منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الأقليات في إيران.. هوية محاصرة وحقوق ضائعة وانتقادات حقوقية

26 يونيو 2026
قوات أمنية إيرانية
قوات أمنية إيرانية

في أطراف إيران الممتدة من كردستان غرباً إلى بلوشستان جنوب شرقاً، مروراً بالأهواز العربية على ضفاف الخليج، تتقاطع شكاوى الأقليات العرقية والدينية عند نقطة واحدة وهي الشعور بالتهميش داخل دولة تُتهم منذ سنوات بتكريس سياسات تمييزية تمس الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية لملايين المواطنين غير الفرس.

ورغم أن الدستور الإيراني يعترف نظرياً ببعض الحقوق الثقافية والدينية، تقول منظمات حقوقية إن الواقع يكشف فجوة واسعة بين النصوص القانونية والممارسات الفعلية، حيث تواجه الأقليات قيوداً متراكمة في مجالات التعليم والعمل والتمثيل السياسي، إلى جانب حملات أمنية متكررة تطول ناشطين وصحفيين ومحتجين في المناطق ذات الأغلبية غير الفارسية.

وبينما تؤكد السلطات الإيرانية أن جميع المواطنين متساوون أمام القانون، يرى حقوقيون وباحثون أن السياسات المتبعة تجاه الأقليات أسهمت في تعميق مشاعر الإقصاء، وأثرت في الاستقرار الاجتماعي في عدد من الأقاليم الحدودية.

في المناطق الكردية والبلوشية والعربية، يواجه كثير من الأطفال صعوبة في تلقي التعليم بلغاتهم الأم، إذ تعتمد المدارس اللغة الفارسية بوصفها لغة أساسية وحيدة في معظم المراحل التعليمية، ورغم وجود مطالبات متكررة بالسماح بتدريس اللغات المحلية، لا تزال هذه المطالب تصطدم بقيود سياسية وأمنية.

أزمات تاريخية معقدة

في الأهواز، يشكو عرب إيرانيون من محدودية حضور اللغة العربية في المؤسسات التعليمية، رغم أن المنطقة تضم كثافة سكانية عربية كبيرة، أما في إقليم سيستان وبلوشستان، أحد أفقر الأقاليم الإيرانية، فتتجاوز الأزمة حدود اللغة إلى نقص المدارس والبنية التحتية وارتفاع معدلات التسرب من التعليم، خصوصاً بين الفتيات.

ورغم أن بعض مناطق الأقليات غنية بالموارد الطبيعية، كما هو الحال في إقليم الأهواز النفطي، يشير سكان محليون وناشطون إلى أن معدلات الفقر والبطالة تبقى مرتفعة مقارنة بمناطق أخرى.

وفي بلوشستان، يعتمد كثير من السكان على أعمال هامشية أو تجارة حدودية محفوفة بالمخاطر بسبب ضعف التنمية وندرة فرص العمل، وقد شهدت المنطقة مراراً مواجهات دامية بين قوات الأمن ومواطنين يعملون في نقل الوقود عبر الحدود، وهي مهنة يلجأ إليها كثيرون بسبب الفقر.

كما يشتكي ناشطون أكراد من تضييق اقتصادي يحد من فرص الاستثمار والتنمية في المناطق الكردية، إضافة إلى التمييز غير المعلن في بعض الوظائف الحكومية والمناصب الحساسة.

ورغم وجود نواب من الأقليات داخل البرلمان الإيراني، يرى معارضون أن المشاركة السياسية الفعلية تبقى محدودة، خصوصاً في ظل القيود المفروضة على الأحزاب والنشاط السياسي المستقل.

وتتهم منظمات حقوقية السلطات الإيرانية باستخدام تهم أمنية فضفاضة، مثل “تهديد الأمن القومي” أو “الانفصال”، ضد ناشطين من الأقليات، وهو ما يؤدي إلى اعتقالات ومحاكمات وأحكام مشددة في بعض الأحيان.

كما تواجه بعض الأقليات الدينية، مثل البهائيين والسنة في بعض المناطق، قيوداً تتعلق ببناء دور العبادة أو الوصول إلى مناصب معينة، وفق تقارير حقوقية دولية.

