شهدت إيران خلال عامي 2025 و2026 واحدة من أكثر المراحل الحقوقية قتامة منذ عقود، مع تصاعد غير مسبوق في الاعتقالات التعسفية الجماعية والإعدامات السياسية والمحاكمات المعجلة وحملات الرقابة الرقمية الواسعة، وسط اتهامات متزايدة للسلطات باستخدام التوترات الأمنية والحرب الإقليمية غطاءً لتشديد القبضة الأمنية وإسكات أي معارضة داخلية، وفي ظل تدهور أوضاع الحريات العامة واستمرار الإعدامات بوتيرة قياسية، تحذر الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان من أن البلاد تتجه نحو مرحلة أكثر قمعاً، تهدد الحقوق الأساسية لملايين الإيرانيين.
داخل هذا المشهد المضطرب، تحولت حياة آلاف العائلات الإيرانية إلى حالة دائمة من الخوف والترقب، مع استمرار حملات الاعتقال والمداهمات والاختفاء القسري. وتقول منظمة العفو الدولية إن السلطات الإيرانية كثفت منذ مطلع 2026 ملاحقة الصحفيين والمحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء السياسيين وأفراد الأقليات الإثنية والدينية، في حين تواجه أسر المعتقلين صعوبات في معرفة أماكن احتجاز ذويهم أو أوضاعهم الصحية والقانونية.
أرقام قياسية في الإعدامات
أكدت منظمة العفو الدولية في تقريرها السنوي الصادر في مايو 2026 أن إيران سجلت أعلى عدد من الإعدامات في العالم خلال عام 2025، بعدما نفذت السلطات ما لا يقل عن 2159 عملية إعدام، مقارنة بـ972 إعداماً خلال عام 2024 وأكثر من 850 إعداماً في عام 2023، واعتبرت المنظمة أن إيران أصبحت المسهم الأكبر عالمياً في الارتفاع الحاد للإعدامات، مشيرة إلى أن السلطات الإيرانية تستخدم عقوبة الإعدام بصورة متزايدة لترهيب المجتمع وإخماد المعارضة السياسية.
وأوضحت منظمة العفو الدولية أن الإعدامات شملت معارضين سياسيين ومتظاهرين وأشخاصاً أدينوا بتهم مرتبطة بالأمن القومي والتجسس والتعاون مع “دول معادية”، إضافة إلى متهمين في قضايا مخدرات وأفراد من الأقليات الإثنية، خصوصاً البلوش والأكراد وعرب الأهواز، كما أكدت المنظمة أن العديد من هذه الأحكام صدرت بعد محاكمات بالغة الجور اعتمدت على اعترافات انتزعت تحت التعذيب.
تصاعد الاعتقالات الجماعية
وكشفت منظمة العفو الدولية أن السلطات الإيرانية اعتقلت أكثر من 6500 شخص منذ 28 فبراير 2026، بينهم صحفيون ومحامون ونشطاء حقوقيون وطلاب وأساتذة جامعات ومتظاهرون وأفراد من الأقليات الدينية والإثنية، وأشارت المنظمة إلى أن حملة الاعتقالات تركزت في محافظات طهران وخوزستان وسيستان وبلوشستان وكردستان وأذربيجان الغربية وأصفهان وفارس.
وأكدت منظمة “هنگاو” الكردية لحقوق الإنسان أن الأجهزة الأمنية الإيرانية كثفت خلال الأشهر الأخيرة حملات الاعتقال ضد الناشطين الأكراد، في حين أفادت منظمة “حال وش” الحقوقية المعنية بحقوق البلوش بارتفاع كبير في الاعتقالات والإعدامات داخل محافظة سيستان وبلوشستان، معتبرة أن أبناء الأقليات يواجهون “استهدافاً مضاعفاً” في ظل الظروف الأمنية الحالية.
تحويل الفضاء الرقمي إلى ساحة قمع
شكّل حجب الإنترنت أحد أكثر أدوات القمع تأثيراً خلال 2026. فقد أكدت منظمة العفو الدولية أن السلطات الإيرانية فرضت انقطاعاً واسعاً للإنترنت استمر 88 يوماً، وهو الأطول في تاريخ البلاد، ما أدى إلى عزل أكثر من 90 مليون نسمة عن العالم الخارجي.
وأوضحت منظمة “أكسس ناو” المعنية بالحقوق الرقمية أن إيران أصبحت واحدة من أكثر الدول ممارسة لقطع الإنترنت في العالم، مشيرة إلى أن السلطات استخدمت الحجب الرقمي لمنع توثيق الانتهاكات وعرقلة التواصل بين المحتجين والصحفيين والمنظمات الحقوقية.
كما نقلت صحيفة “الغارديان” البريطانية عن خبراء اقتصاديين إيرانيين أن انقطاع الإنترنت تسبب في خسائر اقتصادية ضخمة طالت التجارة الإلكترونية والأعمال الصغيرة والعاملين في الاقتصاد الرقمي، في وقت يعتمد فيه ملايين الإيرانيين على الإنترنت بوصفه مصدراً أساسياً للدخل.
محاكمات معجلة واعترافات قسرية
تقول منظمة العفو الدولية إن السلطات الإيرانية كثفت استخدام المحاكم الثورية لإصدار أحكام سريعة في القضايا السياسية، وسط غياب الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، وأشارت المنظمة إلى أن رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي دعا مراراً إلى التعامل الحاسم مع المتهمين في القضايا المرتبطة بالأمن القومي.
كما وثقت المنظمة استخدام الاعترافات القسرية في وسائل الإعلام الرسمية قبل انتهاء المحاكمات، إلى جانب تعرض معتقلين للتعذيب والحبس الانفرادي المطول والاختفاء القسري. ومن بين الحالات التي أثارت اهتماماً دولياً، قضية المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان نسرين ستوده التي اختفت لأسابيع بعد اعتقالها في أبريل 2026 قبل الإفراج عنها لاحقاً بكفالة.
وتشير المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادقت عليه إيران إلى حق كل فرد في محاكمة عادلة وعلنية أمام محكمة مستقلة ومحايدة، في حين تحظر المادة السابعة التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
الأقليات في دائرة الاستهداف
أكدت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية أن الأقليات الإثنية والدينية في إيران تواجه مستويات مرتفعة من القمع مقارنة ببقية السكان، ووفق منظمة “حال وش”، فإن محافظة سيستان وبلوشستان سجلت خلال 2025 و2026 أعلى معدلات الإعدامات في البلاد نسبة إلى عدد السكان.
كما أفادت منظمة “هنگاو” بأن عشرات النشطاء الأكراد اعتقلوا أو صدرت بحقهم أحكام قاسية بالسجن والإعدام خلال الأشهر الماضية. وتشير منظمات حقوقية إلى أن السلطات الإيرانية تستخدم اتهامات مثل “محاربة الله” و”الإفساد في الأرض” و”التجسس” لاستهداف أفراد الأقليات والمعارضين السياسيين.
أما الأقلية البهائية، فقد أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش استمرار تعرضها للملاحقة والتمييز والحرمان من التعليم والعمل، في حين تواجه الأقليات المسيحية المتحولة من الإسلام ضغوطاً أمنية وقضائية متزايدة.
أزمة الإفلات من العقاب
يرى خبراء حقوقيون أن واحدة من أخطر المشكلات المرتبطة بالوضع الإيراني تتمثل في استمرار الإفلات من العقاب، فمنذ احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” عام 2022، لم تُجرِ السلطات أي تحقيقات مستقلة بشأن مقتل المحتجين أو مزاعم التعذيب والانتهاكات داخل السجون.
وأكدت بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق بشأن إيران أن السلطات الإيرانية ارتكبت انتهاكات جسيمة ومنهجية خلال قمع الاحتجاجات، بينها القتل خارج نطاق القانون والتعذيب والعنف الجنسي والاختفاء القسري، كما دعت البعثة المجتمع الدولي إلى ضمان المساءلة وعدم السماح بإفلات المسؤولين عن الانتهاكات من العقاب.
المجتمع المدني تحت الضغط
تسببت حملات القمع المتواصلة في إضعاف المجتمع المدني الإيراني بصورة كبيرة، فقد أكد مركز حقوق الإنسان في إيران أن عشرات الصحفيين والمحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان غادروا البلاد خلال العامين الماضيين بسبب الملاحقات الأمنية.
كما أدى تصاعد الرقابة والخوف من الاعتقال إلى توسع ظاهرة الرقابة الذاتية داخل المجتمع الإيراني، حيث بات كثير من المواطنين يتجنبون التعبير عن آرائهم السياسية أو انتقاد السلطات عبر الإنترنت أو في الأماكن العامة.
ويرى خبراء أن استمرار هذا الوضع يهدد بتقويض المجال العام في إيران بصورة غير مسبوقة، خصوصاً مع تزايد استخدام التكنولوجيا الرقمية وأدوات المراقبة لتتبع المعارضين والنشطاء.
مواقف أممية ودعوات للمحاسبة
دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك السلطات الإيرانية إلى وقف الإعدامات والإفراج عن المعتقلين تعسفياً واحترام الحق في حرية التعبير والتجمع السلمي. كما طالب المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في إيران بإجراء تحقيقات مستقلة بشأن مزاعم التعذيب والاختفاء القسري.
من جهتها، شددت منظمة العفو الدولية على أن ظروف الحرب لا تبرر انتهاك الحقوق الأساسية أو استخدام القضاء أداة للقمع السياسي، داعية مجلس الأمن الدولي إلى النظر في آليات دولية للمساءلة، ومنها إحالة الوضع في إيران إلى المحكمة الجنائية الدولية.
جذور الأزمة الحقوقية
تعود جذور الأزمة الحقوقية الحالية في إيران إلى عقود من القيود المفروضة على الحريات السياسية والمدنية، إلا أن احتجاجات 2022 مثلت نقطة تحول كبرى في مسار التصعيد الأمني، فمنذ وفاة الشابة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى “شرطة الأخلاق”، دخلت البلاد مرحلة جديدة من الاحتجاجات والقمع المتبادل.
وخلال السنوات التالية، وثقت الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان تصاعداً مستمراً في الإعدامات السياسية والاعتقالات الجماعية وتقييد الإنترنت واستهداف الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وسط اتهامات للسلطات الإيرانية باستخدام الأجهزة القضائية والأمنية لترسيخ سياسة الردع والخوف.
وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية والتصعيد العسكري، تحذر منظمات حقوقية من أن عام 2026 قد يشهد مزيداً من التدهور في أوضاع حقوق الإنسان داخل إيران، خصوصاً مع استمرار المحاكمات المعجلة واتساع استخدام عقوبة الإعدام وتضييق المجال المدني، في حين تواجه البلاد ضغوطاً دولية متزايدة بسبب سجلها الحقوقي المتفاقم.

