في قطاع غزة، لم يعد الجوع مجرد نتيجة جانبية للحرب أو الأزمة الإنسانية الممتدة، بل تحوّل إلى واقع يومي يطارد مئات الآلاف من السكان، في واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية قسوة في العصر الحديث.
وبين شحّ الغذاء، وانهيار سلاسل الإمداد، وتقييد وصول المساعدات، تتسع رقعة المجاعة بصمت، لتغدو سلاحًا بطيئًا ينهك الأجساد ويستنزف ما تبقّى من قدرة على الصمود.
ولم يعد وصف “نقص الغذاء” كافيًا لتفسير ما يجري في غزة، فالواقع يتجاوز الانكماش في الإمدادات إلى انهيار شبه كامل في المنظومة الغذائية.
الأسواق التي كانت تعجّ بالحركة تحوّلت في كثير من المناطق إلى فضاءات شبه فارغة، وإن وُجدت بعض السلع فهي تُباع بكميات محدودة وبأسعار تفوق قدرة الغالبية الساحقة من السكان، في ظل انعدام الدخل وتوقف مصادر الرزق.
الخبز، الذي يُعد الغذاء الأساسي لمعظم العائلات، لم يعد متوفرًا بشكل منتظم، المخابز تعمل بصورة متقطعة، أو تتوقف كليًا بسبب نقص الدقيق والوقود وصعوبة التشغيل، وفي أحسن الأحوال، يُوزّع الخبز بكميات لا تكفي احتياجات الأسرة اليومية، ما يضطر العائلات إلى تقنينه أو الاستغناء عنه في بعض الأيام.
هذا الانهيار انعكس بشكل مباشر على الأطفال، الذين باتت وجباتهم اليومية محدودة للغاية أو غائبة كليًا في بعض الأسر، وفي المخيمات ومراكز الإيواء، تتكرر مشاهد الأطفال الذين ينامون على بطون خاوية، في صورة باتت مألوفة لكنها تختصر عمق المأساة.
داخل مراكز الإيواء، تعتمد آلاف العائلات على وجبة واحدة غير مكتملة خلال اليوم، غالبًا ما تكون بسيطة وتفتقر إلى العناصر الغذائية الأساسية، أو على مساعدات إنسانية متقطعة لا تغطي إلا جزءًا ضئيلًا من الاحتياج الفعلي.
وجبة واحدة لا تكفي
الفلسطيني محمود ياسين (36 عامًا)، النازح في أحد مراكز الإيواء وسط غزة، يصف يومياته بأنّها صراع مستمر مع الجوع، إذ يؤكد لموقع “صفر” أنّ طوابير “التكايا” أصبحت جزءًا من الروتين اليومي، حيث ينتظر ساعات طويلة للحصول على كمية طعام محدودة لا تكفي أسرته.
ويضيف ياسين أنّ “الجوع لم يعد حالة طارئة بل أصبح نمط حياة، حيث أحيانًا نقسم رغيف الخبز بين أكثر من شخص، والأطفال يسألون عن الطعام طوال الوقت ولا نجد ما نجيبهم به”.
ويشير إلى أنّ العائلات تعتمد بشكل شبه كامل على مساعدات إنسانية متقطعة، غالبًا ما تكون غير كافية أو غير منتظمة، ما يترك أيامًا كاملة بلا طعام.
ويؤكد ياسين أنّ ما يشهده السكان في قطاع غزة يرقى إلى مستوى الحرمان الممنهج من الحقوق الأساسية المكفولة بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها الحق في الغذاء الكافي والحق في الحياة الكريمة.
ويلفت إلى أنّ انعدام الاستقرار الغذائي لم يعد حالة طارئة، بل أصبح نمطًا مستمرًا من انعدام الأمن الإنساني، يُفرغ الحق في الغذاء من مضمونه القانوني، ويحوّله من حق أصيل غير قابل للتصرف إلى حاجة غير مضمونة خاضعة لظروف الحصار والقيود المفروضة.
ويبين أن تعمّد إسرائيل سياسة التجويع يُعدّ انتهاكًا مباشرًا للحق في الغذاء الكافي والحق في الحياة والكرامة الإنسانية، حيث يتحول الجوع من حالة معيشية إلى شكل من أشكال الحرمان المنهجي الذي يهدد بقاء المدنيين ويقوّض الحد الأدنى من مقومات العيش الآمن.
