منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث في منصة صفر

شرق الكونغو.. المدنيون في قلب صراع السلاح والموارد

30 يونيو 2026
النزوح في شرق الكونغو يثير القلق
النزوح في شرق الكونغو يثير القلق

في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، لا تبدو الأزمة مجرد نزاع مسلح تقليدي بين أطراف متحاربة، بل مأساة ممتدة يعيشها المدنيون في قلب تقاطع معقد بين السلاح، والموارد الطبيعية، والنزوح، والعنف الجنسي، وضعف الحماية الدولية، وقد أعادت مناقشات مجلس حقوق الإنسان حول كيفو الشمالية وكيفو الجنوبية تسليط الضوء على واقع شديد الخطورة، حيث يتحول المدنيون إلى الضحية الأولى في صراع تتداخل فيه الجماعات المسلحة والمصالح الإقليمية والاقتصاد غير المشروع.

أبرز ما يميز ملف شرق الكونغو هو أن الانتهاكات لا تقع في فراغ، فالمنطقة غنية بالموارد الطبيعية، وتعاني في الوقت نفسه من هشاشة أمنية مزمنة، ما يجعل السيطرة على الأرض والمناجم ومسارات التجارة جزءاً من منطق الحرب، ولذلك، فإن العنف ضد المدنيين لا يمكن فصله عن الصراع على الموارد، ولا عن ضعف مؤسسات الدولة، ولا عن تعقيدات العلاقة بين الداخل الكونغولي والجوار الإقليمي.

خلال الجلسة، برزت مناطق كيفو الشمالية وكيفو الجنوبية بوصفها مركزاً للأزمة، مع الإشارة إلى الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين، والنزوح الواسع، والعنف الجنسي، وتجنيد الأطفال، واستهداف المدارس والمستشفيات والعاملين الإنسانيين، كما حضر اسم حركة M23 والاتهامات المرتبطة بدعم إقليمي، ولا سيما ما يتصل برواندا، في سياق أوسع من التوتر في منطقة البحيرات الكبرى.

هذه المعطيات تجعل حماية المدنيين أولوية لا يمكن تأجيلها، فحين تتكرر الهجمات، ويُجبر السكان على مغادرة قراهم، وتتعرض النساء والفتيات للعنف، ويُدفع الأطفال إلى دوائر التجنيد والاستغلال، تصبح الأزمة أكثر من مجرد تحدٍ أمني، إنها أزمة حقوق إنسان شاملة تمس الحق في الحياة، والسلامة الجسدية، والسكن، والتعليم، والصحة، والغذاء، والكرامة.

النزوح في شرق الكونغو

النزوح يمثل أحد أكثر أوجه الأزمة وضوحاً، فالمدنيون في شرق الكونغو لا يفرون فقط من القتال، بل من منظومة خوف مستمرة: هجمات محتملة، انتقام جماعات مسلحة، فقدان مصادر الرزق، وانهيار الخدمات الأساسية. وفي حالات كثيرة، لا يجد النازحون الحماية الكافية في أماكن اللجوء الداخلي، إذ تتحول المخيمات أو التجمعات المؤقتة إلى فضاءات هشّة تعاني من نقص المساعدات، وضعف الأمن، ومخاطر الاستغلال.

أما العنف الجنسي، فقد طُرح باعتباره أحد أخطر أنماط الانتهاكات في النزاع، ففي سياقات الحروب الطويلة، لا يكون العنف الجنسي مجرد جريمة فردية، بل قد يتحول إلى أداة ترهيب جماعي وتفكيك اجتماعي، وتتحمل النساء والفتيات الكلفة الأكبر، ليس فقط من خلال الأذى الجسدي والنفسي، بل أيضاً عبر الوصم الاجتماعي، وصعوبة الوصول إلى العدالة والرعاية الصحية والدعم النفسي.

وتزداد خطورة الوضع عندما تتعرض المدارس والمستشفيات والعاملون الإنسانيون للخطر، فاستهداف هذه المرافق أو تعطيل عملها يعني ضرب قدرة المجتمع على الصمود، فالمدرسة ليست فقط مكاناً للتعليم، بل مساحة حماية للأطفال، والمستشفى ليس مجرد مرفق صحي، بل خط حياة للجرحى والنازحين والنساء والأطفال، وعندما تنهار هذه الخدمات، يمتد أثر الحرب إلى ما بعد توقف القتال.

