لم يعد الجدل في أستراليا يدور حول خلاف سياسي بين سيناتورين، بل تحوّل إلى اختبار قانوني وحقوقي واسع بشأن الحدود التي تقف عندها حرية التعبير عندما تمس الكرامة الإنسانية، وجاء الحكم الصادر عن المحكمة الفيدرالية الأسترالية برفض استئناف زعيمة حزب أمة واحدة بولين هانسون، وتأكيد أن دعوتها السيناتورة ميهرين فاروقي إلى العودة إلى باكستان تمثل تمييزا عنصريا مخالفا للقانون، ليعيد فتح نقاش دولي حول مسؤولية الخطاب السياسي، ومدى قدرة التشريعات على التصدي لخطاب الكراهية دون المساس بحرية الرأي.
وأوضحت وكالة رويترز أن المحكمة الفيدرالية الأسترالية أيدت بالإجماع الحكم الصادر عام 2024، بعدما رفضت جميع أسباب الاستئناف التي تقدمت بها بولين هانسون، وأكدت أن تعليقها المنشور عام 2022 بحق السيناتورة ميهرين فاروقي، والذي طالبتها فيه بالعودة إلى باكستان، خالف أحكام المادة 18 سي من قانون التمييز العنصري الأسترالي، كما رفضت المحكمة الدفع القائل إن حرية التواصل السياسي تمنح حصانة لمثل هذه التصريحات، وأكدت أن القانون الأسترالي لا يحمي الخطاب الذي يقوم على التمييز العنصري أو الإهانة القائمة على الأصل العرقي أو القومي.
حدود القانون بين الرأي والإساءة
أكدت المحكمة أن القضية لا تتعلق بمنع النقد السياسي أو تقييد النقاش العام، وإنما بتحديد اللحظة التي يتحول فيها الخطاب إلى تمييز عنصري يخالف القانون، واستند القضاة إلى أن عبارة العودة إلى باكستان لم تستهدف مواقف ميهرين فاروقي السياسية، وإنما استندت إلى أصلها القومي وكونها مهاجرة ومسلمة، وهو ما يجعلها تقع ضمن السلوك الذي يحظره قانون التمييز العنصري.
ورأت المحكمة أن الخطاب حمل رسالة ضمنية تعتبر السيناتورة مواطنة من الدرجة الثانية، وأن وجودها في أستراليا يظل مشروطا بأصلها العرقي، وهو ما يتعارض مع المبادئ الدستورية الخاصة بالمساواة وعدم التمييز، كما شددت على أن المادة 18 سي من القانون تظل متوافقة مع الدستور الأسترالي ولا تنتهك حرية التواصل السياسي.
أهمية استثنائية
أعطى الحكم بُعدا قانونيا يتجاوز أطراف النزاع، لأنه أكد أن العبارات المتداولة منذ سنوات مثل “عد إلى بلدك” أو “عد إلى المكان الذي أتيت منه” قد تتحول إلى مخالفة قانونية عندما ترتبط بالعرق أو اللون أو الأصل القومي أو الإثني، وتؤدي إلى الإهانة أو الإذلال أو الترهيب بالنسبة للشخص المستهدف أو للمجموعة التي ينتمي إليها.
وأكدت السيناتورة ميهرين فاروقي، وهي أول امرأة مسلمة تدخل البرلمان الأسترالي، أن الحكم يمثل انتصارا لكل الأستراليين الذين تعرضوا للعنصرية، بينما أعلنت بولين هانسون بعد صدور قرار المحكمة “شعرتُ بغضب شديد إزاء ما اعتبرتُه إساءة بالغة للملكة الراحلة في يوم وفاتها من جانب السناتورة فاروقي وآخرين.. أردتُ فقط أن أنتقد ذلك صراحة”.
وبرزت السناتورة بولين هانسون كواحدة من أكثر السياسيين الأستراليين شعبية إذ جذبت الناخبين بدعواتها لتشديد القيود على الهجرة وترحيل أعداد كبيرة من “المهاجرين غير الشرعيين” وتعزيز حماية حرية التعبير.
وبعد أن ظل حزب هانسون “أمة واحدة” لسنوات خارج دائرة النفوذ السياسي، شهد صعودا كبيرا هذا العام ليصبح، وفقا لاستطلاعات الرأي، واحدا من أكثر الأحزاب شعبية في أستراليا.
القانون الأسترالي وخطاب الكراهية
ينظم قانون التمييز العنصري الصادر عام 1975 حماية الأفراد من السلوك العنصري في الحياة العامة. وتنص المادة 18 سي على حظر أي تصرف أو تعليق علني إذا كان من المرجح بصورة معقولة أن يسيء أو يهين أو يذل أو يرهب شخصا أو مجموعة بسبب العرق أو اللون أو الأصل القومي أو الإثني.
وفي المقابل، تمنح المادة 18 دي استثناءات للنقاش الأكاديمي والصحفي والفني والسياسي، بشرط أن يجري ذلك بصورة معقولة وبحسن نية. ورأت المحكمة أن تصريحات هانسون لم تستوف هذا الشرط، ولذلك رفضت منحها الحماية القانونية المنصوص عليها في تلك المادة.
