بعد ربع قرن على اعتماد إعلان وبرنامج عمل ديربان، ما تزال مكافحة العنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب والتعصب تواجه تحديات متجددة، لم تعد تقتصر على الممارسات التقليدية، بل امتدت إلى الخطاب السياسي والعام والفضاء الرقمي، وصولًا إلى الخوارزميات والذكاء الاصطناعي. وبينما تستمر آثار الاسترقاق والاستعمار في التأثير على فرص وحقوق فئات مختلفة، تتزايد المخاوف من أن تتحول التكنولوجيا الحديثة إلى أداة تعيد إنتاج أنماط التمييز القائمة.
وجاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال النقاش العام حول مكافحة العنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب والتعصب، حيث ناقش المجلس تقرير فريق الخبراء السامي بشأن تنفيذ إعلان وبرنامج عمل ديربان في دورته الثانية عشرة، إلى جانب تقرير اللجنة الخاصة بوضع المعايير الدولية التكميلية للاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري في دورتها السادسة عشرة، وسط دعوات إلى تحويل الالتزامات الدولية إلى سياسات وإجراءات قابلة للتنفيذ والمساءلة.
تطرف يميني وعنصرية في الفضاء الرقمي
قدمت رئيسة فريق الخبراء السامي تقرير الدورة الثانية عشرة للفريق، التي عقدت في جنيف خلال الفترة من 5 إلى 8 مايو/أيار 2026، بموجب قرار مجلس حقوق الإنسان 57/5، موضحة أن المناقشات ركزت على أربعة محاور رئيسية.
وتناول المحور الأول تنامي التطرف اليميني وكراهية الأجانب والعنصرية، والعلاقة بينها وبين قضايا الأمن والهجرة والتوترات الاجتماعية، مع الإشارة إلى ارتباط بعض هذه الظواهر بإرث الاستعمار والتفوق العرقي. ودعا المشاركون إلى اعتماد استراتيجيات قانونية وتعليمية ورقمية تستند إلى إعلان وبرنامج عمل ديربان.
أما المحور الثاني، فركز على تقييم التقدم المحرز بعد 25 عامًا من اعتماد إعلان ديربان، مع عرض أدلة من منظمة العمل الدولية بشأن استمرار التمييز في سوق العمل وفجوات الأجور التي تواجهها فئات من الشعوب الأصلية والمهاجرين من آسيا وإفريقيا، إلى جانب بحث تأثير العنصرية في فرص الحصول على الرعاية الصحية والفرص الرياضية.
وانتقل المحور الثالث إلى العنصرية في الفضاء الرقمي والتعليم وتأثيرها في صحة الشباب ورفاههم، مع التأكيد على الحاجة إلى تعزيز المعرفة الرقمية والمساءلة ومشاركة الشباب في حوكمة الفضاء الإلكتروني، وتطوير نظم تعليمية قادرة على مواجهة الخطابات والممارسات العنصرية.
الذكاء الاصطناعي.. أداة للرصد أم لإعادة إنتاج التمييز؟
كان الذكاء الاصطناعي أحد أبرز الملفات التي حضرت في النقاش، خصوصًا مع توسع استخدام الخوارزميات وأدوات جمع البيانات في مجالات المراقبة واتخاذ القرارات.
وناقش فريق الخبراء استخدام الذكاء الاصطناعي وأدوات البيانات في رصد تنفيذ إعلان ديربان، محذرًا من أن الأنظمة المدربة على بيانات متحيزة يمكن أن تعيد إنتاج أنماط التمييز والعنصرية القائمة. وأكد المشاركون أهمية الرقابة المجتمعية على تأثير التقنيات الرقمية وتعزيز الشفافية والمساءلة.
ولم يقتصر الأمر على التحذير من المخاطر، إذ دعا الفريق إلى الاستفادة من الذكاء الاصطناعي الذي تقوده المجتمعات المحلية في رصد تنفيذ إعلان ديربان، بالتوازي مع الاستثمار في بناء قدرات الشباب وضمان مشاركتهم الفعالة في صياغة السياسات المتعلقة بالفضاء الرقمي.