ورغم التباينات بين الأكراد والبلوش والعرب الأحوازيين وبقية الأقليات في إيران، فإن كثيرين يجمعون على مطلب أساسي يتمثل في المساواة الكاملة داخل الدولة، لكن تحقيق ذلك، يتطلب إصلاحات قانونية وسياسية أوسع، تشمل تعزيز الحقوق الثقافية، وتوسيع المشاركة السياسية، وضمان العدالة الاقتصادية والتنموية للمناطق المهمشة، بحسب حقوقيين.

في السنوات الأخيرة شهدت مناطق الأقليات احتجاجات متكررة على خلفيات اقتصادية وسياسية وحقوقية، قابلتها السلطات بإجراءات أمنية مشددة.

الموقف الحقوقي

تُعدّ أوضاع الأقليات في إيران واحدة من أبرز مؤشرات الأزمة الحقوقية الممتدة في البلاد؛ إذ تؤكد آليات الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية أن الأقليات العرقية والدينية، وبينها البهائيون والكُرد والبلوش والعرب الأهوازيون والمسيحيون المتحوّلون والسُنّة، تواجه أنماطاً متكررة من التمييز والاعتقال التعسفي والقيود على حرية الدين والمعتقد واللغة والمشاركة السياسية.

وأشار المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في إيران في مارس 2025 إلى استمرار أنماط مقلقة تمس الحق في الحياة والعدالة، في حين أكدت بعثة تقصي الحقائق الأممية أن الأقليات تضررت على نحو غير متناسب من القمع المرتبط بالاحتجاجات، ومنها الأطفال المنتمون إلى أقليات عرقية ودينية.

وترى منظمات مثل هيومن رايتس ووتش أن اضطهاد البهائيين بلغ مستوى “جريمة ضد الإنسانية”، في وقت تستمر فيه السلطات في استخدام اتهامات أمنية فضفاضة لتجريم النشاط السلمي والمطالب الثقافية والحقوقية، ما يجعل قضية الأقليات في إيران ليست شأناً داخلياً، بل ملف حاضر في أجندة القانون الدولي لحقوق الإنسان والمساءلة الأممية.

التمييز اللغوي والتعليمي

قالت الناشطة الأهوازية شيماء سيلاوي إن التمييز الممنهج ضد الأقليات في إيران يبدأ منذ لحظة الولادة، ويؤثر بصورة مباشرة في الفرص التعليمية والاقتصادية للأفراد.

وأوضحت سيلاوي، في حديثها لـ”صفر”، أن “هذا النهج التمييزي يبدأ منذ اللحظة الأولى، إذ يُمنع كثيرون من تسمية أطفالهم بأسماء عربية أو تركية أو كردية، وكأن على الفرد منذ ولادته أن يدرك أنه ينتمي إلى أقلية مختلفة”.

وأضافت أن أخطر جوانب التمييز ترتبط بالتعليم والاقتصاد، مشيرة إلى أن أكثر من نصف المجتمع الإيراني لا تُعد الفارسية لغته الأم، ومع ذلك يُجبر الجميع على الدراسة بها، ما يؤدي إلى انتشار ظاهرة التسرب من التعليم.

واستطردت: “في مناطق عرب الأهواز، على سبيل المثال، يترك كثير من الطلاب الدراسة بسبب صعوبة التعلم باللغة الفارسية، وينطبق الأمر نفسه على مناطق الأكراد والترك والبلوش وغيرهم، موضحة أن الطفل يعيش سنواته الأولى داخل بيئة تتحدث العربية أو الكردية أو التركية، ثم يدخل المدرسة ليُفاجأ بأن عليه التعلم بلغة مختلفة تماماً، ما ينعكس على مستواه الدراسي ويؤدي في كثير من الأحيان إلى الفشل أو الانقطاع عن التعليم.

وأشارت إلى وجود ما وصفته بـ”التمييز الثقافي داخل المؤسسات التعليمية”، مضيفة أن بعض المعلمين الناطقين بالفارسية يتعاملون بازدراء مع الطلاب الذين لا يتحدثون الفارسية بوصفها لغة أماً، ويُنظر إلى لهجاتهم وثقافتهم بنوع من التحقير.