ويجري ذلك في ظل غياب ضمانات الاستقرار الغذائي، واستمرار الاعتماد القسري على مساعدات إنسانية غير منتظمة وغير كافية، ما يفاقم من حدة الكارثة الإنسانية، ويجعل الغذاء نفسه أداة ضغط تمسّ الحياة اليومية للسكان وتضاعف من هشاشة أوضاعهم المعيشية.
الأطفال في قلب الكارثة
الأطفال هم الفئة الأكثر تضررًا من هذا الواقع، علامات سوء التغذية أصبحت واضحة: نحول شديد، ضعف عام، وتأخر في النمو الجسدي، إذ الأطباء في القطاع يحذرون من ارتفاع غير مسبوق في حالات سوء التغذية الحاد، خصوصًا بين الأطفال دون سن الخامسة.
في المستشفيات، تتدفق الحالات الحرجة وسط إمكانيات طبية محدودة وضغط يفوق القدرة الاستيعابية، ويؤكد مختصون أنّ استمرار هذا الوضع سيترك آثارًا طويلة الأمد لا تقتصر على الصحة الجسدية، بل تمتد إلى النمو العقلي والتطور الطبيعي لجيل كامل.
الفلسطينية سماح البلعاوي (40 عامًا)، وهي أم لعدة أطفال، تقف يوميًا في طوابير توزيع الطعام داخل أحد مراكز الإيواء، تقول لـ”صفر” إنّ الحصول على الطعام أصبح معركة يومية غير مضمونة النتائج.
وتصف البلعاوي معاناة أطفالها: “أحيانًا ينامون من شدة الجوع، وأحيانًا يبكون طوال اليوم لأنهم لم يأكلوا شيئًا”، مؤكدةً أنّ أطفالها فقدوا القدرة على ممارسة حياتهم الطبيعية، حيث أصبح التفكير بالطعام يسبق اللعب والتعليم وكل تفاصيل الطفولة.
وتضيف أنّ هذا الواقع يترك أثرًا نفسيًا قاسيًا على الأمهات أيضًا، حيث يعيشن شعورًا دائمًا بالعجز أمام احتياجات أبنائهن الأساسية، في ظل انعدام القدرة على توفير وجبة يومية ثابتة.
المساعدات لا تكفي أمام الكارثة
رغم دخول بعض المساعدات الإنسانية، فإن الكميات تبقى محدودة جدًا مقارنة بحجم الاحتياج، كما أنّ عمليات التوزيع تواجه عراقيل لوجستية وأمنية تجعل الوصول إلى الغذاء مهمة شاقة وغير مضمونة.
ويؤكد مراقبون أنّ الاعتماد شبه الكامل على المساعدات غير المنتظمة عمّق الأزمة بدل أن يخففها، خصوصًا مع غياب أي منظومة إنتاج محلية أو دورة اقتصادية فعالة.
فالانهيار الاقتصادي في غزة أدى إلى توقف آلاف الأسر عن أي مصدر دخل، وتدمير البنية التحتية، وشلل الأسواق، ما جعل السكان غير قادرين حتى على شراء الغذاء في حال توفره بأسعار مرتفعة جدًا.
ويعيش أكثر من 2.1 مليون فلسطيني في مساحة جغرافية ضيقة تعاني من انعدام الأمن الغذائي المتفاقم.
وأكد خبراء أمميون أن على إسرائيل أن تعيد فورًا الوصول الإنساني غير المقيّد إلى غزة، محذرين من أن استمرار القيود على المساعدات يفاقم خطر التجويع ويقوض الحق الأساسي للسكان في الغذاء والماء والحياة.
وقال مايكل فخري، المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة المعني بالحق في الغذاء، إن أزمة الجوع في غزة ليست كارثة إنسانية طبيعية، بل نتيجة سياسية مرتبطة بالحصار ومنع الوصول المنتظم إلى الغذاء والماء والمساعدات.
وشدد في إحاطة أممية حديثة على أن “التجويع دائمًا مشكلة سياسية ويتطلب حلًا سياسيًا”، معتبرًا أن الحق في الغذاء لا يعني مجرد إدخال كميات محدودة من المساعدات، بل ضمان وصول السكان الآمن والمستمر إلى غذاء كافٍ ومغذٍ، واحترام سيادتهم الغذائية وقدرتهم على إنتاج الغذاء والحصول عليه بكرامة.
