منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أزمة سجن يزد.. القمع والمرض والعزلة في وجه السجينات السياسيات بإيران

14 يوليو 2026
عنبر نسائي في أحد سجون إيران- أرشيف
عنبر نسائي في أحد سجون إيران- أرشيف

تتزايد التحذيرات الحقوقية والدولية بشأن الأوضاع داخل عنبر النساء في سجن يزد الإيراني، وسط اتهامات متصاعدة للسلطات الإيرانية بمواصلة سياسة التضييق على السجينات السياسيات والمعتقلات على خلفية الاحتجاجات والنشاط الرقمي والمدني، وتقول منظمات حقوق الإنسان إن أوضاع الاحتجاز داخل السجن بلغت مرحلة حرجة وغير إنسانية، مع تصاعد الشكاوى المتعلقة بالاكتظاظ، وضعف الرعاية الطبية، والضغوط النفسية، واستمرار الاحتجاز لفترات طويلة دون وضوح قانوني أو محاكمات عادلة.

وقالت منظمة العفو الدولية، في تقرير، إن السلطات الإيرانية صعّدت حملتها ضد الناشطات والمدافعات عن حقوق المرأة منذ احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية”، عبر الاعتقالات التعسفية والمحاكمات القاسية والجلد وحتى أحكام الإعدام، مؤكدة أن النساء أصبحن في صدارة حملات القمع الأمني داخل إيران.

وتأتي أزمة سجن يزد في سياق أوسع من التوتر الحقوقي داخل إيران، حيث تؤكد الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية أن السنوات الثلاث الأخيرة شهدت ارتفاعا ملحوظا في أعداد النساء المعتقلات على خلفية سياسية أو بسبب نشاطهن على شبكات التواصل الاجتماعي، خاصة بعد وفاة مهسا أميني في سبتمبر 2022 وما أعقبها من احتجاجات واسعة في أنحاء البلاد.

أوضاع احتجاز تتجاوز المعايير الإنسانية

بحسب تقارير نشرها نشطاء حقوقيون إيرانيون وعائلات معتقلات خلال عام 2025، فإن عنبر النساء في سجن يزد يعاني من اكتظاظ متزايد ونقص حاد في الخدمات الأساسية، مع شكاوى من تدهور النظافة، وضعف التهوية، وتقييد الوصول إلى الرعاية الطبية والأدوية.

وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن السلطات الإيرانية تواصل استخدام الاحتجاز المطول والعزل النفسي والحرمان من العلاج كأدوات ضغط ضد السجينات السياسيات، معتبرة أن هذه الممارسات تمثل انتهاكا مباشرا للمعايير الدولية الخاصة بمعاملة السجناء.

وتشير تقديرات منظمات حقوقية إيرانية إلى وجود عشرات النساء المحتجزات في سجن يزد على خلفية المشاركة في الاحتجاجات أو النشاط الرقمي، بينما تؤكد عائلات المعتقلات أن بعض السجينات يواجهن أشهرا طويلة من الاحتجاز دون صدور أحكام واضحة أو السماح لهن بالتواصل الكامل مع المحامين.

الاعتقال بسبب النشاط الإلكتروني

أحد أكثر الجوانب المثيرة للقلق، بحسب تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، هو اتساع دائرة الملاحقات في إيران المرتبطة بالنشاط على الإنترنت.

إذ تؤكد تقارير حقوقية أن عددا من المعتقلات في سجن يزد أوقفن بسبب إعادة نشر محتوى سياسي أو دعم الاحتجاجات أو التعبير عن الرأي عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وقالت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بشأن إيران إن السلطات الإيرانية استخدمت خلال 2025 قوانين الأمن القومي والجرائم الإلكترونية لتجريم حرية التعبير الرقمية، خاصة بحق النساء والناشطات والصحفيات.

وأضافت البعثة الأممية أن التهم المستخدمة ضد المعتقلات، مثل “الدعاية ضد النظام” أو التحريض على الفوضى، توظف بصورة واسعة لتقييد الحريات العامة وإسكات الأصوات المعارضة.

زينب جلاليان.. رمز الأزمة الإنسانية

تحولت قضية السجينة السياسية الكردية زينب جلاليان إلى أبرز ملفات القلق الحقوقي المرتبطة بسجن يزد، حيث تقضي عامها الثامن عشر في السجون الإيرانية بعد اعتقالها عام 2008.

وقالت منظمة العفو الدولية إن جلاليان تعاني من مشكلات صحية مزمنة وخطيرة تشمل التهابات حادة في العينين ومشكلات تنفسية وهضمية، مؤكدة أن استمرار حرمانها من العلاج المتخصص قد يؤدي إلى فقدانها البصر بشكل كامل.

ووفق تقارير مركز حقوق الإنسان في إيران، فإن جلاليان تعرضت خلال سنوات اعتقالها لعمليات نقل متكررة بين السجون، وحرمت مرارا من الإجازات العلاجية والرعاية الطبية المناسبة، رغم المطالب الدولية المتكررة بضرورة الإفراج عنها أو توفير علاج عاجل لها.

وتقول منظمات حقوقية إن قضية جلاليان أصبحت نموذجا لمعاناة السجينات السياسيات في إيران، خاصة مع استمرار استخدام الحرمان الطبي كوسيلة ضغط داخل السجون.

أزمة نفسية متفاقمة خلف القضبان

لا تقتصر معاناة السجينات في سجن يزد على الجوانب الصحية والجسدية، إذ تؤكد تقارير حقوقية أن الضغوط النفسية داخل السجن وصلت إلى مستويات خطيرة نتيجة الخوف من الأحكام الثقيلة والغموض القانوني والعزلة عن العائلات.