وأكدت سيلاوي أن حرمان الأقليات من التعليم بلغاتها الأم ينعكس أيضاً على فرصها الاقتصادية، موضحة أن التمييز لا يتوقف عند التعليم، بل يمتد إلى سوق العمل، حيث يُسأل المتقدم أحياناً عن دينه أو انتمائه الإثني، سواء كان عربياً أو كردياً أو غير ذلك، وعلى أساس الإجابة قد تُحدد فرص حصوله على وظيفة.

إقصاء وتهميش وقمع

وعن تفاعل المجتمع الدولي مع قضايا الأقليات في إيران، قالت سيلاوي إن واقع الأقليات شديد القسوة في ظل غياب الاهتمام الدولي الكافي، معتبرة أن المجتمع الدولي يتعامل مع إيران باعتبارها دولة فارسية موحدة، رغم أن تاريخها الحديث يحمل الكثير من قصص اضطهاد الأقليات.

وأضافت أن “هناك تعقيدات تتعلق بكون الأقليات تمثل نسبة كبيرة من السكان، لكنها لا تحظى بتمثيل يعكس وجودها الحقيقي داخل الجغرافيا السياسية الإيرانية، وهو ما يفاقم معدلات التمييز والتهميش”.

وفي حديثها عن عرب الأهواز قالت سيلاوي إن الكثيرين حول العالم يعرفون ما يحدث في فلسطين، لكنهم لا يعرفون شيئاً تقريباً عن الأهواز، مضيفة: “نحن نعد قضية الأهواز قضية عربية منسية، إذ تعود السيطرة الإيرانية على الإقليم إلى عام 1925، في حين لا يكاد العالم يلتفت إلى ما يواجهه سكانه من تهميش وقمع”.

وأشارت إلى أن “الأهواز كانت تتمتع بوضع شبه مستقل، وهناك وثائق ومراسلات تاريخية تؤكد ذلك”، معتبرة أن الصمت الدولي أسهم في ترسيخ هذا الواقع، وفي فقدان منطقة عربية غنية بالموارد الطبيعية.

وأضافت أن ضعف الوعي الدولي بطبيعة إيران بوصفها دولة متعددة القوميات وليست دولة فارسية خالصة يؤدي إلى تفاقم التمييز والاستغلال الاجتماعي بحق الأقليات، مشددة على أن المجتمع الدولي لا يمنح قضايا الأقليات في إيران الاهتمام الكافي، حيث تتراجع هذه الملفات خلال فترات التوتر والحروب رغم استمرار الاعتقالات والإعدامات بحق ناشطين وسجناء سياسيين من الأقليات.

وفي ختام حديثها أكدت سيلاوي أن الأقليات ستواصل الدفاع السلمي عن حقوقها وهويتها، مضيفة: “سنستمر في تأكيد أن إيران ليست دولة ذات هوية قومية واحدة، وأن قمع الأهواز وبقية الأقليات لن يوقف نضالنا من أجل استعادة حقوقنا وحقوق مناطقنا الغنية بالموارد”.

تهميش وإقصاء ممنهج

بدورها، قالت الناشطة الإيرانية هيفاء سارا الأسدي، في حديثها لـ”صفر”، إن واقع الأقليات العرقية والدينية في إيران يعكس أزمة بنيوية عميقة في طبيعة الدولة نفسها، موضحة أن النظام الإيراني يقدم نفسه بوصفه دولة موحدة تقوم على هوية قومية ودينية واحدة، متجاهلاً التنوع الحقيقي داخل المجتمع الإيراني الذي يضم الأكراد والبلوش والترك والعرب الأهوازيين وغيرهم.

وأضافت الأسدي أن هذه المكونات تواجه منذ عقود تهميشاً ممنهجاً في مجالات التعليم والعمل والتمثيل السياسي والتنمية الاقتصادية، مشيرة إلى أن المناطق التي تسكنها هذه الأقليات تعاني من ارتفاع معدلات الفقر والبطالة مقارنة بالمركز، إضافة إلى ضعف الاستثمار في البنية التحتية والخدمات، إضافة إلى وجود قيود على استخدام اللغات الأم في التعليم والثقافة، ما يخلق شعوراً دائماً بالإقصاء وفقدان الانتماء.

وأكدت أن استمرار هذا الواقع يدفع شريحة واسعة من المواطنين إلى الشعور بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية، وهو ما ينعكس مباشرة على الاستقرار الاجتماعي، ويزيد من التوتر والاحتقان الداخلي.