توصيات لمواجهة العنصرية
دعا فريق الخبراء الدول إلى تعزيز الأطر القانونية لمواجهة الأحزاب والجهات والفاعلين الذين يروجون للعنصرية وكراهية الأجانب والتفوق العرقي، إلى جانب إنشاء أنظمة إنذار مبكر وآليات للتدخل والوقاية، بما في ذلك في الفضاء الرقمي.
كما حث الدول على ترجمة التزامات ديربان إلى سياسات قابلة للقياس، واعتماد تعليم إلزامي لمناهضة العنصرية يستند إلى مناهج تراعي التاريخ والإرث المرتبط بالاسترقاق وتجارة الرقيق عبر الأطلسي والاستعمار والإبادة.
وجدد الفريق دعوته إلى مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان لإنشاء آلية تفاعلية لرصد اعتراف الدول بالفظائع التاريخية والخطوات التي تتخذها بشأنها، إلى جانب تعزيز مواجهة العنصرية في الفضاءين الواقعي والرقمي.
وفي ختام عرضه، حذرت رئيسة الفريق من أن تصاعد التطرف اليميني والتحديات المرتبطة بالهجرة والتكنولوجيا قد يؤدي إلى أشكال جديدة من العنصرية، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى إمكانية استثمار هذه التحديات لتعزيز المساءلة والرصد المجتمعي ومشاركة الشباب.
معايير دولية جديدة لمواجهة أشكال العنصرية المستحدثة
وبالتوازي مع تقرير فريق الخبراء، قدم رئيس اللجنة الخاصة بوضع المعايير الدولية التكميلية للاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري تقرير الدورة السادسة عشرة، التي عقدت على جزأين خلال الفترة من 27 إلى 29 أبريل/نيسان ومن 8 إلى 11 يونيو/حزيران 2026، مع الإشارة إلى عقد جزء ثالث في وقت لاحق.
وتعمل اللجنة على إعداد بروتوكول إضافي للاتفاقية لمواجهة الأشكال المعاصرة والناشئة للعنصرية، بما يشمل خطاب الكراهية، والعنصرية المرتبطة بالدين والهجرة، والتحديات الناجمة عن الخوارزميات والتكنولوجيا الرقمية.
وركز الجزء الأول على القراءة الأولية لمشروع النص، بينما أتاح الجزء الثاني مناقشته بصورة كاملة. وأبدت وفود عديدة دعمها لوضع معايير تكميلية لمعالجة الأشكال المعاصرة للعنصرية، مع التأكيد على نهج يجمع بين التجريم والوقاية والتوعية وحماية حقوق الضحايا وسبل الانتصاف، فيما رأت وفود أخرى أن وضع معايير تكميلية قد لا يكون ضروريًا.
وشملت المناقشات العلاقة القانونية بين البروتوكول المقترح والاتفاقية الدولية القائمة، وضرورة التكامل معها، إلى جانب نطاق التجريم والإجراءات الجنائية وغير الجنائية، وتعريف خطاب الكراهية وكراهية الأجانب، وأسس التمييز التي ينبغي أن يغطيها النص.
كما بحثت اللجنة حقوق الضحايا، بما في ذلك التعويض وجبر الضرر ومسؤولية الدول عن توفير آليات الانتصاف، فضلًا عن تأثير الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية والفضاء الإلكتروني في التمييز العنصري.
ومن المقرر تعميم مشروع النص المنقح على الدول الأعضاء لإتاحة الوقت لدراسته وإبداء الملاحظات، تمهيدًا لمناقشته في الدورة السابعة عشرة التي تبدأ في أبريل/نيسان 2027، بهدف الوصول إلى معايير عملية وقابلة للتنفيذ تحمي الضحايا وتعزز الوقاية والمساءلة والتعاون الدولي.
إفريقيا: ديربان يجب أن تتحول إلى إجراءات
وفي النقاش العام، رحبت كينيا، باسم المجموعة الإفريقية، بالتقارير المقدمة، معتبرة أن الذكرى الخامسة والعشرين لإعلان وبرنامج عمل ديربان تمثل فرصة لتحويل الالتزامات إلى إجراءات ملموسة.
وأعربت المجموعة عن القلق إزاء تطور أشكال العنصرية والتمييز وكراهية الأجانب، خصوصًا عبر التكنولوجيا الرقمية، داعية إلى وضع معايير دولية تكميلية للاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري بما يضمن الحماية والانتصاف.
