تتجه أزمة المهاجرين الهايتيين في الولايات المتحدة إلى مرحلة أكثر تعقيداً بعد تحركات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء وضع الحماية المؤقتة الذي سمح لعشرات الآلاف منهم بالإقامة والعمل بصورة قانونية لسنوات.
ويواجه أكثر من 330 ألف مهاجر هايتي احتمال فقدان تصاريح العمل والإقامة، في وقت يعتمد فيه عدد من القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها الرعاية الصحية، على مساهماتهم اليومية، بينما تحذر منظمات حقوقية ونقابات عمالية من تداعيات إنسانية واقتصادية واسعة قد تطال الأسر وسوق العمل في آن واحد.
وقالت صحيفة “الغارديان” البريطانية إن إنهاء برنامج الحماية المؤقتة يضع مئات الآلاف من المهاجرين الهايتيين أمام مستقبل مجهول، بعدما أيدت المحكمة العليا الأمريكية في يونيو، بأغلبية ستة قضاة مقابل ثلاثة، جهود الإدارة لإنهاء الحماية المؤقتة الممنوحة للهايتيين والسوريين، وهو قرار أثار موجة من القلق بين العائلات وأرباب العمل والمنظمات المدافعة عن حقوق المهاجرين.
عمال يخشون فقدان مصدر رزقهم
تبدأ إحدى العاملات الهايتيات يومها قبل شروق الشمس، حيث تغادر منزلها في الخامسة صباحاً، وتستقل حافلتين للوصول إلى دار رعاية للمسنين في نيويورك، وتعمل في تنظيف غرف المقيمين الذين تعتبرهم جزءاً من عائلتها، وأكدت أنها تخشى العودة إلى هايتي بسبب استمرار العنف، مشيرة إلى أنها تشعر بالأمان في الولايات المتحدة وتريد مواصلة خدمة المجتمع الذي تعيش فيه.
ولا تمثل هذه القصة حالة فردية، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 13 ألف مهاجر هايتي يعملون مساعدين للتمريض في الولايات المتحدة، ويقدمون الرعاية اليومية لما يقرب من 65 ألف مريض، وهو ما يعكس أهمية وجودهم في قطاع يعاني بالفعل من نقص العمالة.
نقابات تحذر من اضطرابات واسعة
أكدت روكسانا ريفيرا، مساعدة رئيس نقابة عمال الخدمات الدولية، أن تداعيات إنهاء برنامج الحماية المؤقتة لن تقتصر على المستفيدين منه، بل ستمتد إلى المجتمعات المحلية وسوق العمل الأمريكي بأكمله.
وأوضحت أن آلاف العمال الهايتيين يشغلون وظائف يصعب تعويضها، خاصة في قطاع الخدمات والرعاية الصحية، حيث تواجه المؤسسات بالفعل صعوبات في استقطاب موظفين جدد بسبب ارتفاع معدل دوران العمالة. وأضافت أن فقدان هؤلاء العمال سيؤثر بصورة مباشرة على جودة الخدمات المقدمة للمسنين والمرضى.
كما انتقدت النقابة القرار، معتبرة أنه يستهدف المهاجرين بصورة تثير مخاوف تتعلق بالتمييز، في وقت يواصل فيه المستفيدون من البرنامج العمل ودفع الضرائب والالتزام بالقوانين الأمريكية.
الإدارة الأمريكية تتمسك بإنهاء البرنامج
دافع مسؤولون في إدارة ترامب عن قرار إنهاء برنامج الحماية المؤقتة، مؤكدين أن البرنامج صمم ليكون إجراءً مؤقتاً وليس مساراً دائماً للإقامة القانونية.
وأكد متحدث باسم وزارة الأمن الداخلي أن الظروف في هايتي تحسنت بما يسمح بعودة مواطنيها، داعياً المستفيدين من البرنامج إلى البحث عن مسارات قانونية أخرى للهجرة، رغم أن قانون الهجرة الأمريكي لا يوفر طريقاً مباشراً من برنامج الحماية المؤقتة إلى الحصول على البطاقة الخضراء.
