في أهوار جنوب العراق لم يعد القارب الذي يخرج إلى الماء ضمانة للعودة بالسمك، بعدما انهار نشاط كان يؤمن الرزق لجزء كبير من السكان، وعلى الساحل المغربي تبدو المشكلة مختلفة في تفاصيلها، لكن الصياد الحرفي يواجه بدوره تغيرات في البيئة البحرية تهدد استقرار المورد الذي يعتمد عليه.
وبين الماء العذب والبحر، تكشف الحالتان أن اضطراب النظم البيئية لا يفقد الصياد محصول يومه فقط، بل قد ينتزع منه مهنة ودخلاً ومصدراً للغذاء توارثتها مجتمعات كاملة.
وتظهر بيانات أممية حجم الانهيار الذي أصاب سبل العيش في أهوار بلاد الرافدين، فوفقاً لتقييم تشاركي للنظام البيئي قاده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، كان الصيد مصدر الرزق الأساسي لأكثر من 40% من سكان الأهوار، في حين تراجع إنتاجه من نحو 80 طناً يومياً إلى ما يقارب الصفر نتيجة شح المياه والصيد غير القانوني وانتشار أنواع دخيلة.
نزوح وهجرة بسبب تغير المناخ
لم يتوقف التراجع عند الأسماك؛ إذ انخفضت قطعان الجاموس بأكثر من 76%، كما تشير الأمم المتحدة إلى تسارع الهجرة من المنطقة، مع نزوح أكثر من 170 ألف شخص منذ عام 2018 ومغادرة ما يقارب نصف سكان الأهوار منازلهم.
وتوضح هذه الأرقام أن انهيار النظام البيئي لا يبقى داخل حدود الطبيعة، بل ينتقل مباشرة إلى الدخل والغذاء والاستقرار السكاني.
وتقدم العراق والمغرب نموذجين مختلفين لمشكلة واحدة، ففي العراق يرتبط الصيد بنظام بيئي داخلي شديد الحساسية لتراجع المياه والجفاف والملوحة وسوء إدارة الموارد والممارسات غير المستدامة، أما المغرب فيمتلك قطاعاً بحرياً واسعاً، وتواجه مجتمعات الصيد الحرفي فيه تحديات مرتبطة بتغير الموارد البحرية وقدرتها على التكيف مع المناخ.
لذلك تسمح المقارنة برؤية أثر الضغوط المناخية والبيئية على الصياد في بيئتين مختلفتين: صياد الأهوار الذي يفقد الماء والسمك معاً، والصياد الساحلي الذي يحتاج إلى التكيف مع تغير البحر والموارد التي يوفرها.
اختفاء السمك وخسائر الصياد
لا تعني خسارة المورد السمكي انخفاض كمية الغذاء المتاحة فقط، بالنسبة إلى الأسر التي تعتمد على الصيد يمكن أن تبدأ الخسارة من دخل اليوم، ثم تنتقل إلى القدرة على شراء الغذاء والعلاج وتحمل نفقات السكن والتعليم.
وتصبح القضية أكثر تعقيداً عندما تكون مهنة الصيد جزءاً من نمط حياة محلي يصعب استبداله بعمل آخر، أو عندما لا تتوفر فرص اقتصادية بديلة.
وهنا تتقاطع الأزمة البيئية مع الحق في العمل والغذاء ومستوى معيشي لائق، فالصياد الذي يفقد مورده الطبيعي لا يفقد سلعة ينتجها فقط، وإنما قد يفقد الوسيلة التي تمكنه وأسرته من ممارسة مجموعة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
الأهوار.. أزمة مناخ وإدارة موارد
يرى الباحث العراقي في القانون الدولي الدكتور خالد العلواني أن العلاقة بين تغير المناخ وحقوق الإنسان أصبحت أكثر وضوحاً مع امتداد آثاره إلى الحياة والصحة ومستوى المعيشة.
ويقول العلواني في حديثه لـ«صفر» إن العراق يواجه ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الأمطار وشح المياه والتصحر، وهي عوامل تضغط على الموارد الطبيعية التي تعتمد عليها المجتمعات المحلية، ومنها سكان الأهوار، مشيراً إلى أن تدهور هذه الموارد لا يهدد مصادر الدخل فقط، بل يمكن أن يدفع السكان إلى مغادرة المناطق التي لم تعد توفر لهم مقومات العيش.
