في اليابان وكوريا الجنوبية لم يعد تورط بعض كبار السن في جرائم بسيطة أو متكررة يُقرأ فقط باعتباره سلوكاً فردياً معزولاً، بل بات يُنظر إليه بوصفه انعكاساً لاختلالات أعمق في الحماية الاجتماعية والرعاية والدعم المجتمعي.
وفي ظل تسارع الشيخوخة السكانية، واتساع العزلة، وتراجع شبكات الإسناد الأسري التقليدية، يواجه عدد من المسنين أوضاعاً معيشية ونفسية قاسية، تشمل الفقر والوحدة وصعوبة الوصول إلى الرعاية والدعم اليومي.
وفي هذا السياق، يصبح السجن بالنسبة لبعضهم ليس فقط عقوبة، بل ملاذ يضمن المأوى والطعام والرعاية الأساسية، وهي حقوق يفترض أن تكون متاحة لهم خارج أسوار المؤسسات العقابية لا داخلها.
تثير هذه الظاهرة أسئلة جوهرية حول مدى قدرة السياسات العامة على حماية كبار السن من الهشاشة والتهميش، وضمان حقهم في العيش بكرامة واستقلال وأمان اجتماعي.
وعندما تتحول المؤسسة العقابية، بالنسبة لبعض المسنين، إلى بديل عن الرعاية الاجتماعية، فإن ذلك لا يكشف فقط عن أزمة فردية، بل عن قصور في نظم الحماية والدعم، وعن فجوة بين الاحتياجات الفعلية لهذه الفئة وبين ما توفره الدولة والمجتمع من خدمات واستجابات.
ظاهرة تتوسع بالأرقام
تعكس بيانات رسمية حجم التحول ففي اليابان، شكّل من هم فوق 65 عاماً نحو 13.5% من إجمالي السجناء في عام 2024، رغم أنهم يمثلون قرابة 29% من السكان، وهي من أعلى النسب عالمياً، كما يشكل كبار السن أكثر من 20% من إجمالي الموقوفين سنوياً، ما يعني أن واحداً من كل خمسة متهمين تقريباً ينتمي لهذه الفئة.
وفي كوريا الجنوبية، تجاوزت نسبة السجناء فوق الستين 17% خلال العقد الأخير، مع تضاعف أعدادهم بشكل ملحوظ، ما يعكس اتجاهاً متصاعداً لا يمكن تفسيره فقط بالعوامل الجنائية.
وتُظهر بيانات رسمية يابانية منشورة عبر منصة Nippon.com أن غالبية هذه الجرائم محدودة، إذ تشكل السرقات الصغيرة النسبة الكبرى، حيث تمثل نحو 71% من جرائم النساء المسنات، كما تفيد تقارير صحفية، منها El País وProto Thema، بأن ثلثي الجرائم المرتكبة من كبار السن ترتبط بالسرقة.
العزلة عامل خفي
تمثل الوحدة أحد أبرز محركات الظاهرة، ففي اليابان سُجل أكثر من 58 ألف حالة وفاة لكبار السن الذين يعيشون بمفردهم خلال عام واحد، في حين تشير تقديرات رسمية إلى أن نحو ثلاثة أرباع هذه الحالات تعود لأشخاص فوق 65 عاماً.
هذه المعطيات تعكس اتساع العزلة الاجتماعية التي تدفع بعض كبار السن إلى البحث عن بيئة توفر تواصلاً يومياً، حتى وإن كانت داخل السجن.
ويرتبط هذا الاتجاه أيضاً بضعف الدخل التقاعدي، خصوصاً لدى من عملوا في وظائف غير مستقرة، ويكرر بعض كبار السن ارتكاب الجرائم، ما يعكس نمطاً دائرياً بين الفقر والسجن.
وتكشف هذه المفارقة خللاً في توزيع الحماية، حيث يجد البعض في السجن استقراراً مفقوداً خارجه.
الكرامة وحقوق الإنسان
يرى الدكتور معاذ أبو دلو، أستاذ القانون العام الدستوري المتخصص في حقوق الإنسان، أن الظاهرة تعكس خللاً بنيوياً في منظومات الحماية الاجتماعية أكثر مما تعكس سلوكاً إجرامياً فردياً.
ويؤكد د. أبو دلو، لمنصة “صفر” أن الكرامة الإنسانية تمثل حجر الأساس في القانون الدولي لحقوق الإنسان، وترتبط مباشرة بالحق في الصحة والرفاه والعيش الكريم، وهي حقوق غير قابلة للانتقاص.
ويشير إلى أن الأمم المتحدة، من خلال العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تفرض التزامات واضحة على الدول لضمان مستوى معيشي لائق. ويرى أن لجوء كبار السن إلى السجن يعكس قصوراً في تنفيذ هذه الالتزامات، لا مجرد مخالفة للقانون.
ويلفت إلى أن غياب اتفاقية دولية ملزمة خاصة بكبار السن، رغم وجود مبادئ أممية، يترك فجوات حماية واضحة، خاصة في ظل ضعف تفعيلها داخل السياسات الوطنية.
وعلى المستوى الدستوري، يوضح أبو دلو أن القوانين في اليابان وكوريا الجنوبية تكفل الحق في مستوى معيشي لائق وتعزيز الأمن الاجتماعي، ما يجعل مسؤولية الدولة قانونية وسياسية ممتدة، لا تقتصر على معالجة الفعل الجرمي.
ويخلص إلى أن الظاهرة يجب أن تُقرأ بوصفها انعكاساً لخلل في السياسات الاجتماعية، يتمثل في ضعف شبكات الحماية وتراجع خدمات الرعاية طويلة الأمد.
خلل يتجاوز الفرد
من جانبها، ترى الخبيرة الاجتماعية إيمان الشمايلة أن الظاهرة ترتبط بتحولات ديموغرافية عميقة، أبرزها ارتفاع متوسط العمر وتراجع دور الأسرة الممتدة.
وتشير الشمايلة في حديثها لـ”صفر” إلى أن المشكلة لم تعد تقتصر على الفقر، بل تمتد إلى فقدان الدور الاجتماعي والشعور بالجدوى، حيث يجد كبار السن أنفسهم خارج دوائر التأثير، ما يعزز الإحساس بالعزلة ويدفع بعضهم إلى البحث عن أي إطار يوفر الاعتراف، حتى لو كان داخل مؤسسة عقابية.
وتوضح الشمايلة أن أخطر ما في التحولات الحالية هو اتساع الفجوة بين احتياجات كبار السن وقدرة الأنظمة على تلبيتها. فشيخوخة السكان لم تُقابل بتوسع موازٍ في خدمات الرعاية، ما خلق حالة من الهشاشة المركبة.