وبحسب المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في الغذاء، فإن ما يجري في غزة يوضح أن الحق في الغذاء لا ينفصل عن وقف الأعمال العدائية ورفع القيود على المساعدات واستعادة المنظومة الإنسانية، فالجوع، وفق توصيفه، لا ينتج فقط عن نقص الطعام، بل عن سياسات تمنع الناس من الوصول إليه، وتدمر سبل إنتاجه، وتجعل المدنيين معتمدين على مساعدات غير كافية وغير مستقرة.
تحذيرات من مجاعة منظمة
من جانبه، يؤكد مدير شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية أمجد الشوا لـ”صفر”، أنّ تفاقم الجوع وانعدام الأمن الغذائي لم يعد مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل يمثل “انتهاكًا مباشرًا ومنهجيًا للحقوق الأساسية للإنسان”، وفي مقدمتها الحق في الحياة والحق في الغذاء الكافي.
ويشير الشوا إلى أنّ اتساع رقعة الجوع يعكس انهيارًا في منظومة الحماية الإنسانية، نتيجة القيود المفروضة على إدخال المساعدات وتعطل سلاسل الإمداد، ما أدى إلى تراجع كبير في قدرة المؤسسات الإغاثية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
ويوضح أنّ ما يجري يرقى، وفق القانون الدولي الإنساني، إلى مستوى “الحرمان المنظم من مقومات البقاء”، الأمر الذي ينعكس بصورة خاصة على الفئات الأكثر هشاشة، ويزيد من مخاطر سوء التغذية وانعدام الغذاء اليومي.
ويحذّر الشوا من أنّ استمرار هذا الواقع دون تدخل عاجل من شأنه أن يفاقم الكارثة الإنسانية، ويحوّل الجوع من حالة طارئة إلى حالة دائمة من المعاناة، بما يمسّ الكرامة الإنسانية ويقوّض الحد الأدنى من الحق في العيش الآمن.
الحق في الغذاء
من جهته، يقول رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد)، الدكتور صلاح عبد العاطي، إنّ ما يجري في قطاع غزة لا يمكن وصفه بأنّه “أزمة غذاء”، بل يمثل استخدامًا ممنهجًا للجوع كسلاح حرب، ويرى أنّه يرقى إلى جريمة إبادة جماعية تُرتكب بحق المدنيين تحت سمع وبصر العالم.
ويؤكد عبد العاطي في حديثه إلى “صفر” أنّ ما يتعرض له أكثر من مليوني فلسطيني ليس نتيجة عرضية للعمليات العسكرية، بل سياسة مقصودة تقوم على “هندسة التجويع”، عبر تحويل الغذاء من حق إنساني أساسي إلى أداة ضغط وهيمنة.
ويشير إلى أنّ هذا النهج يشكل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما المادة (54) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، التي تحظر تجويع المدنيين كوسيلة من وسائل الحرب.
ويضيف أنّ استهداف مقومات الحياة الأساسية، مثل الغذاء والمياه والدواء، يضع السكان أمام خطر الموت البطيء، في ظل غياب أي مسارات آمنة أو كافية للإغاثة.
ويشدد على أنّ الوضع في غزة تجاوز مؤشرات المجاعة المعتمدة دوليًا، ما يجعل وصف “أزمة غذائية” غير كافٍ، محذرًا من أنّ استمرار إغلاق المعابر وتقييد المساعدات يفاقم الانهيار الإنساني، ويحوّل الغذاء إلى أداة ابتزاز بدل أن يكون حقًا غير قابل للمساومة.
ويعتبر عبد العاطي أنّ صمت المجتمع الدولي وعدم اتخاذ إجراءات فعالة لوقف التجويع يرقى إلى مستوى التواطؤ غير المباشر، يضعف منظومة الحماية الدولية.
ويختتم بالتأكيد على أنّ الحق في الغذاء حق أساسي غير قابل للتسييس أو الانتقاص، وأن استمرار التجويع يجعل ما يجري في غزة اختبارًا حقيقيًا لفاعلية القانون الدولي في حماية المدنيين خلال النزاعات.




