تواصل كوريا الجنوبية توسيع سياساتها لاستقطاب العمالة الأجنبية والطلاب والمستثمرين، في محاولة لمواجهة واحدة من أسرع الأزمات الديموغرافية في العالم، إلا أن هذا الانفتاح يطرح تحدياً موازياً يتعلق بقدرة الدولة على ضمان تمتع المقيمين الأجانب بحقوق متساوية في الحياة اليومية.
ولا يقاس نجاح سياسات جذب الكفاءات فقط بعدد التأشيرات أو حجم الاستثمارات، وإنما بمدى قدرة الدولة على إزالة المعوقات التي قد تحول الجنسية أو الأصل إلى سبب للتمييز في الوصول إلى الخدمات والعمل والمشاركة الكاملة في المجتمع.
وتشير بيانات وزارة العدل الكورية إلى أن عدد الأجانب المقيمين في البلاد تجاوز 2.78 مليون شخص خلال عام 2025، ما يمثل 5.44% من إجمالي السكان، وهي أعلى نسبة تسجلها كوريا الجنوبية حتى الآن.
ومع توسع هذه الفئة داخل المجتمع، باتت قضية الحقوق والمساواة جزءاً أساسياً من نقاش مستقبل كوريا الجنوبية، وليس مجرد ملف مرتبط بسياسات الهجرة.
الخدمات الرقمية في كوريا الجنوبية
أصبحت الخدمات الرقمية، مثل الدفع الإلكتروني وأنظمة التحقق من الهوية والخدمات المصرفية الإلكترونية، جزءاً أساسياً من الحياة الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن بعض المقيمين الأجانب يواجهون صعوبات في الوصول إليها بسبب إجراءات أو متطلبات لا تتوافق دائماً مع أوضاعهم القانونية والإدارية.
ومن منظور حقوق الإنسان، تثير هذه التحديات تساؤلات حول مدى توافق بعض القيود العملية مع مبدأ المساواة وعدم التمييز، خصوصاً عندما تتحول الإجراءات التنظيمية إلى معوق يمنع فئة من السكان من الاستفادة من خدمات أصبحت ضرورية للعمل والمعيشة.
ولا يرتبط الاندماج الحقيقي فقط بوجود فرصة عمل، بل بقدرة المقيم الأجنبي على الوصول إلى الخدمات الأساسية والمشاركة في المجتمع بصورة طبيعية.
العمالة الأجنبية ومخاطر الاستغلال
ترى نيلاي تافلي، طالبة الدكتوراه في الدراسات الكورية وشرق آسيا بجامعة هانيانغ، أن تجربة الأجانب في كوريا الجنوبية تختلف وفقاً لطبيعة العمل وبلد الأصل، مشيرة إلى أن التحديات لا تقتصر على سوق العمل، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية.
وتقول تافلي في تصريحات لمنصة “صفر” إن العمال القادمين من الفلبين وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا وتايلاند يكونون في كثير من الأحيان أكثر عرضة للاستغلال في بيئات العمل.
وأوضحت أن حواجز اللغة والاختلافات الثقافية وضعف الحماية أو الوضع القانوني لبعض الفئات قد تزيد من صعوبة حصولهم على حقوقهم بشكل متساوٍ.
وتكشف هذه التحديات أن جذب العمالة الأجنبية لا يكفي وحده لتحقيق الاندماج، ما لم ترافقه سياسات حماية قانونية واجتماعية تضمن المساواة بين جميع المقيمين.
اختبار التشريعات المحلية
ترتبط كوريا الجنوبية بعدد من الاتفاقيات الدولية التي تؤكد مبدأ المساواة وعدم التمييز، ومنها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري.
وتؤكد هذه المواثيق ضرورة ضمان تمتع جميع الأشخاص الخاضعين لولاية الدولة بالحقوق الأساسية دون تمييز غير مبرر، سواء في العمل أو الخدمات أو الحماية القانونية.
وتشير هيئات حقوقية دولية إلى أن غياب قانون وطني شامل يحظر جميع أشكال التمييز في كوريا الجنوبية لا يزال يمثل تحدياً متكرراً، إذ قد يحد ذلك من قدرة المتضررين على مواجهة بعض الممارسات التي يرون أنها تمييزية.
حقوق الإنسان معيار نجاح الانفتاح
مع استمرار اعتماد كوريا الجنوبية على العمالة الأجنبية والكفاءات الدولية، يصبح نجاح سياسة الانفتاح مرتبطاً بقدرتها على بناء مجتمع أكثر شمولاً، لا بمجرد زيادة أعداد الوافدين.
ولا يُقاس الاندماج فقط بعدد سنوات الإقامة أو نوع التأشيرة، وإنما بمدى شعور المقيمين بأن حقوقهم في العمل والخدمات والعدالة مصونة على قدم المساواة.
وفي النهاية، فإن احترام حقوق الإنسان يتحول إلى معيار أساسي لقياس نجاح كوريا الجنوبية في إدارة التنوع، وتحقيق تنمية تستفيد منها جميع الفئات داخل المجتمع.