من جهة أخرى، يطرح ملف الموارد الطبيعية سؤالاً أساسياً حول اقتصاد النزاع، فالتعدين غير المنظم أو الخاضع لسيطرة جماعات مسلحة يغذي دورات العنف، ويمنح الأطراف المسلحة مصادر تمويل، ويفتح الباب أمام انتهاكات واسعة في مناطق الإنتاج والنقل والتجارة، لذلك، فإن أي معالجة حقوقية للأزمة ينبغي ألا تكتفي بوقف إطلاق النار، بل يجب أن تتناول أيضاً شبكات التمويل والاستغلال والتهريب المرتبطة بالموارد.

وهنا تبرز مسؤولية الدولة الكونغولية والمجتمع الدولي معاً، فالدولة مسؤولة عن حماية مواطنيها وبسط سيادة القانون، لكنها تواجه تحديات أمنية ومؤسسية كبيرة في الشرق، أما المجتمع الدولي، فعليه ألا يكتفي بالإدانة، بل أن يدعم آليات التوثيق والمساءلة، ويضغط من أجل وقف دعم الجماعات المسلحة، ويضمن أن سلاسل توريد المعادن لا تستفيد من الانتهاكات أو تمولها.

جمع الأدلة وحماية الشهود

شكلت لجنة التحقيق المستقلة بشأن كيفو الشمالية والجنوبية أحد العناصر المهمة في النقاش، فجمع الأدلة وحماية الشهود وتوثيق الانتهاكات خطوات أساسية لمواجهة الإفلات من العقاب، لكن عمل مثل هذه الآليات يحتاج إلى وصول آمن، وتمويل كافٍ، وتعاون من الأطراف المعنية؛ فبدون التوثيق تضيع الحقيقة، وبدون المساءلة تتكرر الجرائم.

إن العدالة في شرق الكونغو ليست مسألة قانونية فقط، بل شرط للحماية المستقبلية، فالضحايا الذين يرون الجناة يفلتون من العقاب يفقدون الثقة في الدولة وفي النظام الدولي، والجماعات المسلحة التي لا تواجه محاسبة تجد في الإفلات من العقاب تشجيعاً على استمرار الانتهاكات، لذلك، فإن المساءلة يجب أن تكون جزءاً من أي حل سياسي أو أمني.

كما أن البعد الإقليمي لا يمكن تجاهله، فالأزمة في شرق الكونغو ترتبط بتوازنات منطقة البحيرات الكبرى، وبالعلاقات بين الكونغو الديمقراطية ورواندا، وبجهود الوساطة الإقليمية والدولية، غير أن أي مقاربة سياسية يجب ألا تجعل حقوق المدنيين تفصيلاً ثانوياً، فالسلام الذي يتجاهل الضحايا، أو يعالج مصالح الدول والجماعات المسلحة فقط، لن يكون سلاماً مستداماً.

في النهاية، تكشف أزمة شرق الكونغو أن المدنيين يدفعون ثمن صراع يتجاوز قدرتهم على التأثير فيه، فهم عالقون بين السلاح والموارد، بين ضعف الدولة وتدخلات الإقليم، بين الحاجة إلى الحماية والخوف من النسيان الدولي، وما لم تُوضع حماية المدنيين في قلب أي تسوية، وما لم تُعالج جذور اقتصاد الحرب، سيبقى شرق الكونغو ينتج موجات جديدة من النزوح والانتهاكات.

إن المطلوب اليوم هو مسار متكامل: وقف الهجمات ضد المدنيين، ضمان وصول المساعدات، حماية النساء والأطفال، دعم النازحين، وقف تجنيد الأطفال، حماية المدارس والمستشفيات، توثيق الانتهاكات، ومساءلة المسؤولين عنها. فشرق الكونغو لا يحتاج فقط إلى تهدئة أمنية، بل إلى عدالة تنهي منطق الإفلات من العقاب، وتنمية لا تقوم على نهب الموارد، وسلام يضع الإنسان قبل المعادن والسلاح.

 

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print