منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

اللاجئون السوريون.. الحماية المؤقتة لا تصنع الاستقرار

19 يوليو 2026

لم يعد اللاجئون السوريون يعيشون فقط أزمة نزوح، بل أزمة مستقبل مفتوح على احتمالات معقدة. ففي تركيا ولبنان والأردن ومصر والعراق يواجه السوريون تحديات تتجاوز الإغاثة الإنسانية نحو معارك يومية مرتبطة بالحصول على العمل والتعليم والإقامة القانونية، وسط بيئة إقليمية تتزايد فيها الضغوط الاقتصادية والسياسية على المجتمعات المضيفة واللاجئين معا.

وفي دول الجوار يواجه ملايين السوريين تحديات تتعلق بالعمل والتعليم والوضع القانوني والقدرة على الاندماج، بينما تتراجع المساعدات الدولية تدريجيا وتتزايد النقاشات السياسية والاجتماعية المرتبطة بملف اللجوء ومستقبل اللاجئين في المنطقة.

يركز هذا التقرير على تركيا ولبنان والأردن ومصر والعراق لأنها تمثل الدول الرئيسة المستضيفة للاجئين السوريين منذ بداية الأزمة. كما أن اختلاف أوضاع هذه الدول اقتصاديا وسياسيا وقانونيا يعكس تباين التحديات المرتبطة بالحماية والاندماج، ويكشف كيف تحولت أزمة اللجوء من استجابة إنسانية مؤقتة إلى ملف طويل الأمد يمس سوق العمل والخدمات العامة والبنية الاجتماعية في المنطقة.

أعداد كبيرة وضغوط

تشير بيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى أن السوريين ما زالوا يشكلون واحدة من أكبر مجموعات اللاجئين في العالم، إذ توضح بيانات الاستجابة الإقليمية للأزمة السورية وجود ما يقارب خمسة ملايين لاجئ سوري مسجلين في دول الجوار الرئيسة.

وتستضيف تركيا العدد الأكبر من اللاجئين السوريين، بوجود نحو 2.8 مليون سوري تحت الحماية المؤقتة، فيما يستضيف لبنان مئات الآلاف من السوريين، في حين يستضيف الأردن أكثر من نصف مليون لاجئ مسجل، إضافة إلى أعداد أخرى غير مسجلة رسميا.

ومع استمرار الأزمات الاقتصادية في بعض الدول المستضيفة باتت المجتمعات المحلية تواجه ضغوطا متزايدة تتعلق بالخدمات وفرص العمل والبنية التحتية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على أوضاع اللاجئين وقدرتهم على الاستقرار.

تحديات تتجاوز الإغاثة

يوضح رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبدالغني، أن اللاجئين السوريين يواجهون تحديات قانونية واقتصادية واجتماعية معقدة داخل دول الاستضافة، مشيرا إلى أن غياب الوضع القانوني المستقر وهشاشة التوثيق يمثلان من أبرز العقبات التي تعوق الاستقرار وتؤثر في قدرة اللاجئين على الوصول إلى الحقوق والخدمات الأساسية.

ويقول عبدالغني في حديثه لـ«صفر» إن تراجع المساعدات الإنسانية عمّق هشاشة اللاجئين في عدد من الدول، موضحا أن 55 بالمئة من اللاجئين في الأردن أفادوا بتدهور أوضاعهم المعيشية مع انخفاض الدعم الإنساني، في وقت لم يحصل فيه نداء المفوضية السامية لشؤون اللاجئين الخاص بسوريا لعام 2025، والبالغ 1.5 مليار دولار، إلا على تمويل بنسبة 33 بالمئة فقط.

ويضيف أن الضغط على سوق العمل وتقييد حق العمل في بعض الدول، مثل لبنان والأردن، ضمن قطاعات محددة يدفع أعدادا كبيرة من اللاجئين نحو الاقتصاد غير الرسمي والعمالة غير المحمية، ما يزيد من هشاشتهم الاقتصادية والاجتماعية.

الحماية أم الاندماج؟

يرى عبدالغني أن الحماية الإنسانية ما تزال ضرورة أساسية، لكن طبيعتها تغيرت مقارنة بالسنوات الأولى للأزمة. فبعد أن كانت الأولوية مرتبطة بالمأوى والغذاء والرعاية الطارئة، أصبحت الحماية اليوم مرتبطة بمنع الترحيل القسري وضمان الوضع القانوني وصون مبدأ عدم الإعادة القسرية، خاصة مع تصاعد الضغوط السياسية في بعض دول الجوار.

ويشير إلى أن الاندماج لا يعني بالضرورة التجنيس، بل الوصول إلى مجموعة من الحقوق الأساسية، مثل التعليم والعمل والخدمات الصحية والاستقرار القانوني، موضحا أن الميثاق العالمي بشأن اللاجئين لعام 2018 يدعو إلى حلول مستدامة متعددة المسارات، لكن تطبيق هذه الحلول يصطدم بتحديات ديموغرافية واقتصادية وسياسية داخل الدول المضيفة.

كما يؤكد أن المجتمعات الصغيرة، مثل لبنان، تواجه ضغوطا كبيرة نتيجة الثقل الديموغرافي والاقتصادي للاجئين؛ ما يولد حساسيات سياسية واجتماعية تعيق تبني سياسات اندماج طويلة الأمد.

هوية معلّقة بين اللجوء والعودة

لا تقتصر تحديات اللجوء على الجانب الاقتصادي أو القانوني فقط، بل تمتد إلى البعد الاجتماعي والنفسي، إذ يواجه كثير من اللاجئين صعوبة في الشعور بالاستقرار والانتماء بعد سنوات طويلة من النزوح.

ويشير عبدالغني إلى أن العودة ما تزال تمثل الحل النظري الأول لكثير من اللاجئين، لكن الظروف داخل سوريا لا تزال تجعل هذا الخيار هشا، في ظل تدمير البنية التحتية وضعف الخدمات واستمرار المخاوف الأمنية وانتشار الألغام في بعض المناطق.

كما يحذر من أن الأطفال الذين حُرموا من التعليم المنتظم أو من التوثيق القانوني يواجهون مستقبلا أكثر هشاشة، إذ سيدخل كثير منهم سوق العمل بمهارات محدودة ووضع قانوني غير مستقر، ما قد يؤدي إلى ظهور “جيل ثانٍ من اللاجئين” يفتقر إلى الحماية القانونية وفرص الاستقرار طويلة الأمد.

ويرى أن المعالجة الحقيقية تتطلب حلولا مركبة تجمع بين التعليم والاندماج القانوني والحفاظ على الهوية السورية، إلى جانب إصلاحات قانونية تمنع خطر انعدام الجنسية وتحافظ على الحد الأدنى من الحقوق الأساسية للاجئين.