منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

وجبات أصغر وطعام أرخص.. القدرة الشرائية تعيد تشكيل موائد العراقيين

16 سبتمبر 2026
القدرة الشرائية تعيد تشكيل موائد العراقيين
القدرة الشرائية تعيد تشكيل موائد العراقيين

لم تكن نجاة حسين تبحث عن طعام غير موجود في الأسواق، كانت تبحث عن المال الذي يسمح لها بجلبه من السوق إلى مائدة أطفالها الستة. بعد مقتل زوجها، انتقلت الأم العراقية إلى مكان أقل كلفة، لكن الطعام ظل عبئاً يومياً يلاحق الأسرة، وفي شهادة نقلتها صحيفة «الغارديان» عن برنامج الأغذية العالمي، قالت نجاة إنها لولا المساعدات الغذائية التي تلقتها لاضطرت إلى التسول لإطعام أطفالها.

مرت سنوات على قصة نجاة، لذلك لا تصلح حالتها لقياس واقع الأسر العراقية اليوم، لكن السؤال الذي حملته قصتها ما يزال حاضراً في بيانات أحدث: ماذا يعني أن يكون الطعام موجوداً، في حين تضطر أسرة إلى الاستدانة لشرائه أو تقليص وجباتها أو استبدال الغذاء الذي تفضله بآخر أرخص؟

تكشف بيانات الباروميتر العربي لعام 2024 أن 40% من العراقيين اعتمدوا على أغذية أقل تفضيلاً أو أرخص أربعة أيام أسبوعياً على الأقل، في حين اشترى 39% الطعام بالدين وخفض 31% حجم وجباتهم، وفي الوقت نفسه يبلغ معدل الفقر الرسمي في العراق 17.5%.

هذه الأرقام لا تقول إن العراق يواجه نقصاً عاماً في الغذاء، إنها تفتح قوسين لتضع فيهما سؤالاً مختلفاً يتعلق بالقدرة الاقتصادية على الوصول إليه.

 

أسعار تنخفض والقدرة لا تقاس بالسعر وحده

تزداد المفارقة وضوحاً مع أحدث بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، ففي فبراير/ شباط 2026 انخفض متوسط أسعار دقيق القمح والأرز بالتجزئة في العراق بنحو 6% و8% على التوالي مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، في ظل توافر الإمدادات وبرامج الدعم الحكومية، لكن انخفاض سعر سلعة لا يعني بالضرورة تحسن قدرة جميع الأسر على شراء غذاء كافٍ ومتنوع، فالدخل المحدود يتوزع أيضاً على السكن والطاقة والصحة والتعليم والنقل.

ويقول الدكتور سعد حاتم، خبير السياسات الزراعية في منظمة الأغذية والزراعة في العراق، لـ”صفر”، إن قدرة الأسر على الوصول إلى الغذاء تتأثر بمحدودية الدخل أو عدم استقراره، إضافة إلى تكاليف الوقود والطاقة والنقل والإنتاج التي تنتقل في النهاية إلى المستهلك.

وقد يظهر ضغط القدرة الشرائية قبل الوصول إلى الجوع المباشر، فالأسرة تستطيع تقليص كمية الطعام أو شراء بدائل أرخص، وقد تتخلى عن اللحوم والحليب والبيض والفواكه والخضراوات مقابل أغذية أقل كلفة.

الفقر لا يصيب المحافظات بالتساوي

يخفي معدل الفقر الوطني تفاوتات كبيرة، فبحسب وزارة التخطيط، تصل النسبة إلى 43.6% في المثنى و34.4% في بابل و28.9% في القادسية و27.9% في البصرة و25.2% في النجف، وتصبح هذه الفوارق مهمة عند النظر إلى الغذاء بوصفه حقاً؛ لأن انخفاض متوسط الفقر وطنياً لا يعني بالضرورة تحسن قدرة الأسر الأكثر فقراً في المحافظات المختلفة على شراء الغذاء.

