لا تنهار الأنظمة الصحية عادة في لحظة واحدة، بل تتآكل تدريجياً تحت وطأة النزاعات والأزمات الاقتصادية والعنف وانهيار المؤسسات العامة.
ومع استمرار الأزمات لسنوات، تصبح زيارة الطبيب أو الحصول على دواء أساسي أو تلقي لقاح أموراً تزداد صعوبة لملايين الأشخاص، لتتحول الرعاية الصحية من خدمة يفترض أن تكون متاحة للجميع إلى امتياز يصعب الوصول إليه.
وتبرز سوريا وهايتي بوصفهما مثالين مختلفين لهذه الظاهرة، وبينما تواجه سوريا آثار نزاع ممتد أضعف بنيتها الصحية على مدار أكثر من عقد، تعاني هايتي مزيجاً معقداً من العنف المسلح والهشاشة المؤسسية والانهيار الاقتصادي.
ورغم اختلاف السياقين، فإن النتيجة واحدة.. تراجع قدرة السكان على التمتع بحقهم في الصحة والحصول على الرعاية الطبية الأساسية.
الصراع يستنزف القطاع الصحي
لا تزال سوريا تواجه واحدة من كبريات الأزمات الصحية والإنسانية في العالم بعد أكثر من عقد من الصراع.
ووفق منظمة الصحة العالمية، يُتوقع أن يحتاج 16.7 مليون شخص إلى مساعدات صحية عاجلة خلال عام 2025، في حين لا يعمل بكامل طاقته سوى 57 بالمئة من المستشفيات و37 بالمئة من مراكز الرعاية الصحية الأولية.
وتعاني مئات المنشآت الصحية من نقص التمويل والإمدادات الطبية، في وقت تشير فيه المنظمة إلى أن سنوات النزاع والنزوح والتدهور الاقتصادي أضعفت النظام الصحي بصورة كبيرة.
ويعيش نحو 90 بالمئة من السكان تحت خط الفقر، ما يزيد من صعوبة الوصول إلى العلاج والأدوية والخدمات الصحية الأساسية، حتى في المناطق التي ما تزال تتوافر فيها بعض الخدمات الطبية.
العنف يفاقم النظام الصحي
في هايتي أسهم تصاعد أعمال العنف المسلحة وتراجع مؤسسات الدولة في تعميق الأزمة الصحية والإنسانية.
وتقدر منظمة الصحة العالمية أن 4.2 مليون شخص سيحتاجون إلى مساعدات صحية خلال عام 2025، في حين يحتاج شخصان من كل خمسة إلى رعاية طبية عاجلة.
وأدى انتشار العنف والنزوح إلى إغلاق أو تعطيل عدد كبير من المرافق الصحية، خصوصاً في العاصمة بورت أو برنس.
وتشير تقارير أممية وإنسانية إلى أن أقل من 25 بالمئة من المنشآت الصحية تعمل في بعض المناطق المتضررة، في حين أُغلق أكثر من 60 بالمئة من المرافق الصحية في العاصمة أو أصبحت غير قادرة على تقديم خدماتها بصورة كاملة بسبب الظروف الأمنية.
أزمتان ونتيجة واحدة
ورغم اختلاف طبيعة الأوضاع في سوريا وهايتي، فإن التجربتين تكشفان كيف يؤدي ضعف المؤسسات واستمرار الأزمات إلى النتيجة ذاتها.. تراجع قدرة الأنظمة الصحية على أداء وظائفها الأساسية.
فالأزمة الصحية لا تنشأ فقط من تدمير المستشفيات أو نقص الأدوية، بل من تراكم عوامل مترابطة تشمل الفقر والنزوح وضعف التمويل وهجرة الكوادر الطبية وتراجع الخدمات العامة.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح الحق في الصحة أكثر هشاشة، وتكون الفئات الأكثر ضعفاً هي الأكثر تضرراً من انهيار الخدمات الأساسية.
مخاطر تفشي الأمراض
أكدت منظمة الصحة العالمية، في تصريح لمنصة “صفر”، أن النزاعات والأزمات الممتدة تضعف قدرة الأنظمة الصحية على التعامل مع التحديات الصحية المتزايدة، إذ تؤدي إلى تضرر المرافق الطبية وتعطل الخدمات الأساسية وتراجع إمدادات الأدوية والمستلزمات الطبية، إضافة إلى تفاقم أوضاع النازحين والمجتمعات المتضررة.
وأوضحت المنظمة أن هذه الظروف تنعكس بصورة مباشرة على فعالية الاستجابة الصحية، خاصة في مواجهة الأمراض المعدية وحالات الطوارئ الصحية.
وأشارت إلى أن استمرار الضغوط على الأنظمة الصحية في البيئات المتأثرة بالأزمات يحد من كفاءة برامج التطعيم والترصد الوبائي وخدمات الرعاية الأساسية، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية للسكان.
وأضافت أن تعطل الخدمات المرتبطة بالمياه والصرف الصحي والطاقة يفاقم المخاطر الصحية العامة، ويزيد احتمالات انتشار الأمراض بين الفئات الأكثر هشاشة.
الحق في الصحة
تمثل الأوضاع الصحية في سوريا وهايتي اختباراً عملياً للالتزامات الدولية المتعلقة بالحق في الصحة الذي يُعد أحد الحقوق الأساسية المكفولة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.
فاستمرار تدهور الخدمات الصحية وصعوبة الوصول إلى العلاج والأدوية والرعاية الأساسية ينعكس مباشرة على قدرة السكان على التمتع بهذا الحق، خصوصاً الأطفال والنساء والنازحين والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة.
ويفرض القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان التزامات تتعلق بحماية المرافق الصحية والعاملين في القطاع الطبي وتسهيل وصول المساعدات والخدمات الطبية للسكان دون تمييز.
تراجع خدمات الرعاية
تكشف التجارب الإنسانية الممتدة أن الخطر لا يكمن فقط في المرض نفسه، بل في غياب القدرة على التعامل معه، فعندما تتراجع خدمات الرعاية الأولية وتتقلص برامج التطعيم ويصبح الوصول إلى العلاج أكثر صعوبة، تتسع دائرة المخاطر لتشمل المجتمع بأكمله.
ولهذا لا يمثل دعم الأنظمة الصحية استجابة إنسانية مؤقتة فحسب، بل هو استثمار في حماية أحد أكثر الحقوق ارتباطاً بالكرامة الإنسانية.
وكلما ازدادت قدرة المجتمعات على الوصول إلى الرعاية الصحية، تراجعت آثار الأزمات في حياة الناس وارتفعت فرص التعافي والاستقرار على المدى الطويل.

