إلى المنطقة الأصلية، فالمشكلة لا تتوقف عند سلامة الجدران والسقوف، وإنما تشمل إزالة الأنقاض وتأمين المياه والكهرباء والصرف الصحي والمدارس والمراكز الصحية، ما يجعل أزمة المساكن جزءا من أزمة أوسع ترتبط بالنزوح والتعافي وإعادة الإعمار.

وفي حلب وحمص، تضمنت برامج طرحها برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية خلال 2026 تقييم السلامة الإنشائية للمباني والبنية التحتية وتحديد المخاطر ضمن تدخلات تستهدف دعم العودة الآمنة.

وزاد زلزال فبراير/شباط 2023 هشاشة بعض المناطق التي كانت تعاني أصلا آثار الحرب. ووفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أدى الزلزال في سوريا إلى وفاة أكثر من 5,900 شخص وإصابة أكثر من 11,200، فيما تأثر نحو 8.8 مليون شخص.

وفي بعض المناطق اجتمعت أضرار الحرب والزلزال، ما يجعل الكشف الهندسي على الأبنية خطوة تسبق العودة والترميم، لا إجراء يمكن تأجيله إلى ما بعد سكن الأسر فيها، لكن التحذير من دخول المباني المتضررة يفتح سؤالا آخر: ماذا تفعل الأسرة إذا قيل لها إن منزلها غير آمن، بينما لا تملك كلفة إصلاحه أو استئجار مسكن بديل؟

ترميم بالإمكانات المتاحة

قال الحقوقي السوري إبراهيم شيخو، رئيس منظمة حقوق الإنسان في عفرين، في تصريحات خاصة لـ”صفر” :” إن أوضاع المواطنين الذين يحاولون العودة إلى منازلهم المتضررة من الحرب معقدة”، موضحا أن مشاريع الإعمار والاستثمار المعلنة لا تزال في مراحلها الأولى، فيما لا يزال كثيرون يعيشون في الخيام والمخيمات.

وأضاف أن بعض الراغبين في العودة يضطرون إلى ترميم منازلهم بأنفسهم رغم محدودية مواردهم المالية، معتبرا أن حجم الدمار يتجاوز قدرة الجهود الفردية والمحلية ويحتاج إلى دعم دولي يشمل المساكن والمدارس والبنية الأساسية.

من جانبها، قالت الحقوقية السورية راقية الشاعر، العضو السابق في منظمة حقوق الإنسان السورية، لـ”صفر”، إن استمرار الدمار يحول دون عودة أعداد من سكان المخيمات إلى منازلهم ومناطقهم.

وربطت الشاعر ضعف القدرة على إعادة تأهيل المناطق السكنية، من بين عوامل أخرى، بعدم كفاية المساعدات الدولية، داعية إلى دعم يبدأ بالمنح وتقييم حجم الأضرار والاحتياجات ويمتد إلى مشاركة فرق متخصصة في إعادة الإعمار.

من يتحمل مسؤولية الحماية؟

بدوره، قال الباحث السوري المتخصص في قضايا المجتمع المدني الدكتور زيدون الزعبي إن ملف المساكن المتضررة شديد التعقيد، لارتباطه بتوفير السكن لملايين الأشخاص، إلى جانب تحديات إزالة كميات ضخمة من الأنقاض.

وأضاف، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، أن معالجة الملف تحتاج إلى خطة واضحة وتوعية السكان بمخاطر العودة إلى المنازل المتضررة قبل تقييمها وتأهيلها، مشيرا إلى أن إعادة الإعمار تحتاج إلى موارد مالية كبيرة وجهود قد تمتد لسنوات.

لكن مسؤولية حماية السكان لا يمكن أن تقع على الأسر وحدها، فالتحذير من دخول منزل غير آمن قد يمنع كارثة، لكنه لا يوفر سقفا بديلا للأسرة التي لا تملك مكانا آخر تذهب إليه.

وتحتاج الحماية إلى تعاون بين السلطات المحلية والجهات الهندسية والمنظمات الدولية ووكالات الإغاثة، يبدأ بمسح المباني وتقييم سلامتها وتحديد ما يحتاج إلى تدعيم أو إزالة، بالتوازي مع توفير بدائل سكنية للأسر التي يتعذر عليها البقاء في منازلها.

كما يرتبط الملف بحقوق السكن والأرض والملكية، وفي سبتمبر/أيلول 2026، أثارت “هيومن رايتس ووتش” مخاوف بشأن أوضاع عائدين وجدوا منازلهم مدمرة أو مناطقهم تفتقر إلى المياه والكهرباء والرعاية الصحية، وتناولت قضايا حقوق الملكية ومشاركة السكان المتضررين في مشاريع إعادة الإعمار.

وتزداد الحاجة إلى الحماية بالنسبة إلى الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والأسر محدودة الدخل، التي قد تجد نفسها مضطرة إلى البقاء في مسكن متضرر لأنها لا تملك كلفة الانتقال أو الترميم.

القصف انتهى.. والخطر بقي

تختصر قصة حسان المصري جانبا من المعضلة؛ فالمبنى الذي تضرر خلال الحرب قد لا ينهار يوم القصف، وقد يبقى واقفاً سنوات، لكنَّ بقاءه لا يعني أن الخطر انتهى، ومع تضرر أكثر من نصف مخزون المساكن جزئيا أو كليا، لا يمكن قياس العودة بعدد من وصلوا إلى عناوينهم القديمة فقط، وإنما بقدرتهم على العيش فيها بأمان والحصول على الخدمات الأساسية وحماية حقوقهم في السكن والملكية.

فالحرب قد تصمت في الميدان، بينما يبقى أثرها معلقا فوق رؤوس المدنيين إلى أن تخضع المنازل المتضررة لتقييم حقيقي، ويجري ترميم ما يمكن إنقاذه وإزالة ما يشكل خطراً وتوفير بديل آمن لمن لا يستطيع العودة، فالعودة لا تكتمل بالوصول إلى المنزل، بل عندما يعود المنزل نفسه مكانا للحماية لا خطراً جديداً على ساكنيه.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية