صفر – د. منى اللواتي
لم يعد الوصول إلى الرعاية الصحية في كثير من الدول مسألة ترتبط بالحق في العلاج وحده، بقدر ما بات يتأثر على نحو متزايد بالقدرة على الدفع، ومع تصاعد الضغوط الاقتصادية واتساع دور القطاع الخاص، بدأت أنظمة صحية كثيرة تنقل جزءاً أكبر من كلفة العلاج إلى الأفراد، بما يضعف مبدأ المساواة في الحصول على الخدمة ويفرض تفاوتاً أوسع بين من يملكون كلفة الرعاية ومن يعجزون عنها.
وتكشف المقارنة بين تونس والولايات المتحدة عن مفارقة لافتة، فبينما ارتبط النظام الصحي التونسي تاريخياً بدور مركزي للقطاع العام، تشكل الولايات المتحدة نموذجاً يقوم بدرجة كبيرة على السوق والتأمين الخاص، ومع ذلك، تبدو التجربتان، على اختلاف بنيتهما، متجهتين نحو نتيجة متقاربة.. تزايد ارتباط فرص العلاج بالقدرة المالية، لا بالاحتياج الصحي وحده.
وتشير بيانات صادرة عن مؤسسات دولية إلى أن هذه التحولات لم تعد محصورة في حالات فردية أو استثنائية، بل أصبحت جزءاً من اتجاه أوسع تشهده الأنظمة الصحية، مع ارتفاع الإنفاق المباشر من جيوب الأسر واتساع حضور القطاع الخاص في تقديم الخدمات، بما يعكس انتقال عبء متزايد من الدولة إلى المواطنين.
من خدمة إلى حق
تنص المواثيق الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، من خلال العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، على حق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة، مع التأكيد على ضرورة إتاحة الخدمات الصحية دون تمييز.
كما ينص الدستور التونسي على أن الصحة حق لكل إنسان، في حين يسعى قانون الرعاية الصحية في الولايات المتحدة إلى توسيع الوصول إلى الخدمات.
غير أن المعطيات تشير إلى فجوة بين هذه المبادئ والتطبيق، حيث يتأثر الوصول إلى العلاج بشكل متزايد بعوامل اقتصادية.
وتكشف المقارنة بين تونس والولايات المتحدة أن اختلاف النماذج الصحية لا يمنع من الوصول إلى نتيجة متقاربة، حيث يتزايد تأثير القدرة على الدفع في تحديد فرص العلاج.
وفي هذا السياق، يبرز التحدي في تحقيق توازن بين دور السوق وضمان الحق في الصحة، بما يحدّ من اتساع الفجوة في الوصول إلى الرعاية الصحية.
تونس.. نظام صحي تحت الضغط
يعتمد النظام الصحي في تونس على مزيج من التمويل العمومي والتأمين الاجتماعي، عبر مؤسسات مثل الصندوق الوطني للتأمين على المرض (CNAM) والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS) والصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية (CNRPS)، غير أن هذه المنظومة تواجه ضغوطاً متزايدة منذ عام 2011، تمثلت في تراجع جودة الخدمات وارتفاع الطلب، مقابل توسع تدريجي للقطاع الخاص.
وفي هذا السياق، يجد المواطن نفسه مضطراً للتوجه نحو العيادات الخاصة، بحثاً عن سرعة الخدمة، رغم كلفتها المرتفعة، في وقت تبقى فيه بعض الاختصاصات الحيوية – مثل علاج السرطان وزرع الأعضاء – مرتبطة بالقطاع العمومي الذي يعاني من ضغط الطلب وطول فترات الانتظار.
وتبرز مفارقة لافتة، إذ تُعد تونس وجهة للسياحة الطبية، في حين يواجه جزء من المواطنين صعوبات في الوصول إلى الخدمات نفسها.
وفي هذا السياق، يوضح حسونة فضيلة، الأستاذ في المالية ورئيس الجامعة الأمريكية بتونس، أن فهم هذه التحولات يتطلب النظر إلى البنية الاقتصادية للنظام الصحي.
وفي حديثه لـ”صفر”، يشير فضيلة، إلى أن تكلفة الخدمات الصحية – سواء في الولايات المتحدة أو تونس – لا تنفصل عن عوامل أوسع، لافتاً إلى أن النظام الأمريكي، رغم اعتماده على التأمين، لا يوفر تغطية كاملة في كثير من الحالات، ما يترك جزءاً من الأعباء المالية على المريض.
ويلفت إلى أن ارتفاع تكاليف العلاج يدفع بعض المرضى إلى البحث عن بدائل خارجية، في ظاهرة تُعرف بالسياحة العلاجية، نتيجة الفوارق الكبيرة في الأسعار.
وبالعودة إلى تونس، يؤكد فضيلة أن تحسين الوصول إلى العلاج يتطلب دعم الصيدلية المركزية لضمان توفر الأدوية، إلى جانب إتاحة دور مدروس للقطاع الخاص، بما يسهم في تخفيف الضغط على المنظومة الصحية.
الولايات المتحدة.. نظام قائم على السوق
في المقابل، يقوم النظام الصحي في الولايات المتحدة على نموذج مختلط، يهيمن فيه التأمين الخاص المرتبط بسوق العمل، والذي يغطي نحو 66% من السكان، إلى جانب برامج عامة مثل “ميديكيد”.
ورغم أن الولايات المتحدة تُعد من بين الدول الأعلى إنفاقاً على الرعاية الصحية عالمياً، فإن الوصول إلى العلاج لا يزال مرتبطاً إلى حد بعيد بالقدرة على تحمل التكاليف، حيث يواجه ملايين الأفراد صعوبات في تغطية النفقات الصحية.
وقد كشفت جائحة كورونا عن بعض أوجه الهشاشة، ومنها نقص في المعدات الطبية، في وقت أشار فيه أطباء إلى غياب مخزون استراتيجي كافٍ للتعامل مع الطوارئ.
وفي هذا السياق، تلعب مبادرات مثل “Charity care” دوراً في تغطية تكاليف المرضى غير القادرين على الدفع، في حين تظل المستشفيات ملزمة قانونياً بتقديم الرعاية للحالات الطارئة.

