شرعت الحكومة الجزائرية في 23 يوليو الماضي في دراسة مشروع إنشاء جهاز وطني للرصد والتحقق من الأخبار، بهدف حماية نزاهة المعلومات وتعزيز ثقة الجمهور في البيئة الإعلامية الرقمية، في إطار مواجهة انتشار المعلومات المضللة عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وجاءت الخطوة في وقت أصبحت فيه الشبكات الاجتماعية جزءًا أساسيًا من المجال العام الجزائري، بعدما تجاوز عدد مستخدمي الإنترنت 37.8 مليون شخص في نهاية 2025، بينما بلغ عدد هويات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي 27.5 مليون، وفق أحدث بيانات “داتا ريبورتال”.
فضاء رقمي واسع
أظهرت بيانات “داتا ريبورتال” أن نسبة انتشار الإنترنت في الجزائر وصلت إلى 79.5% في نهاية 2025، مقارنة بـ76.9% في بداية العام نفسه، بينما بلغ عدد الاتصالات الخلوية النشطة 55.6 مليون اتصال، بما يعادل 117% من عدد السكان، وأوضحت البيانات أن هذه الأرقام لا تعني أن كل اتصال يمثل مستخدمًا فريدًا، لكنها تكشف حجم التحول الذي جعل الهاتف والإنترنت ومنصات التواصل أدوات يومية للأخبار والتعبير والتفاعل الاجتماعي والاقتصادي. ويعني هذا الاتساع أن أي تنظيم للفضاء الافتراضي سيمس مجالًا عامًا واسعًا يتجاوز وسائل الإعلام التقليدية.
وأوضح التقرير الرقمي أن عدد مستخدمي الإنترنت ارتفع بنحو 1.6 مليون مستخدم بين بداية 2025 ونهايته، بينما ارتفع عدد هويات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي إلى 27.5 مليون. وتكشف هذه المؤشرات أن المنصات لم تعد مساحة هامشية يمكن التعامل معها باعتبارها امتدادًا ترفيهيًا للإنترنت، بل أصبحت قناة رئيسية للوصول إلى الأخبار وتبادل المعلومات والتعبير عن المواقف السياسية والاجتماعية، وهو ما يفسر توجه الحكومة إلى بناء آليات مؤسساتية لمواجهة التضليل الرقمي، لكنه يجعل في الوقت نفسه قواعد الضبط ومساحات الطعن والرقابة على قراراتها عناصر حاسمة في تقييم أي منظومة جديدة.
خطوة حكومية جديدة
أكدت مصالح الوزير الأول أن اجتماع الحكومة في 23 يوليو 2026 درس مشروع إنشاء جهاز وطني في الجزائر للرصد والتحقق من الأخبار، وقالت إن الهدف يتمثل في حماية سلامة المعلومات وتعزيز الثقة العامة في النظام الإعلامي الرقمي ومواجهة ظاهرة التضليل عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
وقالت وكالة الأنباء الجزائرية والإذاعة الجزائرية إن الإجراء يأتي في سياق مواجهة الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة التي تنتشر عبر المنصات، بينما أوضحت تغطيات إعلامية جزائرية أن طبيعة الجهاز وآليات عمله لم تُكشف بصورة كاملة بعد، ويضع ذلك السلطات أمام تحدي صياغة قواعد واضحة تحدد الفرق بين الخبر الكاذب والخطأ الصحفي والرأي والتعليق السياسي.
الأمن السيبراني
أعلنت وزارة الدفاع الوطني في مارس 2026 نشر الاستراتيجية الوطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية للفترة 2025 ـ2029، بوصفها أول نسخة من استراتيجية وطنية شاملة في هذا المجال، بعد المصادقة عليها من رئيس الجمهورية، وقالت الوزارة إن الاستراتيجية تستهدف ضمان المرونة السيبرانية الوطنية، وحماية البنية التحتية الرقمية للدولة وبياناتها، وحماية المواطنين من التهديدات السيبرانية، إلى جانب ضمان استمرارية الخدمات العمومية وتعزيز الثقة في البيئة الرقمية.
وأوضحت وزارة الدفاع الوطني أن الاستراتيجية تأتي بالتوازي مع تسريع التحول الرقمي في مؤسسات الدولة، وهو ما يجعل حماية الأنظمة والبيانات جزءًا أساسيًا من الأمن الوطني والاقتصادي، وتزامن ذلك مع نشاط توعوي استهدف الأطفال المتمدرسين في أبريل 2025، بمشاركة عدة وزارات وهيئات وطنية، للتعريف بمخاطر الفضاء السيبراني.
ويكشف هذا المسار الرسمي أن مفهوم الأمن الرقمي في الجزائر لا يقتصر على مكافحة الجريمة الإلكترونية، وإنما يتسع ليشمل حماية البنية التحتية والبيانات والمواطنين والقدرة على استمرار الخدمات العامة.
