منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بينها الاعترافات القسرية والعقوبات البدنية

مؤشر التعذيب العالمي يرصد تصاعد انتهاكات حقوق الإنسان والإفلات من العقاب في إيران

27 يونيو 2026
عناصر أمنية في شوارع إيران
عناصر أمنية في شوارع إيران

سلط تقرير دولي جديد الضوء على واقع حقوق الإنسان في إيران، بعدما صنفها ضمن الدول الأكثر عرضة لخطر التعذيب، في ظل استمرار ممارسات الاعترافات القسرية والعقوبات البدنية وغياب آليات فعالة لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. ورصد التقرير مجموعة من المؤشرات التي تعكس استمرار هذه الممارسات داخل المنظومة القضائية والأمنية، معتبراً أن المشكلة لا ترتبط بحوادث فردية، وإنما تعكس تحديات مؤسسية تتطلب إصلاحات قانونية وقضائية ورقابية شاملة.

وجاءت هذه النتائج، بحسب تقرير مؤشر التعذيب العالمي 2026 الصادر عن المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب، بالتزامن مع إحياء اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب، الذي يركز سنوياً على تعزيز الجهود الدولية لحماية الكرامة الإنسانية، ودعم الضحايا، وترسيخ آليات المساءلة، وحث الدول على الالتزام الكامل بالمعايير الدولية التي تحظر جميع أشكال التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

التعذيب ضمن بنية مؤسسية

قدم التقرير تقييماً مفصلاً لوضع حقوق الإنسان في إيران، وأشار إلى أن التعذيب والاعترافات القسرية والعقوبات البدنية والإفلات من العقاب تشكل عناصر مترابطة داخل المنظومة القضائية والأمنية، ويرى معدو التقرير أن استمرار هذه الممارسات يرتبط بغياب الضمانات القانونية والرقابية الكفيلة بمنع الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.

وأوضح التقرير أن إيران لم تنضم حتى الآن إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، كما أن التشريعات الإيرانية لا تعرف التعذيب باعتباره جريمة مستقلة يعاقب عليها القانون. وفي المقابل، لا تزال قوانين العقوبات تتضمن عقوبات بدنية مثل الجلد وبتر الأطراف، وهي عقوبات يعدها القانون الدولي شكلاً من أشكال المعاملة أو العقوبة القاسية واللاإنسانية والمهينة.

الاعترافات القسرية

خصص التقرير مساحة واسعة للحديث عن استخدام الاعترافات القسرية في القضايا الجنائية والسياسية والأمنية، معتبراً أن اعتماد المحاكم على الاعترافات باعتبارها دليلاً رئيساً للإدانة يشجع على ممارسة ضغوط نفسية وجسدية على المحتجزين من أجل انتزاع اعترافاتهم.

وأضاف التقرير أن وسائل الإعلام الحكومية تنشر في عدد من القضايا السياسية والأمنية اعترافات المتهمين قبل بدء المحاكمات، وهو ما يتعارض مع قرينة البراءة ويؤثر في ضمانات المحاكمة العادلة، كما اعتبر التقرير أن هذه الممارسات تعزز استمرار التعذيب، لأنها تمنح الاعترافات المنتزعة تحت الضغط قيمة قانونية وإعلامية في الوقت نفسه.

ارتفاع الإعدامات يثير المخاوف

وتناول التقرير أيضاً ملف تنفيذ أحكام الإعدام في إيران، مشيراً إلى تسجيل ما لا يقل عن 1639 حالة إعدام خلال عام 2025، وهو رقم وصفه بأنه يعكس تصاعداً مقلقاً في استخدام عقوبة الإعدام.

وأوضح التقرير أن بعض الأشخاص الذين شملتهم أحكام الإعدام كانوا دون الثامنة عشرة من العمر وقت ارتكاب الجرائم المنسوبة إليهم، الأمر الذي يتعارض مع الالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الطفل.

ورأى التقرير أن استمرار تنفيذ أحكام الإعدام، خاصة في القضايا التي تثار بشأنها تساؤلات حول توافر معايير المحاكمة العادلة، يزيد من المخاوف المرتبطة بحماية حقوق الإنسان ويعزز احتمالات وقوع انتهاكات جسيمة داخل منظومة العدالة.