وتزداد حساسية المسألة لدى الأطفال، ويشير برنامج الأغذية العالمي، في خطته الاستراتيجية للعراق 2026–2029، إلى أن الحرمان الاقتصادي والبطالة واتساع سوق العمل غير الرسمي تقيد قدرة الأسر على الوصول إلى غذاء كافٍ ومغذٍّ.

 

ماذا تقدم الدولة؟

في مواجهة هذه الضغوط تعتمد الحكومة العراقية على منظومة واسعة للحماية الاجتماعية والبطاقة التموينية.

ويقول الدكتور أحمد الموسوي رئيس هيئة الحماية الاجتماعية في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية لـ”صفر”: “تغطي شبكة الحماية أكثر من مليوني أسرة من الفئات الفقيرة والمستضعفة، في حين يمتد أثر بعض المزايا المرتبطة بها، وفي مقدمتها السلة الغذائية، إلى نحو سبعة ملايين مستفيد وأكثر”.

ويوضح الموسوي أن الإعانة النقدية ليست الأداة الوحيدة، بل تتكامل مع السلة الغذائية ومنحة الطلبة والضمان الصحي وبرامج موجهة للأطفال والنساء والتمكين الاقتصادي، لكنه يشير أيضاً إلى نقطة تقع في قلب مسألة القدرة الشرائية.

بالنسبة للدكتور الموسوي فإن قيمة التحويل النقدي لا يمكن النظر إليها بمعزل عن تغير أسعار الغذاء وتكاليف السكن والصحة والتعليم والنقل؛ ولذلك تتجه الهيئة إلى مفهوم للحماية الاجتماعية يجمع بين الدعم النقدي والغذاء والصحة والتعليم والتمكين الاقتصادي، مع مراجعة كفاية المنافع الاجتماعية قياساً إلى تكاليف المعيشة.

وتملك 96.4% من الأسر العراقية البطاقة التموينية، بحسب نتائج المسح الاجتماعي والاقتصادي للأسرة، في حين تعدها وزارة التخطيط أحد صمامات الأمان للأمن الغذائي، مع توجه لتحسين استهداف الفئات الفقيرة والهشة، كما تستهدف الاستراتيجية الوطنية الثالثة للتخفيف من الفقر 2025–2029 خفض المعدل إلى أقل من 10% بحلول نهاية 2029.

 

الوصول إلى الغذاء حق

العراق طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي يقر الحق في الغذاء الكافي.

وتوضح لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في تعليقها العام رقم 12 أن هذا الحق لا يتحقق بمجرد وجود الطعام، بل عندما يستطيع الإنسان الوصول مادياً واقتصادياً، وفي جميع الأوقات إلى غذاء كافٍ أو إلى وسائل الحصول عليه، كما ينبغي ألا تكون كلفة الغذاء على مستوى يهدد قدرة الأسرة على تلبية احتياجاتها الأساسية الأخرى.

ويقول الباحث القانوني أحمد أبو هزيم لـ”صفر” إن التزامات العراق تتطلب اتخاذ تدابير تحمي الوصول إلى الغذاء، خصوصاً للفئات الأكثر هشاشة، وتوفير شبكات الحماية والمساعدة لمن لا يستطيعون تأمين احتياجاتهم.

لهذا لا يكفي قياس نجاح سياسات الأمن الغذائي بحجم المخزون أو انتشار البطاقة التموينية أو حتى بانخفاض معدل الفقر وحده، الاختبار الأكثر قرباً من حياة الناس يوجد داخل المنزل، باختصار: هل تستطيع الأسرة شراء غذاء كافٍ ومتنوع؟ وهل تفعل ذلك من دون الاستدانة أو تقليص وجباتها أو التضحية بالدواء والتعليم والسكن؟ فالحق في الغذاء لا يُقاس فقط بما هو موجود على رفوف الأسواق، بل بما تستطيع الأسرة أن تضعه فعلياً على مائدتها.