لم تعد المشاركة في التمثيل السياسي تعني بالضرورة تكافؤ الفرص في التأثير على القرار أو المشاركة في الحياة الديمقراطية، فمع اقتراب الانتخابات العامة في السويد، تتجه الأنظار إلى اتساع الفجوة السياسية بين الجنسين، في وقت تؤكد فيه المؤسسات الرسمية أن الديمقراطية المتوازنة لا تُقاس بعدد النساء والرجال في المؤسسات المنتخبة فحسب، بل بقدرتهم المتساوية على المشاركة وإسماع أصواتهم والاستمرار في العمل السياسي بعيدًا عن التهديدات والإقصاء.
وأظهرت هيئة المساواة بين الجنسين السويدية أن السويد لا تزال من أكثر دول العالم تقدمًا في التمثيل السياسي المتوازن؛ إذ تشكل النساء 46% من أعضاء البرلمان مقابل 53% من الرجال، بينما تبلغ نسبة النساء في المجالس الإقليمية 49% مقابل 51% للرجال، إلا أن الهيئة شددت على أن هذا التوازن العددي لا يعني بالضرورة تساوي النفوذ أو ظروف المشاركة، مؤكدة أن الديمقراطية الحقيقية تتطلب مساواة فعلية في الوصول إلى مواقع صنع القرار والاستمرار فيها.
وكشفت صحيفة “الغارديان” أن انتخابات سبتمبر قد تشهد اتساعًا أكبر للفجوة بين الناخبين والناخبات، بعدما أظهر استطلاع لهيئة الإحصاء السويدية أن عدد الرجال المؤيدين لحزب ديمقراطيو السويد اليميني المتطرف يبلغ ضعف عدد النساء، في حين يزيد دعم النساء للحزب الاشتراكي الديمقراطي على دعم الرجال له بفارق 10 نقاط مئوية.
وأبرز الاستطلاع حجم هذا الانقسام؛ إذ لو اقتصر التصويت على النساء لحصلت الكتلة اليسارية بقيادة رئيسة الوزراء السابقة، ماغدالينا أندرسون، على 64% من الأصوات، بينما كانت أحزاب اليمين بقيادة رئيس الوزراء الحالي، أولف كريسترسون، ستحصل على 51% إذا اقتصر التصويت على الرجال، ويكتسب ذلك أهمية خاصة مع تصدر الحزب الاشتراكي الديمقراطي استطلاعات الرأي، يليه حزب ديمقراطيو السويد، مع توقع حصولهما معًا على أكثر من نصف أصوات الناخبين.
وأوضحت أستاذة العلوم السياسية في جامعة غوتنبرغ، لينا فانغنيرود، أن ميل النساء نحو اليسار والرجال نحو اليمين يعود إلى سبعينيات القرن الماضي، لكن السنوات الأخيرة شهدت انتقال قطاع واسع من الرجال من حزب المعتدلين إلى حزب ديمقراطيو السويد.
وأضافت أن الرجال العاملين في القطاع الخاص يميلون إلى تأييد خفض الضرائب وتقليص حجم القطاع العام وتشديد سياسات الهجرة، بينما تعتمد النساء بدرجة أكبر على خدمات دولة الرفاه، نتيجة استمرار تحملهن النصيب الأكبر من مسؤوليات الرعاية داخل الأسرة.
المشاركة المتكافئة
أكدت الباحثة في هيئة المساواة بين الجنسين السويدية، جوليا هوغوسون، أن التمثيل المتوازن بين النساء والرجال يمثل جوهر الديمقراطية، لأن هوية المشاركين في صنع القرار تؤثر في القضايا التي تحظى بالأولوية والخبرات التي تؤخذ في الاعتبار عند صياغة السياسات العامة.
وأوضحت أن هناك توافقًا سياسيًا واسعًا داخل البرلمان السويدي حول هدف توزيع السلطة والنفوذ بصورة متساوية بين النساء والرجال، بما يضمن امتلاك الجميع الحق والفرصة للمشاركة الفاعلة في الحياة العامة، كما أظهرت الدراسات أن النائبات يركزن بدرجة أكبر من النواب على تمثيل مصالح النساء، وهو ما يعكس أثر التمثيل السياسي في طبيعة القضايا المطروحة للنقاش.
ورغم هذا التقدم، لا تزال الفجوات قائمة على المستوى المحلي، ففي 97 بلدية من أصل 290 يشكل الرجال ما لا يقل عن 60% من أعضاء المجالس البلدية، بينما توجد بلدية واحدة فقط تتمتع فيها النساء بأغلبية مماثلة، كما يشغل الرجال نحو ثلثي مناصب رؤساء البلديات، ولم تشغل منصب رئيس الوزراء في تاريخ السويد سوى امرأة واحدة، هي ماغدالينا أندرسون، ولمدة 11 شهرًا.