كما شددت على اعتبار الاتجار بالأفارقة جريمة جسيمة، وتعزيز العدالة التعويضية، ومواجهة تحريف التاريخ، وضمان الاعتراف بإسهامات الأفارقة والمتحدرين من أصل إفريقي في مختلف البلدان.
المجموعة العربية: تحديات جديدة في عصر التكنولوجيا
وأكدت المجموعة العربية، التي تحدثت باسمها العراق، التزامها بالتنفيذ الفعال لإعلان وبرنامج عمل ديربان وتحويل الالتزامات الواردة فيهما إلى تدابير ملموسة.
وأشارت إلى استمرار العنصرية والتمييز بأشكال متعددة بعد مرور 25 عامًا على اعتماد الإعلان، مع ظهور تحديات جديدة مرتبطة بالتكنولوجيا، خصوصًا انتشار خطاب الكراهية والتحريض على التمييز والعنف عبر المنصات الإلكترونية، ومخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي.
كما أعربت عن القلق إزاء استمرار الإسلاموفوبيا وكراهية المسلمين وما يرتبط بهما من صور نمطية وتمييز، مؤكدة ضرورة التصدي لهذه الظواهر وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان، وتعزيز الحوار والتسامح والمساواة والكرامة الإنسانية.
منظمة التعاون الإسلامي: مواجهة الإسلاموفوبيا
وأشارت باكستان، باسم منظمة التعاون الإسلامي، إلى أن مرور 25 عامًا على إعلان ديربان لم يحقق جميع التطلعات الواردة فيه، في ظل استمرار أشكال متعددة من العنصرية والتمييز والتعصب.
وحذرت المنظمة من توظيف الإسلاموفوبيا سياسيًا، ومن المقاربات الانتقائية التي تتعامل مع بعض أشكال التعصب وتتجاهل أخرى، مؤكدة أن حرية التعبير لا تبرر خطاب الكراهية ضد الأديان، ومشيرة إلى الالتزامات المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
كما لفتت إلى مخاطر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والخوارزميات في تعزيز خطاب الكراهية، وشددت على أهمية القرارات الرامية إلى مكافحة التمييز والتعصب.
وفي مداخلة أخرى، أثارت باكستان ما وصفته بمظاهر التمييز ضد المسلمين في الخطاب السياسي والعام، ووجهت انتقادات إلى سياسات الهند في جامو وكشمير، متهمة إياها بتغيير التركيبة الديموغرافية وحرمان المسلمين من المشاركة العامة وحقهم في تقرير المصير، ودعت إلى احترام الالتزامات المتعلقة بعدم التمييز.
العدالة التعويضية.. من الاعتراف إلى المعالجة
وأكدت كوبا تمسكها بإعلان وبرنامج عمل ديربان بعد مرور 25 عامًا على اعتماده، داعية إلى معالجة آثار الاسترقاق والاستعباد الواقع على الأفارقة والمتحدرين من أصل إفريقي.
وطالبت بتنفيذ القرار 80/252 ووضع إطار للعدالة التعويضية يشمل الاعتذار الرسمي والتعويض وإعادة التأهيل وضمانات عدم التكرار، إلى جانب اعتماد إعلان للأمم المتحدة بشأن حقوق المتحدرين من أصل إفريقي.
ومع اختتام قائمة المتحدثين، انتهت الجلسة السابعة والثلاثون من الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان، على أن يستأنف المجلس أعماله في اليوم التالي ضمن البند التاسع.
وتظهر المناقشات أن مكافحة العنصرية لم تعد قضية مرتبطة فقط بالتشريعات والممارسات التقليدية، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بالفضاء الرقمي والذكاء الاصطناعي والخطاب السياسي والتعليم. وبينما يقترب إعلان ديربان من مرور 25 عامًا على اعتماده، يبقى التحدي المطروح أمام الدول هو الانتقال من الالتزامات والمبادئ إلى آليات قابلة للقياس والتنفيذ، تضمن الحماية والانتصاف والمساءلة، وتحول دون انتقال التمييز من صورته التقليدية إلى أدوات جديدة أكثر تعقيدًا.
