منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

تونس الخضراء تحت وطأة أزمة الخدمات.. انقطاع الكهرباء والمياه يهدد حياة المواطنين والاقتصاد

28 يوليو 2026
تونس
تونس

 تواجه تونس خلال صيف 2026 موجة متصاعدة من اضطرابات خدمات الكهرباء والمياه، بعدما تحولت الانقطاعات المتكررة إلى أزمة تمس تفاصيل الحياة اليومية، بداية من المنازل وصولا إلى المؤسسات الصحية والأنشطة الاقتصادية.

وكان آخر فصول الأزمة ما شهدته مدجنة في ولاية زغوان شمال تونس، حيث أعلن صاحب المشروع أن انقطاع الكهرباء والمياه تسبب في نفوق نحو 90% من الدجاج داخل المدجنة، ما خلف خسائر مالية كبيرة وفتح نقاشا واسعا حول هشاشة قطاعات الإنتاج أمام أعطال الخدمات الأساسية.

وأوضح موقع “موزاييك إف إم” التونسي وعدد من وسائل الإعلام المحلية أن شكاوى المواطنين تزايدت خلال الفترة الأخيرة بسبب تكرر انقطاع الكهرباء لساعات طويلة بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة، مشيرة إلى أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بالراحة اليومية، بل أصبحت تهدد قطاعات حيوية تعتمد على استقرار الطاقة والمياه، من بينها الفلاحة والصناعات الغذائية والتجارة والخدمات الصحية.

مواطنون في مواجهة الحر والظلام

قالت تقارير محلية إن آلاف الأسر التونسية وجدت نفسها أمام ظروف صعبة مع توقف أجهزة التكييف والمراوح خلال موجات الحر، خصوصا أن تونس سجلت خلال السنوات الأخيرة ارتفاعا ملحوظا في درجات الحرارة وتكرار فترات الطقس القاسي المرتبطة بتغير المناخ.

وأضافت شهادات منشورة على شبكات التواصل الاجتماعي أن بعض العائلات اضطرت إلى طلب المساعدة بسبب تدهور حالات مرضى يحتاجون إلى أجهزة كهربائية منزلية، حيث وثقت مقاطع فيديو استغاثة مواطنة بشأن ابنتها المريضة التي تدهورت حالتها الصحية نتيجة انقطاع التيار الكهربائي وسط حرارة مرتفعة.

وأكدت منظمة الصحة العالمية أن موجات الحر تشكل خطرا متزايدا على كبار السن والأطفال ومرضى الأمراض المزمنة، مشيرة إلى أن التعرض الطويل للحرارة الشديدة قد يؤدي إلى الإجهاد الحراري والجفاف ومضاعفات صحية خطيرة، خاصة عند غياب وسائل التبريد والمياه الكافية.

أزمة المياه تضاعف المعاناة

أوضح المرصد الوطني للفلاحة في تونس أن البلاد تواجه ضغوطا متزايدة على مواردها المائية بسبب سنوات متتالية من الجفاف وتراجع معدلات الأمطار، وهو ما انعكس على مخزون السدود ومستويات توفر المياه خلال فترات الذروة الصيفية.

وأظهرت بيانات وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري التونسية أن نسبة امتلاء السدود شهدت تراجعا كبيرا مقارنة بالسنوات السابقة بسبب انخفاض التساقطات، في وقت ارتفع فيه الطلب على المياه للشرب والزراعة مع ارتفاع درجات الحرارة.

وقالت الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه “الصوناد” إن بعض الانقطاعات المائية ترتبط بارتفاع الاستهلاك والأعطال الفنية وأعمال الصيانة، مؤكدة أنها تعمل على تحسين عمليات التوزيع وتأمين التزويد بالمياه في مختلف المناطق.

لكن الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان اعتبرت أن استمرار اضطرابات المياه والكهرباء في تونس يمثل مساسا بحقوق أساسية للمواطنين، مؤكدة أن الحق في الماء والطاقة يرتبط مباشرة بالحق في الصحة والحياة الكريمة، ودعت إلى معالجة الأسباب الهيكلية للأزمة بدل الاكتفاء بالحلول المؤقتة.