ويرى العلواني أن الاستجابة تحتاج إلى إدارة أكثر كفاءة للمياه وتعزيز التعاون الإقليمي بشأن الأنهار المشتركة وتطوير البنية التحتية، إلى جانب رفع قدرة المجتمعات المحلية على التكيف مع المخاطر المناخية.
ولا ينبغي تفسير انهيار الصيد في الأهوار بالمناخ وحده، فالتقييم الأممي يشير أيضاً إلى الصيد غير القانوني والأنواع الدخيلة؛ ما يجعل حماية سبل العيش مرتبطة بالسياسات البيئية وإدارة المياه والثروة السمكية بقدر ارتباطها بالتكيف المناخي.
المغرب وحماية الصيادين
على الساحل المغربي تأخذ القضية شكلاً آخر، ففي يوليو 2025 أكدت الحكومة المغربية ومنظمة الأغذية والزراعة أهمية استمرار دعم قطاع الصيد صغير النطاق بالنظر إلى دوره الاقتصادي والاجتماعي في المجتمعات الساحلية وأهميته للأمن الغذائي.
وناقش الجانبان بصورة مباشرة التحديات المتزايدة التي يفرضها تغير المناخ على الموارد البحرية وسبل عيش مجتمعات الصيد الحرفي، مع التركيز على الابتكار والإدارة المستدامة وتعزيز قدرة القطاع على الصمود.
وفي فبراير 2026 استضاف المغرب أيضاً ورشة إقليمية هدفت إلى إدماج المؤشرات المناخية والمحيطية في تقييم المخزونات السمكية وإدارة المصايد، ما يعكس اتجاهاً نحو جعل أثر المناخ جزءاً من قرارات إدارة الموارد نفسها.
وتكمن أهمية ذلك بالنسبة إلى الصياد الصغير في أن قدرته على التكيف أقل عادة من قدرة المؤسسات الكبيرة على امتصاص خسارة المواسم أو تغير مناطق وجود الأسماك أو الاستثمار في تقنيات جديدة.
التعويض بعد الخسارة
لا يكفي انتظار انهيار المورد ثم تعويض من فقد دخله، فالحماية تبدأ قبل ذلك بإدارة المياه والمخزون السمكي بصورة مستدامة ومكافحة الصيد غير القانوني واستعادة النظم البيئية وإشراك الصيادين أنفسهم في القرارات المتعلقة بالموارد التي يعتمدون عليها.
وتحتاج المجتمعات الأكثر تعرضاً للخطر إلى وسائل للتكيف وتنويع مصادر الدخل والحماية الاجتماعية عندما يتعذر الصيد، بحيث لا يتحول موسم بيئي سيئ إلى سقوط الأسرة في الفقر أو النزوح.
وتكتسب مشاركة الصيادين أهمية خاصة لأنهم ليسوا مجرد مستفيدين من سياسات المناخ، بل أصحاب معرفة بالمياه والبحر وتحولات الموارد التي عاشوا عليها سنوات طويلة.
بقاء المهنة والنظام البيئي
تكشف الأهوار العراقية والسواحل المغربية أن حماية الصياد لا تبدأ عند الميناء ولا تنتهي بسعر ما يحمله في شباكه، فبقاء المهنة مرتبط ببقاء النظام البيئي الذي يجعلها ممكنة أصلاً.
وفي العراق تظهر النتيجة الأكثر قسوة عندما يتراجع الماء والسمك فيغادر السكان المكان نفسه، في حين يحاول المغرب تعزيز قدرة الصيد الحرفي على التكيف قبل أن تصل الخسائر إلى هذه المرحلة.
لهذا تصبح العدالة المناخية أكثر وضوحاً عند النظر إليها من قارب صياد صغير، بوضوح أكثرإن من يعتمد على الطبيعة في رزقه يكون من أوائل من يدفعون ثمن اضطرابها، رغم أنهم ليسوا بالضرورة الأكثر إسهاماً في صنع أزمة المناخ، وحمايتهم تعني إبقاء الماء والسمك والعمل والغذاء والمجتمع المحلي معاً، قبل أن يصبح الرحيل وسيلة التكيف الأخيرة.

