منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

المؤيدون يحتفون بقانون نيويورك الجديد بشأن الانتحار.. لكن انظروا ماذا حدث في هولندا

08 أغسطس 2026
معارضو قانون المساعدة الطبية على الموت يحتجون في نيويورك يوم الاثنين 9 يونيو 2025
معارضو قانون المساعدة الطبية على الموت يحتجون في نيويورك يوم الاثنين 9 يونيو 2025

مارك ب. موسترت

لا بد أن جماعة المؤيدين للموت في نيويورك قد احتفلت يوم الأربعاء، عندما دخل قانون الولاية بشأن “المساعدة الطبية على الموت” حيز التنفيذ.

لكن إذا أردت مثالاً واقعياً ومروّعاً على المنحدر الزلق الذي تواجهه مثل هذه القوانين، فلا تبحث أبعد من هولندا.

فهناك، أصبح ناشطون -كثير منهم من العاملين في المهن الطبية- جزءاً من طائفة موت خبيثة، يتنقلون تقريباً بحرية داخل المنازل ودور رعاية المسنين، وبشكل متزايد داخل دور رعاية المحتضرين، مرددين شعارهم الجنائزي القاتم: الموت عند الطلب، في أي مكان، وفي أي وقت، ولأي شخص، ولأي سبب.

وكان من الصعب تخيل أن مثل هذا الوضع يمكن أن يزداد سوءاً، لكنه ازداد بالفعل عندما تجاوزت البلاد آخر المحظورات المتبقية بشأن المساعدة على الانتحار والقتل الرحيم، وسمحت بالقتل الطبي للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين عام واحد و12 عاماً.

وحتى عامين مضيا، كانت مثل هذه الإجراءات متاحة فقط للمرضى الذين تبلغ أعمارهم 12 عاماً فأكثر.

وبالنسبة لمن تتراوح أعمارهم بين 12 و16 عاماً، كان الحصول على موافقة الوالدين شرطاً، أما كل من تجاوز 18 عاماً، فكان مؤهلاً لذلك.

وكان الأطفال الرضع، منذ الولادة وحتى عمر عام واحد، مشمولين أيضاً في السابق بموجب القانون.

لكن قبل عامين، تحركت هولندا لسد تلك الفجوة العمرية، فأجازت إنهاء حياة الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين عام واحد و12 عاماً تحت إشراف طبي.

ولم يستغرق الأمر طويلاً، على نحو مأساوي، قبل أن يُقتل طفل طبياً.

وفي أواخر العام الماضي، وفي واقعة لم يُكشف عنها إلا الآن في تقرير حكومي، أقدم أطباء على القتل الرحيم لطفل دون سن الثانية عشرة للمرة الأولى.

وكانت التفاصيل التي قدمها وزير الصحة الهولندي شحيحة، واختبأت خلف عبارات بيروقراطية مبهمة عن “السرية” و”الإحصاءات”.

وبلغة بيروقراطي باهتة لا ترى في الأمر أكثر من مجرد رقم، أفاد الوزير بأن الطفل كان “مصاباً بمرض عضال” في وصف متملق وسريع للحالة، كما لو كان الأمر يتعلق بمعدل استهلاك الفرد من البطاطس: طفل بلا اسم، ووالدان بلا اسم، وبيروقراطيون بلا أسماء، ومختصون طبيون بلا أسماء، ومرض بلا اسم.

وهذا “إغفال” غريب في الوقت الذي يواصل فيه المؤيدون الهولنديون للموت الحديث بلا توقف عن الشفافية والصدق و”الضوابط الوقائية”.

ومع ذلك، تبدو فكرة السرية الطبية جوفاء، إذ كان من الممكن الحفاظ على السرية، مع تقديم معلومات، في الحد الأدنى، عن مرض الطفل وتوقعات حالته.

ومن دون هذه المعلومات، لا يبقى أمامنا سوى الثقة فيما تقوله الحكومة الهولندية، من دون أي قدرة على التحقق مما إذا كانت الرواية دقيقة أم أنها مجرد مسرحية جنائزية مروعة.

لكن هناك بعض الأمور التي نعرفها: أولاً، كان يتعين على والدي الطفل إعطاء موافقتهما على حدوث ذلك، فالقانون الهولندي واضح: الأطفال والمراهقون دون سن 16 عاماً يجب أن يحصلوا على موافقة الوالدين حتى يُقتلوا.

ثانياً، تنص سياسة الحكومة على أن “الطبيب سيُشرك الطفل، بقدر ما تسمح قدراته، في اتخاذ القرار، ويجب أن يتأكد من أن حياة الطفل لا تُنهى رغماً عن إرادته”.

فلنفترض أن هذا الطفل كان في العاشرة من عمره، كيف جرى إقناع الوالدين (والطفل) بأن الموت هو الخيار الوحيد؟

هل عُرضت عليهم تدخلات طبية أخرى غير الموت؟ وما المعلومات التي حصلوا عليها بشأن الحالة الطبية الخطيرة؟

هل كانت تلك المعلومات منحازة لمصلحة القتل الرحيم؟ وهل تعرض الوالدان للضغط من جانب أطباء مهووسين بالموت، يهللون بحماس للقتل الرحيم للأطفال؟

وفوق ذلك، كيف تمكن المختصون الطبيون والوالدان من التوصل إلى يقين مطلق بأن الطفل كان يفهم العواقب الكاملة لإنهاء حياته بنفسه؟

إن فكرة امتلاك طفل في العاشرة من عمره النضج والحُكم اللازمين لاتخاذ مثل هذا القرار الذي لا رجعة فيه، يصعب أخذها على محمل الجد.

والأرجح أن الأطباء أقنعوا الوالدين، والوالدان أقنعا الطفل، بأن أفضل علاج طبي هو الموت.

والآن، لم يعد هناك طفل كان في أمسّ الحاجة إلى الرعاية الطبية الداعمة والراحة والحب.

وبالطبع، وكما كان متوقعاً تماماً، انهالت جميع الأعذار الحكومية عديمة الجدوى: هذه حالة نادرة جداً، ولم يكن هناك حل آخر ممكن، وستُراجع تصرفات طبيب القتل الرحيم بدقة، إلى آخر هذه التبريرات.

والحقيقة أن أي متخصص طبي هولندي لم يتلقَّ قط أكثر من توبيخ بالغ الخفة على خلفية “القتل الرحيم غير السليم”، وهو ما يعني في الغالب خطأً بسيطاً في استكمال أوراق القتل الرحيم.

وخلاصة القول: أصبح من الممكن الآن قتل أي شخص بالقتل الرحيم في هولندا في أي مرحلة من مراحل حياته، من الولادة إلى الشيخوخة، إذ يقتل الأطباء طبياً حتى الأطفال بسبب ما يقولون إنها “ضرورة طبية”.

إنه أمر بارد وقاسٍ، ويُنظر إليه باعتباره مجرد واجب إداري، ليُدرج في لغة باهتة وغامضة في بعض التقارير السنوية.

ابكوا على هذا الطفل الصغير، وعلى الأطفال الآخرين الكثيرين الذين سيتبعونه حتماً إلى قبورهم المبكرة في هولندا.. وربما قريباً في نيويورك أيضاً.

*ترجمة زينب مكي

نقلاً عن نيويورك بوست