عندما تعجز الدولة عن فرض القانون وحماية مواطنيها، تتحول الحقوق الأساسية إلى معركة يومية من أجل البقاء، هذا هو الواقع الذي يعيشه ملايين الهايتيين اليوم في ظل تصاعد نفوذ الجماعات المسلحة وتراجع قدرة المؤسسات الرسمية على أداء وظائفها الأساسية؛ ما جعل الحق في الأمن والحياة الكريمة والوصول إلى الخدمات الأساسية عرضة لتهديد متواصل.
وتواجه هايتي واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم حالياً، فوفق المنظمة الدولية للهجرة، تجاوز عدد النازحين داخلياً 1.3 مليون شخص بحلول منتصف عام 2025، وهو أعلى رقم مسجل في تاريخ البلاد الحديث.
ويعكس هذا الرقم حجم التدهور الأمني والإنساني الذي تشهده الدولة الكاريبية في ظل استمرار العنف واتساع نطاق سيطرة الجماعات المسلحة.
المدنيون في قلب الأزمة
أدى انتشار الجماعات المسلحة إلى ارتفاع معدلات القتل والخطف والعنف الجنسي والتجنيد القسري للأطفال، وهي انتهاكات تمس بصورة مباشرة حقوق المدنيين الأساسية.
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى مقتل نحو خمسة آلاف شخص بين أكتوبر 2024 ويونيو 2025 نتيجة أعمال العنف.
وحذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة من تزايد استغلال الأطفال داخل الجماعات المسلحة، في وقت سجلت فيه منظمة أطباء بلا حدود آلاف حالات العنف الجنسي، خاصة في المناطق الأكثر تضرراً من النزاع.
ويؤكد خبراء حقوق الإنسان أن استمرار هذه الانتهاكات لا يهدد سلامة الأفراد فحسب، بل يقوض قدرة المجتمعات المحلية على الاستقرار ويزيد من هشاشة الفئات الأكثر عرضة للخطر، وعلى رأسها النساء والأطفال.
الحقوق تحت الحصار
لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الأمني، بل امتدت إلى الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية.
وأدى العنف المتصاعد إلى إغلاق عدد كبير من المرافق الصحية وتعطيل العملية التعليمية، في حين يحتاج أكثر من 3.3 مليون طفل إلى مساعدات إنسانية وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة.
ويواجه السكان صعوبات متزايدة في الحصول على الرعاية الصحية والتعليم والحماية الاجتماعية، ما يحول العديد من الحقوق الأساسية إلى امتيازات يصعب الوصول إليها في مناطق واسعة من البلاد.
عندما تنهار مؤسسات الدولة
في حديثه لمنصة «صفر»، أكد الخبير في القانون الدولي الدكتور صلاح الرقاد، أن الوضع الإنساني في هايتي بلغ مستويات كارثية نتيجة تصاعد العنف المسلح والانهيار المستمر لمؤسسات الدولة.
وأشار الرقاد، إلى أن ما يقارب خمسة ملايين شخص، أي نحو نصف سكان البلاد، يعانون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، في حين تجاوز عدد النازحين داخلياً مليون شخص. كما تسيطر العصابات المسلحة على ما يقارب 90 بالمئة من العاصمة بورت أو برنس وفق تقديرات وتقارير أممية حديثة.
ويرى الرقاد أن ضعف مؤسسات الدولة يمثل عاملاً رئيساً في تفاقم الأزمة، موضحاً أن سنوات من عدم الاستقرار السياسي والمؤسسي انعكست على قدرة السلطات على فرض القانون وحماية المواطنين، كما أن محدودية إمكانات الشرطة الوطنية وتعثر عمل الجهاز القضائي أسهما في انتشار الإفلات من العقاب وصعبا وصول الضحايا إلى العدالة.
مسؤولية الدولة والمجتمع الدولي
وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان، تتحمل الدولة المسؤولية الأساسية عن حماية المدنيين وضمان أمنهم وحقوقهم الأساسية، إلا أن الأزمة الهايتية تطرح تساؤلات متزايدة حول قدرة المؤسسات الوطنية على الوفاء بهذه الالتزامات في ظل الانهيار المؤسسي واتساع نفوذ الجماعات المسلحة.
وفي المقابل، يبرز دور المجتمع الدولي في دعم جهود الاستقرار وتعزيز قدرات الدولة وتوفير المساعدات الإنسانية.
وأشار الرقاد، إلى أن بعثة الدعم الأمني متعددة الجنسيات المدعومة من الأمم المتحدة تمثل إحدى محاولات مساندة السلطات الهايتية في مواجهة الجماعات المسلحة، إلا أن استمرار أعمال العنف واتساع نفوذ العصابات يحدان من فعالية هذه الجهود.
الأمن وحده لا يكفي
شدد الرقاد على أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تعتمد على المقاربة الأمنية فقط، بل تتطلب دعماً متواصلاً للعملية السياسية وتعزيز مؤسسات الدولة وتنظيم انتخابات نزيهة والحد من تدفق الأسلحة غير المشروعة.
ويرى أن استعادة سيادة القانون وبناء مؤسسات قادرة على حماية المواطنين تمثلان المدخل الأساسي لإنهاء الانتهاكات وضمان الحقوق الأساسية لملايين الهايتيين.
وتكشف الأزمة في هايتي كيف يمكن لانهيار مؤسسات الدولة وانتشار العنف المسلح أن يحولا الحقوق الأساسية إلى تحدٍ يومي لملايين المدنيين. وبينما تبقى مسؤولية الحماية واجباً وطنياً في المقام الأول، فإن حجم الكارثة الإنسانية الحالية يجعل من الدعم الدولي المستدام ضرورة ملحة، ليس فقط لاستعادة الأمن، بل لضمان حق السكان في الحياة الكريمة والعدالة والحماية من الانتهاكات.