قوانين قائمة
أقرت الجزائر منذ عام 2009 قانونًا خاصًا للوقاية من الجرائم المرتبطة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال ومكافحتها، وهو القانون رقم 09-04 المؤرخ في 5 أغسطس 2009، كما أصدرت قانونًا لحماية الأشخاص الطبيعيين في مجال معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي عام 2018، وعدلته بالقانون رقم 25-11 الصادر في يوليو 2025، وأنشأت سلطة وطنية مختصة بحماية البيانات الشخصية بموجب نصوص لاحقة.
وتوفر هذه المنظومة أساسًا قانونيًا لمعالجة الجرائم الرقمية وحماية الخصوصية، لكنها تعمل اليوم داخل بيئة تقنية تغيرت بصورة كبيرة منذ إقرار قانون الجرائم الإلكترونية الأول.
وقالت وزارة البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية إن سياسة حماية البيانات الشخصية تستند إلى القانون رقم 18-07 المعدل بالقانون 25-11، وتؤكد احترام الخصوصية وتأمين البيانات عند التعامل مع الخدمات الحكومية، ويكتسب هذا الإطار أهمية خاصة مع توسع الخدمات الرقمية، لأن تنظيم المحتوى ومكافحة الجرائم الإلكترونية يتطلبان جمع ومعالجة كميات متزايدة من البيانات، ما يضع حماية الخصوصية في صلب معادلة الأمن الرقمي وليس في هامشها.
حرية التعبير تحت الضغط
وثّقت منظمة العفو الدولية استمرار التضييق على حرية التعبير في الجزائر خلال 2025، وقالت إن السلطات استخدمت أحكامًا قانونية واسعة لاعتقال وملاحقة ناشطين وصحفيين ومستخدمين لوسائل التواصل الاجتماعي.
وأشارت المنظمة إلى أن حركة “مانيش راضي” التي ظهرت عبر الإنترنت في ديسمبر 2024، وعبّرت عن الاستياء من الظروف الاجتماعية والاقتصادية والقيود على الحقوق، تبعتها موجة من الاعتقالات، وقالت إن السلطات اعتقلت وأدانت ما لا يقل عن 23 ناشطًا وصحفيًا خلال خمسة أشهر على خلفية مرتبطة بالحركة.
وأضافت منظمة العفو الدولية أنها وثقت تسع حالات لناشطين وصحفيين استُهدفوا بسبب تعبيرهم عبر الإنترنت، وأوضحت أن سبعة منهم أُدينوا بأحكام بالسجن تراوحت بين 18 شهرًا وخمس سنوات، بينما خضع خمسة لإجراءات قضائية استعجالية قالت المنظمة إنها لم توفر وقتًا كافيًا لإعداد الدفاع. وذكرت المنظمة أن الشاعر والناشط محمد تجاديت حُكم عليه في يناير 2025 بالسجن خمس سنوات وغرامة قدرها 500 ألف دينار على خلفية منشورات واتصالات رقمية ذات مضمون سياسي. وفي أبريل 2026 قالت المنظمة إنه ظل محتجزًا منذ يناير 2025، وإنه يواجه مع 12 ناشطًا آخرين اتهامات أمن دولة قد تصل عقوباتها إلى السجن الطويل والإعدام.
الحراك والفضاء الافتراضي
ربطت منظمة العفو الدولية التحولات الحالية بجذور تعود إلى حركة الحراك التي بدأت في فبراير 2019، وقالت إن السلطات استخدمت منذ ذلك الوقت إجراءات قضائية وأمنية ضد مئات النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين بسبب ممارسة حقوقهم في التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات، بما في ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وتُظهر هذه الخلفية أن النقاش حول تنظيم الإنترنت في الجزائر لا يبدأ من مشروع يوليو 2026، بل يأتي بعد سنوات أصبح فيها الفضاء الرقمي أحد أهم مساحات النشاط المدني والتعبير السياسي.
وأكدت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها العالمي لعام 2026 أن السلطات الجزائرية واصلت خلال 2025 قمع المعارضة وتجريم التعبير السلمي، بما في ذلك التعبير عبر الإنترنت، وأشارت المنظمة إلى اعتقال عشرات الأشخاص على خلفية استخدام هاشتاغ “مانيش راضي”، وذكرت أن محكمة الرويبة حكمت في يناير 2025 على محمد تجاديت بالسجن خمس سنوات وغرامة قدرها 500 ألف دينار بتهم تضمنت نشر منشورات قالت السلطات إنها تضر بالمصلحة الوطنية والتحريض على تجمع غير مسلح وإهانة هيئة نظامية.
الإعلام أمام اختبار آخر
تراجعت الجزائر إلى المرتبة الـ145 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026، بحسب منظمة مراسلون بلا حدود، مقارنة بالمرتبة 126 في مؤشر 2025، بينما انخفضت درجتها من 44.64 إلى 37.38.