كما شدد متحدث باسم البيت الأبيض على أن البرنامج لم ينشأ ليمنح إقامة دائمة، بل لتوفير حماية مؤقتة خلال فترات الأزمات الاستثنائية.
تحذيرات تتعارض مع الواقع الأمني
تتزامن هذه المواقف مع استمرار وزارة الخارجية الأمريكية في إصدار تحذير من السفر إلى هايتي بسبب حالة الطوارئ الأمنية، بينما تؤكد الأمم المتحدة استمرار سيطرة الجماعات المسلحة على أجزاء واسعة من البلاد، وتفاقم الأزمة الإنسانية.
وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن العنف المسلح في هايتي أدى إلى نزوح أكثر من 1.3 مليون شخص، وهو أعلى مستوى للنزوح الداخلي في تاريخ البلاد الحديث، بينما يحتاج أكثر من 6 ملايين شخص إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026، في ظل انهيار الخدمات الأساسية واتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي.
عائلات تخشى الانفصال
يرى كثير من المهاجرين الهايتيين أن إنهاء الحماية المؤقتة يهدد استقرار أسرهم التي بنت حياتها في الولايات المتحدة على مدى سنوات طويلة.
وأكد مهاجر يقيم في نيويورك منذ عام 2000 أنه عمل بصورة قانونية، ودفع الضرائب، وأسس عائلة تضم ابنتين تحملان الجنسية الأمريكية، لكنه أصبح الآن مهدداً بفقدان عمله وإمكانية ترحيله إلى بلد غادره قبل أكثر من ربع قرن.
وأوضح أنه التزم بجميع متطلبات البرنامج، بما في ذلك التسجيل الرسمي وتجديد الوثائق والخضوع للفحوص الأمنية، لكنه يواجه اليوم احتمال فقدان مصدر دخله، رغم استمرار التزاماته المالية المتعلقة بالسكن والغذاء ورعاية أطفاله.
كما أعرب مواطن أمريكي من أصل هايتي عن مخاوفه على أفراد أسرته وأصدقائه المشمولين بالحماية المؤقتة، مؤكداً أن كثيرين منهم فروا من أحياء سيطرت عليها العصابات المسلحة، ولم يعد لديهم أي منزل أو مصدر دخل في هايتي يمكنهم العودة إليه.
مخاوف من تصاعد خطاب الكراهية
أعرب عدد من أبناء الجالية الهايتية عن قلقهم من تصاعد الخطاب العدائي تجاه المهاجرين خلال السنوات الأخيرة، معتبرين أن التصريحات السياسية التي تستهدف الهايتيين تسهم في انتشار التمييز داخل أماكن العمل والمدارس والمجتمعات المحلية.
وأشار أحد المهاجرين إلى أن الادعاءات التي رددها الرئيس دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية عام 2024 بشأن المهاجرين الهايتيين أسهمت في زيادة الضغوط النفسية والاجتماعية التي تواجهها الجالية، مؤكداً أن أفرادها يمثلون شريحة من العمال ودافعي الضرائب وأولياء الأمور الذين يشاركون في الحياة الاقتصادية والاجتماعية الأمريكية.
أنشأت الولايات المتحدة برنامج الحماية المؤقتة عام 1990 لتوفير حماية مؤقتة لمواطني الدول التي تشهد نزاعات مسلحة أو كوارث طبيعية أو ظروفاً استثنائية تمنع العودة الآمنة. ومنحت السلطات الأمريكية الهايتيين هذه الحماية لأول مرة عام 2010 بعد الزلزال المدمر الذي ضرب البلاد، ثم مددت العمل بها مرات عدة بسبب استمرار الأزمات السياسية والأمنية والإنسانية.
وتؤكد مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن القانون الدولي يدعو الدول إلى احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يحظر إعادة أي شخص إلى مكان قد يواجه فيه تهديداً لحياته أو حريته. كما تشدد المنظمات الحقوقية على ضرورة الموازنة بين سياسات الهجرة والالتزامات الإنسانية، خاصة عندما تستمر الأوضاع الأمنية في بلد المنشأ في تهديد سلامة العائدين.