الاقتصاد يدفع الثمن

قالت النائبة في البرلمان التونسي ماجدولين الورغي إن الانقطاعات المتكررة للكهرباء سببت أضرارا مباشرة لأصحاب المشاريع الصغيرة، موضحة في تصريحات نشرتها عبر صفحتها الرسمية على موقع “فيسبوك” أن المخابز والقصابين ومحلات بيع الخضر والغلال والأسماك والصيدليات ومحلات الحلاقة تكبدت خسائر بسبب تلف المنتجات وتعطل المعدات.

وأضافت أن عددا من أصحاب الأنشطة اضطروا إلى التخلص من بضائعهم بعد فقدان صلاحيتها بسبب توقف أجهزة التبريد، ما أدى إلى خسائر مالية أثقلت كاهل أصحاب المشاريع في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع القدرة الشرائية.

وأكد الاتحاد العام التونسي للشغل أن استمرار أزمة الكهرباء والمياه يكشف وجود مشاكل هيكلية في إدارة قطاعي الطاقة والمياه، داعيا إلى وضع خطة إصلاح شاملة تشمل تطوير الشبكات وتحسين الصيانة وتعزيز الاستثمار في الطاقات المتجددة.

أسباب الانقطاعات

أوضحت الشركة التونسية للكهرباء والغاز “الستاغ” أن ارتفاع الطلب خلال فصل الصيف يمثل أحد أسباب الضغط على الشبكة الكهربائية، خصوصا مع الاستخدام المكثف لأجهزة التكييف، مؤكدة أن بعض الانقطاعات تأتي بهدف حماية الشبكة من أعطال واسعة.

وتشير بيانات وزارة الصناعة والمناجم والطاقة التونسية إلى أن البلاد تعتمد بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي في إنتاج الكهرباء، بينما تواجه تحديات مرتبطة بارتفاع تكلفة الطاقة والحاجة إلى تحديث البنية التحتية وتعزيز مصادر الإنتاج.

كما كشفت الوكالة الدولية للطاقة أن دول شمال إفريقيا، ومن بينها تونس، تواجه تحديات متزايدة بسبب ارتفاع الطلب على الكهرباء وتداعيات تغير المناخ، ما يجعل الاستثمار في الطاقة المتجددة وتحسين كفاءة الشبكات أحد الخيارات الأساسية لضمان أمن الطاقة.

بين وعود الإصلاح وغضب الشارع

قال الرئيس التونسي قيس سعيد إن تكرر انقطاع الكهرباء في مناطق مختلفة يستدعي تحديد المسؤوليات ومحاسبة المقصرين، مؤكدا ضرورة ضمان استمرارية الخدمات الأساسية للمواطنين.

وأثارت الأزمة موجات احتجاجية في عدد من المناطق التونسية، حيث طالب السكان بتحسين خدمات الكهرباء والمياه ووضع حلول دائمة بدلا من الإجراءات المؤقتة التي لا تمنع تكرار المشكلة.

وأكدت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أن السلطات مطالبة بضمان عدم تأثر الفئات الأكثر هشاشة بالأزمات الخدمية، خصوصا المرضى وكبار السن والأسر ذات الدخل المحدود، مشددة على أن توفير المياه والطاقة يدخل ضمن الالتزامات المرتبطة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي نصت عليها المواثيق الدولية.

أزمة تتراكم منذ سنوات

قالت تقارير البنك الدولي إن تونس تواجه تحديات اقتصادية وضغوطا على المؤسسات العمومية بسبب محدودية الموارد المالية وارتفاع تكاليف التشغيل، وهو ما يؤثر على قدرة بعض القطاعات على تنفيذ برامج تحديث واسعة للبنية التحتية.

وأضافت تقارير الأمم المتحدة حول المناخ أن منطقة البحر المتوسط تعد من أكثر المناطق تأثرا بارتفاع درجات الحرارة وتراجع الموارد المائية، وأن دول المنطقة تحتاج إلى سياسات تكيف طويلة الأمد لمواجهة آثار تغير المناخ.

وبين أزمة الكهرباء وشح المياه وخسائر القطاعات الإنتاجية، تكشف التطورات الأخيرة في تونس أن الخدمات الأساسية أصبحت في قلب تحديات اجتماعية واقتصادية متشابكة، حيث لا تقتصر تداعياتها على انقطاع مؤقت للتيار أو تأخر وصول المياه، بل تمتد إلى الأمن الغذائي والصحة والاستقرار الاقتصادي، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى حلول بنيوية تستجيب لضغوط المناخ والنمو السكاني وتحديات البنية التحتية.