جدل مستمر حول حرية التعبير
أعاد الحكم إحياء النقاش القديم داخل أستراليا حول العلاقة بين حرية التعبير ومكافحة العنصرية، ودافعت جهات سياسية محافظة خلال السنوات الماضية عن تعديل المادة 18 سي باعتبارها تفرض قيودا واسعة على التعبير، بينما تمسكت المفوضية الأسترالية لحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني بالإبقاء عليها باعتبارها إحدى أهم أدوات حماية التعددية ومواجهة التمييز.
وترى هذه المنظمات أن خطاب الكراهية و العنصرية لا يقتصر أثرهما على الشخص المستهدف، بل ينعكس على المجتمعات التي تنتمي إليها الأقليات، ويؤدي إلى ترسيخ التهميش وتعزيز الصور النمطية وزيادة احتمالات التعرض للعنف والتمييز في الحياة اليومية.
مؤشرات رسمية تكشف حجم المشكلة
تشير بيانات مكتب الإحصاء الأسترالي إلى أن نحو 30 في المئة من سكان أستراليا ولدوا خارج البلاد، بينما ينحدر السكان من أكثر من 300 أصل قومي، ويتحدثون مئات اللغات، وهو ما يجعل التعايش ومكافحة التمييز من القضايا الأساسية في السياسات العامة.
وتؤكد المفوضية الأسترالية لحقوق الإنسان أن الشكاوى المتعلقة بالتمييز العنصري وخطاب الكراهية تمثل جزءا مهما من البلاغات التي تتلقاها سنويا، كما حذرت لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري في ملاحظاتها الدورية بشأن أستراليا من استمرار تعرض السكان الأصليين والمهاجرين والأقليات الدينية والعرقية لأشكال متعددة من التمييز، ودعت إلى تعزيز التدابير القانونية والتوعوية لمواجهة العنصرية بجميع صورها.
المرجعية الدولية
ينسجم الحكم مع الالتزامات التي تتحملها أستراليا بموجب الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، التي تلزم الدول باتخاذ إجراءات فعالة لمكافحة التحريض على الكراهية والتمييز العنصري. كما تؤكد المادة 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حظر أي دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية إذا شكلت تحريضا على التمييز أو العداء أو العنف، في الوقت الذي تضمن فيه المادة 19 الحق في حرية التعبير ضمن حدود احترام حقوق الآخرين وكرامتهم.
وأكدت الأمم المتحدة ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن العنصرية وخطاب الكراهية والتمييز القائم على الأصل العرقي أو القومي يمثلون تهديدا مباشرا لمبادئ المساواة والكرامة الإنسانية التي تقوم عليها منظومة حقوق الإنسان الدولية.
وأوضحت المفوضية أن حرية التعبير حق أساسي لا يمكن فصله عن مسؤولية احترام حقوق الآخرين، مشيرة إلى أن القوانين الدولية لا تحمي الدعوات التي تحرض على الكراهية أو التمييز أو العنف ضد جماعات بسبب العرق أو الدين أو الأصل القومي.
وقالت لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري إن الدول ملزمة بموجب الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري باتخاذ إجراءات قانونية وتوعوية لمنع انتشار الخطابات العنصرية، مؤكدة أن التصريحات التي تنزع عن فئة من الناس حق الانتماء أو المساواة في المجتمع، مثل مطالبة أشخاص بالعودة إلى بلدانهم بسبب خلفيتهم العرقية أو القومية، قد تدخل ضمن أنماط الخطاب التي تعزز التمييز والإقصاء.
وأشارت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أن خطاب الكراهية لا يقتصر تأثيره على الأفراد المستهدفين مباشرة، بل يمتد إلى المجتمعات التي ينتمون إليها، حيث يمكن أن يؤدي إلى زيادة التهميش والعنف والتمييز في مجالات العمل والتعليم والخدمات العامة، وفي الوقت نفسه، أكدت المفوضية ضرورة تحقيق توازن دقيق بين مكافحة خطاب الكراهية وحماية حرية التعبير، بحيث تقتصر القيود على الحالات التي تشكل تحريضا حقيقيا على التمييز أو العداء أو العنف.
وأضافت الأمم المتحدة أن مواجهة العنصرية تحتاج إلى أكثر من العقوبات القانونية، إذ تتطلب سياسات شاملة لتعزيز التنوع والمساواة، ومكافحة الصور النمطية، وحماية الأقليات والمهاجرين والسكان الأصليين، باعتبار أن المجتمعات المتعددة الثقافات لا يمكن أن تحافظ على استقرارها إلا من خلال ضمان احترام الكرامة الإنسانية لجميع أفرادها دون تمييز.
وقد بدأت القضية في سبتمبر 2022 عندما ردت بولين هانسون على منشور نشرته السيناتورة ميهرين فاروقي عقب وفاة الملكة إليزابيث الثانية، وطلبت منها أن تحزم حقائبها وتعود إلى باكستان.
رفعت فاروقي دعوى أمام المحكمة الفيدرالية استنادا إلى قانون التمييز العنصري، فأصدرت المحكمة عام 2024 حكما اعتبر العبارة مخالفة للقانون، وأمرت بحذفها.
وفي يوليو 2026 رفضت المحكمة الفيدرالية بكامل هيئتها الاستئناف وأكدت أن العبارة لم تكن مجرد رأي سياسي، بل خطابا عنصريا استهدف الأصل القومي والعرقي، وهو ما جعل القضية واحدة من أبرز السوابق القضائية الحديثة التي رسمت الحدود القانونية بين حرية التعبير وخطاب الكراهية في أستراليا.

