منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

اقتصاد عالمي بُني على حساب صحة العامل

خلف أرقام النمو.. كيف دفعت كوريا الجنوبية ثمن ثقافة العمل المفرط؟

04 يوليو 2026
كوريا الجنوبية تنفذ إصلاحات لضمان حقوق العمال
كوريا الجنوبية تنفذ إصلاحات لضمان حقوق العمال

لم يعد تقييم الاقتصادات الحديثة يقتصر على معدلات النمو والإنتاجية، بل أصبح يقاس أيضا بقدرتها على توفير بيئة عمل تحترم كرامة الإنسان وتحفظ حقه في الراحة والصحة والحياة الأسرية، ومع اتساع الاهتمام العالمي بمفهوم العمل اللائق، باتت ساعات العمل وجودة الحياة من أبرز المؤشرات التي تعكس مدى التزام الدول بحقوق الإنسان داخل سوق العمل.

وتعد كوريا الجنوبية واحدة من أبرز النماذج التي تجمع بين النجاح الاقتصادي اللافت وثقافة عمل اتسمت لعقود بساعات طويلة والتزام مهني صارم.

ورغم الإصلاحات التشريعية التي نفذتها الحكومة خلال السنوات الأخيرة، لا يزال تحقيق التوازن بين متطلبات الإنتاجية والحق في حياة كريمة يشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه سوق العمل الكوري.

لماذا كوريا الجنوبية؟

تستحق التجربة الكورية الجنوبية اهتماماً خاصاً لأنها تكشف أن النمو الاقتصادي السريع لا يضمن تلقائياً تحسن جودة الحياة، فرغم تحول البلاد إلى واحدة من أكبر الاقتصادات الصناعية وأكثرها تطوراً، بقيت ثقافة العمل المفرط حاضرة في كثير من المؤسسات، ما جعلها نموذجاً مهماً لدراسة العلاقة بين الإنتاجية وحقوق العاملين، ومدى قدرة الإصلاحات القانونية على تغيير الممارسات الاجتماعية والثقافية الراسخة.

وشهدت كوريا الجنوبية انخفاضا تدريجياً في متوسط ساعات العمل السنوية خلال العقد الأخير، بعد سلسلة من الإصلاحات التشريعية، كان أبرزها تحديد الحد الأقصى لأسبوع العمل بـ52 ساعة.

ومع ذلك، تشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن العاملين في كوريا الجنوبية ما زالوا يعملون نحو 200 ساعة إضافية سنوياً مقارنة بمتوسط دول المنظمة، لتبقى البلاد ضمن الاقتصادات المتقدمة ذات ساعات العمل المرتفعة.

وترى المنظمة أن استمرار ساعات العمل الطويلة يقلص الوقت المتاح للراحة والحياة الأسرية، ويؤثر في جودة الحياة والرفاه الاجتماعي.

الإنتاجية لا تكفي وحدها

تنظر الحكومة الكورية الجنوبية إلى رفع الإنتاجية باعتباره ضرورة اقتصادية، خصوصاً في ظل الشيخوخة السكانية ونقص اليد العاملة في بعض القطاعات.

وأشار تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن سوق العمل الكوري لعام 2024 إلى استمرار الإصلاحات الهادفة إلى تحسين بيئة العمل، وزيادة إجازات الوالدين، وتعزيز أوضاع العمال غير النظاميين، مع الحفاظ على مرونة سوق العمل.

وأظهرت بيانات وزارة العمل والتوظيف ارتفاع معدل التوظيف إلى 62.7% خلال عام 2024، بما يعكس استمرار قوة سوق العمل رغم التحديات الاقتصادية.

لكن المنظمة تؤكد في المقابل أن تحسين جودة الحياة لا يقل أهمية عن رفع الإنتاجية، لأن التنمية الاقتصادية المستدامة ترتبط أيضا بجودة الوظائف والقدرة على تحقيق التوازن بين العمل والحياة.

ويتسق هذا التوجه مع معايير منظمة العمل الدولية التي تنظر إلى العمل اللائق باعتباره حقا أساسيا يقوم على توفير ظروف عمل آمنة، وساعات عمل معقولة، وحماية اجتماعية، بما يحفظ كرامة العامل ويعزز قدرته على المشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

ساعات العمل تمس حقوقاً أساسية

لا تقتصر آثار العمل المفرط على الاقتصاد، بل تمتد إلى حقوق الإنسان، وفي مقدمتها الحق في الصحة والراحة والحياة الأسرية.

وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن العاملين بدوام كامل في كوريا الجنوبية يملكون في المتوسط 14.8 ساعة يوميا للراحة والرعاية الشخصية، مقابل متوسط يبلغ 15.2 ساعة في دول المنظمة، ما يعكس استمرار فجوة في التوازن بين الحياة المهنية والشخصية.

وتحذّر تقارير المنظمة من أن ضعف هذا التوازن قد ينعكس على الصحة النفسية والعلاقات الأسرية وجودة الحياة، حتى في الاقتصادات التي تحقق مستويات مرتفعة من النمو.

تغيير الثقافة وتعديل القوانين

يرى الخبير في شؤون كوريا الجنوبية تيمو شميتز، أن استمرار ثقافة العمل المفرط لا يرتبط بالتشريعات وحدها، بل يتأثر أيضا بالإرث الكونفوشيوسي الذي ما يزال حاضراً في المجتمع الكوري.

ويقول شميتز، في حديثه لـ”صفر”، إن المجتمع الكوري لم يشهد تحولا ثقافيا جذريا يغير مفاهيم السلطة داخل المؤسسات، وهو ما أبقى على كثير من القيم التقليدية المرتبطة بالتسلسل الهرمي والالتزام المهني.

ويضيف أن العلاقة بين العامل وصاحب العمل في شرق آسيا تختلف عن نظيرتها في كثير من الدول الأوروبية، إذ تمنح الثقافة السائدة مكانة كبيرة للمؤسسة ولصاحب العمل، ويشعر الموظف بواجب قوي تجاه شركته، وهو ما يفسر استمرار البقاء لساعات طويلة في أماكن العمل رغم الإصلاحات القانونية.

ويرى شميتز أن نجاح الإصلاحات يتطلب تغييرا تدريجيا في الثقافة المؤسسية، بحيث يصبح تقييم الموظف قائماً على الكفاءة والإنتاجية، لا على عدد الساعات التي يقضيها داخل مكان العمل.

التنمية تبدأ من حماية الإنسان

تكشف التجربة الكورية الجنوبية أن النجاح الاقتصادي لا يقاس بحجم الناتج المحلي أو مستويات الإنتاج وحدها، بل بقدرة المجتمع على ضمان بيئة عمل تحترم الإنسان وتحقق التوازن بين متطلبات الاقتصاد وحقوق العاملين.

وكلما تراجعت جودة الحياة وارتفعت الضغوط المهنية، ازدادت الكلفة الاجتماعية والصحية للنمو، مهما كانت المؤشرات الاقتصادية إيجابية.

ومن هنا، فإن تعزيز الحق في العمل اللائق لم يعد قضية عمالية فحسب، بل أصبح جزءاً من منظومة حقوق الإنسان والتنمية المستدامة، وتؤكد التجربة الكورية أن الاقتصادات الأكثر تنافسية ليست تلك التي يعمل فيها الأفراد لساعات أطول، وإنما تلك التي تنجح في تحقيق معادلة توازن تجعل الإنتاجية في خدمة الإنسان، لا على حساب صحته وكرامته وحياته الأسرية.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print