وقالت المنظمة إن المشهد الإعلامي الجزائري يعاني ضغوطًا متزايدة، وإن صحفيين يتعرضون للملاحقة والسجن، مع استمرار حجب عدد من المواقع الإلكترونية. وتقدم هذه المؤشرات سياقًا مهمًا عند مناقشة إنشاء جهاز جديد لمراقبة المعلومات الرقمية، لأن البيئة الإعلامية القائمة تشكل جزءًا من طريقة تطبيق أي قواعد مستقبلية على الصحافة والمنصات.
وأشارت منظمة فريدوم هاوس في تقرير “الحرية في العالم 2026” إلى أن الجزائر حصلت على 31 نقطة من أصل 100، مع تسجيل 10 نقاط من 40 في الحقوق السياسية و21 من 60 في الحريات المدنية.
ولا يختص المؤشر بالفضاء الرقمي وحده، لكنه يضع حرية التعبير والإعلام والتجمع ضمن السياق الأوسع للحريات العامة، وهو سياق ضروري عند تقييم حدود التنظيم الرقمي وآثاره المحتملة على المجال العام.
القانون الدولي
أكدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تحمي حق كل شخص في اعتناق الآراء دون تدخل، وحقه في طلب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها عبر أي وسيلة إعلام وبغض النظر عن الحدود، وسمحت المادة بفرض قيود محددة على حرية التعبير، لكنها اشترطت أن تكون القيود منصوصًا عليها في القانون وضرورية لحماية حقوق الآخرين أو سمعتهم أو الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.
وأوضح التعليق العام رقم 34 للجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن الدولة التي تفرض قيدًا على التعبير مطالبة بإثبات طبيعة التهديد بصورة محددة وفردية، وإظهار ضرورة الإجراء وتناسبه، مع التأكيد على أن القيود الواسعة لا تتوافق مع المعيار الدولي، وينطبق هذا المبدأ على المجال الرقمي كما ينطبق على وسائل التعبير الأخرى، بما يعني أن مكافحة التضليل أو حماية الأمن الوطني لا تمنح تلقائيًا صلاحية مفتوحة لتقييد الآراء أو الانتقادات السياسية.
معادلة مزدوجة
تواجه الجزائر إذن معادلة مزدوجة: حماية فضاء رقمي يتوسع بسرعة من الأخبار الكاذبة والاحتيال والاختراقات وسرقة البيانات وخطابات الكراهية، وفي الوقت نفسه حماية حق المواطنين في التعبير والانتقاد والوصول إلى المعلومات، وتؤكد الاستراتيجية الوطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية أن الدولة تعتبر حماية المواطنين والبنية الرقمية والسيادة الرقمية أهدافًا أساسية، بينما تكشف تقارير العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش ومراسلون بلا حدود عن مخاوف حقوقية متعلقة باستخدام القوانين القائمة ضد التعبير الرقمي.
اختبار الثقة الرقمية
تكشف الأرقام أن الجزائر دخلت بالفعل مرحلة جديدة من الاعتماد على الإنترنت، مع 37.8 مليون مستخدم ونحو 27.5 مليون هوية على شبكات التواصل في نهاية 2025، فيما بدأت الدولة في الوقت نفسه تنفيذ استراتيجية وطنية للأمن السيبراني للفترة 2025-2029، وشرعت الحكومة في يوليو 2026 في دراسة جهاز وطني للرصد والتحقق من الأخبار، ويجعل هذا التزامن تنظيم الفضاء الافتراضي أحد الملفات المؤثرة في علاقة المواطن بالدولة، لأن الأمن الرقمي لا يتحقق فقط بحماية الشبكات، وإنما يحتاج أيضًا إلى بيئة يثق فيها المستخدم بأن قواعدها واضحة، وأن مكافحة التضليل لا تتحول إلى تقييد غير متناسب للتعبير.
وتبقى المرحلة المقبلة مرتبطة بالنصوص التي ستحدد صلاحيات الجهاز الجديد وآليات عمله وضوابطه، أكثر من ارتباطها بمجرد الإعلان السياسي عن إنشائه. فإذا ارتبطت مكافحة الأخبار الكاذبة بمعايير دقيقة وشفافة، وحق في الاعتراض والمراجعة، ورقابة قضائية فعالة، وحماية للبيانات الشخصية، يمكن أن تتحول إلى جزء من بناء الثقة الرقمية. أما إذا اتسعت التعريفات القانونية لتشمل النقد أو الرأي أو الصحافة الاستقصائية، فإن الفضاء الذي يفترض أن يصبح أكثر أمنًا قد يتحول إلى مساحة أكثر هشاشة بالنسبة لحرية التعبير، وبين الهدفين تقف الجزائر أمام تحدي بناء نموذج للحوكمة الرقمية يواجه المخاطر الحقيقية للإنترنت دون أن يجعل حماية الأمن ذريعة لتقليص الحقوق التي يفترض أن يحميها القانون.

