منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

فيلم يوثق نضال الإيرانيين من أجل الحرية بمهرجان كان.. والمخرجة تهديه لأمهات الضحايا

17 مايو 2026
الممثلة والمخرجة الإيرانية بيكاه آهنكراني
الممثلة والمخرجة الإيرانية بيكاه آهنكراني

عرضت الممثلة والمخرجة الإيرانية بيكاه آهنكراني فيلمها الوثائقي الجديد “تمرينات من أجل ثورة” ضمن قسم العروض الخاصة في مهرجان كان السينمائي، في مشاركة حملت بعداً فنياً وحقوقياً واضحاً، إذ أهدت العمل إلى الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن في مسار النضال من أجل الحرية في إيران.

وظهرت آهنكراني على المسرح قبل بدء العرض برفقة فريق العمل، مؤكدة أن الفيلم محاولة لنقل جانب من نضال الإيرانيين من أجل الحرية والديمقراطية إلى جمهور دولي، في وقت تمر فيه إيران، بحسب تعبيرها، بـ“أيام قاسية وثقيلة” تتداخل فيها القيود الأمنية وقطع الإنترنت وتزايد أخبار الإعدامات ومخاوف الحرب.

يأتي الفيلم بوصفه عملاً وثائقياً يستعيد جانباً من التاريخ السياسي والاجتماعي الإيراني، عبر مزج الذاكرة الشخصية بالجماعية، ووفق تعريفات إنتاجية منشورة عن الفيلم، يعتمد “تمرينات من أجل ثورة” على أرشيفات شخصية، ومقاطع منزلية، ولقطات من احتجاجات الشارع، وصحف، وأصوات مسجلة، في محاولة لتتبع أكثر من أربعة عقود من تاريخ إيران، من بدايات عام 1979 حتى اللحظة الراهنة.

وتدور بنية الفيلم حول بورتريهات وشهادات تعكس أشكالاً مختلفة من المقاومة، حيث توظف آهنكراني تجربتها الشخصية والفنية لقراءة علاقة الإيرانيين بالقمع السياسي والأمل المتجدد في التغيير، وقد اختير الفيلم للعرض العالمي الأول في قسم العرض الخاص بمهرجان كان، بحسب ما نشرته جهات إنتاجية مرتبطة بالعمل.

إهداء للأمهات الثكالى

في كلمتها قبل العرض، قدمت بيكاه آهنكراني الفيلم إلى الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن خلال مسار الاحتجاجات والنضال من أجل الحرية، وجاء هذا الإهداء محملاً بدلالة سياسية وإنسانية، إذ تحضر “أمهات الضحايا” في الذاكرة الحقوقية الإيرانية بوصفهن إحدى أبرز صور الصمود والمطالبة بالحقيقة والمساءلة.

وقالت آهنكراني إنها سعيدة بقدرتها، عبر هذا العمل، على عرض جزء من نضال الإيرانيين من أجل الحرية والديمقراطية، مشيرة إلى أن المجتمع الإيراني ما زال يقاوم رغم القمع والضغوط.

واعتبرت أن استمرار هذا الصمود دليل على أن الوضع القائم لن يستمر إلى الأبد، وأن الإيرانيين سيصلون في النهاية إلى الحرية التي ينشدونها.

تزامن عرض الفيلم مع مرحلة شديدة التوتر داخل إيران، حيث تحدثت آهنكراني عن قطع واسع للإنترنت، وتصاعد الضغوط الأمنية، وتوالي أخبار الإعدامات، إلى جانب أجواء الحرب والتهديدات التي تخيم على الحياة العامة.

ولا ينفصل هذا السياق عن المسار الذي بدأ بعد احتجاجات 2022، عقب وفاة مهسا أميني، والتي تحولت إلى واحدة من أوسع موجات الاحتجاج في إيران خلال العقود الأخيرة تحت شعار “المرأة، الحياة، الحرية”.

ومنذ ذلك الحين، بات الفنانون الإيرانيون في الداخل والخارج يستخدمون منصات السينما والمهرجانات الدولية للحديث عن القمع وحقوق النساء وحرية التعبير والانتهاكات بحق المحتجين.

المهرجان منبر حقوقي

لا تمثل مشاركة السينمائيين الإيرانيين في مهرجان كان حدثاً فنياً بحتاً، إذ غالباً ما تتحول إلى مساحة دولية لطرح قضايا سياسية وحقوقية مرتبطة بإيران، فالمهرجان، بما يملكه من حضور إعلامي عالمي، يتيح للأفلام الإيرانية المستقلة فرصة لتجاوز الرقابة والحدود المفروضة على النقاش العام داخل البلاد.

وفي هذا الإطار، يندرج عرض “تمرينات من أجل ثورة” ضمن موجة أوسع من الأعمال الإيرانية التي لا تكتفي بتقديم حكايات شخصية، بل تربط الذاكرة الفردية بتاريخ القمع والمقاومة، وبذلك يصبح الفيلم شهادة فنية على بلد يعيش بين العنف السياسي والرغبة المستمرة في التغيير.

تحمل تجربة آهنكراني أهمية إضافية لأنها تأتي من فنانة عُرفت بحضورها في السينما الإيرانية وبمواقفها المرتبطة بالحريات، ومن خلال هذا الفيلم، تنتقل من موقع الشاهدة إلى موقع المخرجة التي تعيد ترتيب الذاكرة، وتضع الأصوات الفردية في إطار أوسع من تاريخ سياسي طويل.

ويعيد العمل طرح سؤال العلاقة بين الفن والاحتجاج: هل يمكن للسينما أن تحفظ الذاكرة عندما تسعى السلطة إلى محوها؟ وهل تستطيع الصور الشخصية والأرشيف العائلي ولقطات الشارع أن تتحول إلى وثيقة سياسية؟ في حالة “تمرينات من أجل ثورة”، يبدو أن الجواب يأتي من عنوان الفيلم نفسه؛ فالثورة هنا ليست لحظة واحدة، بل تمرين طويل على الذاكرة والمقاومة وعدم الاستسلام.

عرض فيلم “تمرينات من أجل ثورة” في مهرجان كان يضع السينما الإيرانية مجدداً في قلب النقاش الحقوقي الدولي، فالفيلم لا يكتفي بتوثيق الوجع الإيراني، بل يمنح مساحة لأصوات من دفعوا ثمن المطالبة بالحرية، خصوصاً الأمهات اللواتي تحولت خسارتهن إلى شكل من أشكال المقاومة.