وفيما يتعلق بالعرب الأهوازيين تحديداً، قالت الأسدي إن “القضية لا تقتصر على التهميش السياسي أو الاقتصادي، بل تمتد إلى وجود خطاب عنصري متجذر تجاه الهوية العربية نفسها”، مضيفة أن المواطن العربي في إيران يتعرض لما يمكن وصفه بالتمييز المزدوج، مرة بسبب انتمائه إلى أقلية غير فارسية، ومرة بسبب الصور النمطية والخطاب القومي المعادي للعرب داخل بعض الأوساط الإيرانية.

أما المرأة الأهوازية فتواجه -بحسب الأسدي- تمييزاً ثلاثياً، بوصفها امرأة تخضع لقيود اجتماعية وقانونية عامة، وبوصفها عربية تنتمي إلى أقلية مهمشة، وبوصفها إنسانة تعيش غالباً في مناطق تعاني من الفقر والإهمال التنموي، موضحة أن “هذا الواقع يجعل فرصها في التعليم والعمل والتمثيل العام أضعف بكثير، ويزيد من تعرضها للتهميش الاجتماعي والاقتصادي”.

ورأت الأسدي أن “استمرار التمييز لا يؤدي فقط إلى تصاعد الغضب الشعبي، بل يفتح أيضاً المجال أمام التطرف والعنف، ويعمق فجوة انعدام الثقة بين المجتمع والدولة”، مشددة على أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق عبر المقاربة الأمنية والقمع، وإنما من خلال العدالة والمساواة والاعتراف بالتعددية.

الجهود الدولية المطلوبة

وفيما يتعلق بدور المجتمع الدولي، أكدت الأسدي أن الدعم المطلوب يجب أن يتم عبر عدة مستويات، أولها توثيق الانتهاكات بشكل مستمر، وعدم السماح بتحويل معاناة هذه الشعوب إلى قضية هامشية أو منسية، مشددة على أهمية دور الإعلام الحر ومنظمات حقوق الإنسان في هذا السياق.

كما دعت إلى “الضغط على إيران للالتزام بالاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان وحقوق الأقليات، وتوفير الدعم للناشطين والصحفيين والمدافعين عن الحقوق المدنية”، مشيرة إلى أن الكثير منهم يتعرضون للاعتقال والتهديد والقمع فقط بسبب مطالبتهم بالمساواة.

وفي الوقت ذاته، شددت على ضرورة أن يكون الخطاب الدولي “حذراً ومتوازناً”، حتى لا يستخدمه النظام الإيراني ذريعة لتخوين النشطاء واتهامهم بالعمالة للخارج، مؤكدة أن هذا الأمر يحدث باستمرار ويشكل خطراً حقيقياً على النشطاء داخل إيران.

وعن أسباب استمرار القمع بحق الأقليات، قالت الأسدي إن ذلك “يرتبط بخوف النظام من أي هوية مستقلة خارج الإطار الرسمي الذي يسعى إلى فرضه”، معتبرة أن السلطات تنظر إلى التنوع القومي والثقافي بوصفه تهديداً سياسياً وأمنياً، وليس باعتباره جزءاً طبيعياً من المجتمع الإيراني.

وأضافت أن “المناطق التي تسكنها الأقليات غالباً ما تكون غنية بالموارد الطبيعية أو تقع في مناطق حدودية حساسة، موضحة أن الأهواز، على سبيل المثال، غنية بالنفط، كما أن بلوشستان تضم موارد استراتيجية وتقع قرب الحدود، ولذلك تتعامل السلطات مع هذه المناطق بعقلية أمنية وعسكرية أكثر من تعاملها معها بوصفها مجتمعات تحتاج إلى التنمية والحقوق المتساوية.

وفي ختام حديثها أكدت الأسدي أنه “لا يمكن بناء مجتمع مستقر ومتوازن ما دام جزء من المواطنين يشعر بأنه محروم من حقوقه الأساسية وهويته الثقافية”، مشددة على أن الاعتراف بالتنوع واحترام الحقوق المتساوية لا يشكلان تهديداً للدولة، بل يمثلان أساس أي استقرار حقيقي ومستدام.

 

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print