وقالت منظمة “هنغاو” الكردية إن عددا من المعتقلات يعانين من اضطرابات نفسية تشمل القلق الحاد والأرق المزمن ونوبات الهلع والاكتئاب، في ظل بيئة احتجاز توصف بأنها شديدة التوتر.

وتشير شهادات نقلتها عائلات السجينات إلى أن بعض المعتقلات يحتجزن لأشهر دون وضوح بشأن مصير قضاياهن، مع تقييد الزيارات وتأخير التواصل مع المحامين، ما يزيد من حدة الضغوط النفسية والانهيار المعنوي داخل العنبر.

انتهاك لمبدأ فصل الجرائم

من أبرز الانتقادات الموجهة لإدارة سجن يزد عدم الالتزام بمبدأ فصل الجرائم، إذ تؤكد تقارير حقوقية أن السجينات السياسيات والمعتقلات على خلفية الاحتجاجات يحتجزن أحيانا مع سجناء قضايا المخدرات أو الجرائم العنيفة.

وقالت منظمة العفو الدولية إن هذا الوضع القائم في إيران يتعارض مع قواعد نيلسون مانديلا الخاصة بمعاملة السجناء، والتي تنص على ضرورة تصنيف المحتجزين وفصلهم بما يضمن سلامتهم الجسدية والنفسية.

ويقول نشطاء حقوق الإنسان إن هذا الخلط داخل أماكن الاحتجاز يخلق بيئة غير آمنة ويضاعف من معاناة النساء، خاصة مع محدودية المساحات وضعف البنية التحتية داخل السجن.

أرقام وإحصاءات مقلقة في 2025

تشير بيانات منظمات حقوقية وتقارير أممية إلى تصاعد الضغوط على النساء داخل إيران خلال عام 2025، وقالت منظمة العفو الدولية إن السلطات الإيرانية اعتقلت خلال الأشهر الأولى من العام عددا من الناشطات والمدافعات عن حقوق المرأة والصحفيات، ضمن حملة أوسع لإسكات الأصوات المعارضة.

كما أعلنت منظمة العفو الدولية أن إيران نفذت أكثر من ألف عملية إعدام منذ بداية 2025، وهو أعلى رقم تسجله المنظمة خلال ما لا يقل عن 15 عاما، مشيرة إلى أن السلطات تستخدم الإعدام كأداة لترهيب المجتمع وقمع المعارضة منذ احتجاجات 2022.

ووفقا لتقارير حقوقية دولية، فإن النساء أصبحن يشكلن نسبة متزايدة من المعتقلين السياسيين، خاصة بعد احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية”، في وقت تواجه فيه ناشطات وصحفيات ومدافعات عن حقوق الإنسان أحكاما طويلة بالسجن وقيودا أمنية مشددة.

ردود فعل دولية متصاعدة

دفعت التقارير المتعلقة بسجن يزد عددا من المنظمات الدولية إلى المطالبة بتحرك عاجل لتحسين أوضاع السجينات، ودعت لجنة حرية السجناء السياسيين إلى ممارسة ضغوط دولية على السلطات الإيرانية لضمان توفير الرعاية الصحية وتطبيق مبدأ فصل الجرائم والإفراج عن السجينات السياسيات.

كما طالبت منظمات أممية بالسماح لمراقبين دوليين مستقلين بزيارة السجون الإيرانية والتحقيق في مزاعم الحرمان من العلاج وسوء المعاملة والتعذيب النفسي والجسدي.

وأكدت الأمم المتحدة أن استمرار القيود المفروضة على السجينات، خصوصا في ما يتعلق بالعلاج والتواصل مع المحامين، يثير مخاوف جدية بشأن التزام إيران بتعهداتها الدولية في مجال حقوق الإنسان.

الإطار القانوني الدولي

تخضع معاملة السجينات في القانون الدولي لعدد من الاتفاقيات والقواعد الملزمة، أبرزها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صادقت عليه إيران، إضافة إلى قواعد بانكوك الخاصة بمعاملة النساء السجينات وقواعد نيلسون مانديلا.

وتنص المادة العاشرة من العهد الدولي على ضرورة معاملة جميع المحتجزين بكرامة واحترام لإنسانيتهم، بينما تحظر القواعد الدولية استخدام الحرمان من العلاج أو العزل المطول كوسائل للعقاب أو الضغط النفسي.

وتؤكد منظمات حقوق الإنسان أن كثيرا من الممارسات المبلغ عنها داخل سجن يزد، بما في ذلك تأخير العلاج والاحتجاز المطول وعدم وضوح الإجراءات القضائية، تتعارض مع هذه المعايير الدولية.

السياق السياسي والأمني

يرتبط تصاعد الانتهاكات داخل السجون الإيرانية بالسياق السياسي والأمني الذي أعقب احتجاجات 2022، حين شهدت البلاد واحدة من أكبر موجات الاحتجاج ضد السلطات منذ سنوات، وأدت تلك الاحتجاجات إلى اعتقال آلاف الأشخاص، بينهم أعداد كبيرة من النساء والطالبات والصحفيات والناشطات.

وقالت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة في تقريرها الصادر عام 2024 إن السلطات الإيرانية ارتكبت انتهاكات جسيمة وممنهجة بحق النساء والفتيات خلال قمع الاحتجاجات، معتبرة أن بعض تلك الانتهاكات قد ترقى إلى مستوى الاضطهاد.

وفي ظل استمرار التوتر بين إيران والمنظمات الحقوقية الدولية، يبقى سجن يزد واحدا من أبرز الملفات التي تعكس حجم الأزمة الحقوقية المرتبطة بالسجينات السياسيات داخل البلاد، بينما تتزايد الدعوات الدولية لكشف ما يجري خلف أبواب السجون الإيرانية وتحسين أوضاع النساء المحتجزات فيها.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print