غياب الرقابة والمحاسبة

وأكد التقرير أن غياب آليات مستقلة للتحقيق في مزاعم التعذيب يمثل أحد أبرز أسباب استمرار الانتهاكات في إيران، مشيراً إلى أن مرتكبي التعذيب يتمتعون بدرجة كبيرة من الإفلات من العقاب نتيجة عدم وجود أجهزة مستقلة تتولى التحقيق في الشكاوى أو مراجعة الوفيات التي تقع أثناء الاحتجاز.

كما رصد التقرير عدداً من العوامل داخل السجون الإيرانية التي تزيد من مخاطر التعذيب وسوء المعاملة، وفي مقدمتها الاكتظاظ، وضعف الخدمات الطبية، وتقييد حق المحتجزين في التواصل مع المحامين، واستخدام الحبس الانفرادي لفترات طويلة، إلى جانب غياب الرقابة المستقلة على أماكن الاحتجاز.

الفئات الأكثر عرضة للانتهاكات

وأشار التقرير إلى أن عدداً من الفئات يواجه مخاطر أكبر من غيرها، ومن بينها النساء، والأطفال، والأقليات القومية والدينية، والمدافعون عن حقوق الإنسان، والصحفيون، والمحامون، والنشطاء العماليون، وأعضاء النقابات، وممثلو منظمات المجتمع المدني.

وأكد التقرير أن السلطات تستخدم التعذيب والضغوط النفسية بصورة متكررة في القضايا المرتبطة بالاحتجاجات والأنشطة المدنية وحرية التعبير، معتبراً أن هذه الممارسات تهدف إلى الحد من المعارضة وإيجاد مناخ من الخوف داخل المجتمع.

تعارض مع الاتفاقيات الدولية

وأوضح التقرير أن الممارسات التي وثقها تتعارض مع عدد من الاتفاقيات والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، وفي مقدمتها المادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

وأضاف أن المادة السابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تحظر التعذيب بصورة مطلقة، كما تنص المادة العاشرة من العهد ذاته على ضرورة معاملة جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم بما يحفظ كرامتهم الإنسانية. وأشار التقرير إلى أن إيران طرف في هذا العهد، الأمر الذي يرتب عليها التزامات قانونية في هذا المجال.

الإصلاح يتطلب مساءلة حقيقية

خلص التقرير إلى أن إنهاء التعذيب لا يتحقق بمجرد تعديل النصوص القانونية، وإنما يحتاج إلى إصلاحات مؤسسية أوسع تشمل تعزيز استقلال القضاء، وإنشاء آليات مستقلة لمراقبة مراكز الاحتجاز، وضمان التحقيق في جميع مزاعم التعذيب، وحظر استخدام الاعترافات القسرية بصورة كاملة، مع توفير ضمانات المحاكمة العادلة لجميع المتهمين.

وأكد التقرير أن استمرار غياب المساءلة يوفر بيئة تسمح بتكرار الانتهاكات، موضحاً أن أي جهود للإصلاح لن تحقق نتائج ملموسة ما لم ترافقها إجراءات عملية لمحاسبة المسؤولين عن التعذيب وتعزيز الرقابة المستقلة على أداء الأجهزة الأمنية والقضائية.

تصدر المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب بصورة دورية تقارير ومؤشرات ترصد أوضاع التعذيب وسوء المعاملة في مختلف دول العالم، اعتماداً على المعلومات الواردة من منظمات حقوقية وخبراء وشبكات الرصد الدولية. ويهدف مؤشر التعذيب العالمي إلى تقييم البيئة القانونية والمؤسسية التي تسمح بوقوع التعذيب أو تحد من انتشاره، مع قياس مدى التزام الدول بالاتفاقيات الدولية وآليات المساءلة والرقابة. ويكتسب التقرير أهمية خاصة لأنه يركز على العوامل التي تؤدي إلى استمرار الانتهاكات، مثل غياب استقلال القضاء، وضعف الرقابة على أماكن الاحتجاز، والإفلات من العقاب، وليس فقط على عدد الحالات الموثقة، الأمر الذي يجعله مرجعاً لتقييم أوضاع حقوق الإنسان ورصد تطور السياسات والإصلاحات في الدول المشمولة بالتقرير.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print