وأظهرت الهيئة أن النساء في الحياة السياسية يواجهن ظروف عمل أكثر صعوبة من الرجال، بما يشمل التعرض للمقاطعة والتجاهل والتعليقات المتحيزة جنسيًا، فضلًا عن مطالبتهن بإثبات كفاءة أعلى.
وانعكس ذلك على استمرارهن في العمل السياسي، إذ تركت 41% من النساء المنتخبات اللاتي تتراوح أعمارهن بين 18 و29 عامًا مناصبهن البلدية قبل انتهاء ولايتهن خلال الفترة بين 2018 و2022، مقابل 36% من الرجال في الفئة العمرية نفسها.
وأضافت أن التهديدات وخطابات الكراهية والمضايقات أصبحت من أبرز العوامل المؤثرة في الحوار الديمقراطي، إذ تتعرض النساء في المناصب العامة لضغوط أكبر من الرجال، كما تتجنب كثيرات منهن الحديث علنًا عن قضايا المساواة والهجرة خشية التعرض للتهديد أو المضايقات.
ولهذا بدأت السويد، بدءاً من 1 يوليو 2025، تطبيق مسؤولية أوضح على البلديات والمناطق لمنع التهديدات والعنف ضد بعض المسؤولين المنتخبين، بهدف تعزيز الحماية وتوضيح مسؤوليات العمل الوقائي.
ربط النوع الاجتماعي بالتصويت
أوضحت وكالة “رويترز” أن اتساع الفجوة السياسية بين النساء والرجال لم يعد يقتصر على السويد، بل أصبح سمة متزايدة في عدد من الديمقراطيات، خاصة بين أبناء جيل زد، حيث يميل الشباب بصورة أكبر إلى الأحزاب اليمينية، بينما تتجه الشابات إلى دعم الأحزاب اليسارية أو التقدمية، في تحول عن الاتجاهات التي سبقت جائحة كوفيد-19.
ورصدت الوكالة كوريا الجنوبية باعتبارها أحد أبرز الأمثلة على هذه الظاهرة، إذ يعتزم نحو 30% من الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا التصويت لحزب الإصلاح اليميني، مقابل 3% فقط من النساء في الفئة العمرية نفسها، وفق استطلاع أجرته مؤسسة غالوب كوريا.
وأوضح الخبير الاقتصادي السياسي في كلية كينغز كوليدج لندن، سوهيون لي، أن كثيرًا من الشباب الكوريين الجنوبيين يشعرون بعدم قدرتهم على تحقيق توقعات المجتمع المتعلقة بالحصول على وظيفة جيدة وشراء منزل وتكوين أسرة، وهو ما يدفع بعضهم إلى تحميل الحركة النسوية مسؤولية هذا الإحباط، مع اعتبار النساء المستفيد الأكبر من فرص العمل.
وأضاف أن انخفاض معدلات الهجرة في كوريا الجنوبية جعل النساء بالنسبة لبعض الشباب “كبش فداء” لتفسير التغيرات الاقتصادية والاجتماعية.
وقالت “رويترز” إن أنماطًا مشابهة برزت في فرنسا وألمانيا وكندا والولايات المتحدة، حيث اتجه الشباب الذكور بصورة أكبر إلى الأحزاب أو المرشحين اليمينيين، بينما مالت الشابات إلى الأحزاب اليسارية أو الليبرالية، وفي المقابل، لم تشهد أستراليا انقسامًا مماثلًا، وهو ما أرجعه عالم السياسة في الجامعة الوطنية الأسترالية، إنتيفار تشودري، إلى نظام التصويت الإلزامي الذي يسهم في الحد من ترسيخ الأفكار والأيديولوجيات المتطرفة.
واختتمت الوكالة بالإشارة إلى أن خبراء استطلاعات الرأي يتوقعون استمرار هذا الانقسام ما لم تعالج الحكومات قضايا جوهرية، مثل ارتفاع تكاليف السكن، وهشاشة فرص العمل، والصحة النفسية للشباب، بما في ذلك ارتفاع معدلات الانتحار بين الذكور.
وحذّر سوهيون لي من أن استمرار الانقسام السياسي بين النساء والرجال داخل الأجيال الجديدة قد يصعّب التوصل إلى توافقات مجتمعية بشأن إصلاحات كبرى، مثل الضرائب والرعاية الاجتماعية.
وبينما تستعد السويد لانتخابات 2026، تؤكد هيئة المساواة بين الجنسين أن الحفاظ على ديمقراطية قوية لا يقتصر على ضمان تمثيل متوازن للنساء والرجال، بل يتطلب أيضًا توفير بيئة سياسية آمنة تتيح للجميع المشاركة والتأثير وإسماع أصواتهم دون خوف من التهديد أو الإقصاء، باعتبار أن تكافؤ فرص المشاركة في الحياة العامة يظل أحد المرتكزات الأساسية للديمقراطية وحقوق الإنسان.
