تتواصل في إيران موجة واسعة من الاعتقالات والإجراءات الأمنية التي تستهدف النساء والناشطين والصحفيين والطلاب، وسط تصاعد الانتقادات الحقوقية الدولية بشأن استخدام السلطات أدوات قضائية وأمنية لقمع الأصوات المعارضة والمطالبين بالإصلاح.
وتكشف تقارير منظمات حقوق الإنسان عن اتساع دائرة الاستهداف لتشمل السجينات السياسيات، والمدافعين عن حقوق المرأة، وعائلات المحتجين الذين يطالبون بكشف مصير أقاربهم، إضافة إلى طلاب الجامعات والصحفيين الذين يواجهون الاستدعاءات والمحاكمات والعقوبات.
وتشير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش إلى أن السلطات الإيرانية كثّفت خلال السنوات الأخيرة عمليات الاعتقال التعسفي، وفرضت قيودًا متزايدة على حرية التعبير والتجمع، خاصة بعد الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت عقب وفاة الشابة مهسا أميني في سبتمبر 2022 أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق.
وأكدت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بشأن إيران أن السلطات ارتكبت انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان خلال التعامل مع الاحتجاجات، شملت الاستخدام غير المتناسب للقوة، والاعتقالات الجماعية، والانتهاكات بحق النساء والفتيات.
سجون تحت الضغط
أصبح سجن إيفين في طهران أحد أبرز رموز أزمة السجناء السياسيين في إيران، إذ يضم عددًا من الناشطات والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وتشير تقارير منظمة حقوق الإنسان في إيران إلى أن السجن شهد خلال الفترة الأخيرة عمليات نقل جماعية لسجينات من سجن قرجك في ورامين إلى جناح النساء في إيفين، ما أدى إلى زيادة الاكتظاظ وتفاقم الظروف المعيشية.
وأكدت منظمات حقوقية أن عمليات النقل تمت دون توفير تجهيزات مناسبة لاستقبال الأعداد الجديدة، وأن السجينات واجهن نقصًا في الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الطبية والغذاء والمياه، كما تحدثت تقارير عن تعرض بعض السجينات للضغط والعنف خلال احتجاجات داخل السجن على ظروف الاحتجاز.
وذكرت منظمة العفو الدولية في تقاريرها المتعلقة بالسجون الإيرانية أن سوء المعاملة والحرمان من الرعاية الصحية واستخدام الحبس الانفرادي تمثل أنماطًا متكررة في التعامل مع المعتقلين السياسيين، مشيرة إلى أن بعض الحالات قد ترقى إلى مستوى المعاملة القاسية أو اللاإنسانية وفق المعايير الدولية.
النساء في دائرة الاستهداف
تواجه النساء الناشطات في إيران ضغوطًا متزايدة بسبب مشاركتهن في الحركات المطالبة بالحقوق والحريات، وخاصة منذ اندلاع حركة الاحتجاج المعروفة باسم “المرأة، الحياة، الحرية”، وتقول منظمات حقوقية إن السلطات استهدفت ناشطات في مجال حقوق المرأة، ومدافعات عن إلغاء الحجاب الإجباري، وأشخاصًا دعموا الاحتجاجات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وأكد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في إيران أن النساء والفتيات تحملن جزءًا كبيرًا من تبعات القمع خلال السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أن الإجراءات الحكومية لم تقتصر على الاعتقالات، بل شملت القيود على التعليم والعمل والحياة العامة بسبب قوانين الحجاب الإجباري.
ووفق بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة، فإن نمط الانتهاكات المرتبط بقمع احتجاجات 2022 شمل اعتقالات واسعة، واستخدام المحاكم الثورية لإصدار أحكام بحق متظاهرين وناشطين، إضافة إلى حالات من التعذيب وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز. وأكدت البعثة أن النساء والفتيات تعرضن لانتهاكات مرتبطة مباشرة بالنوع الاجتماعي.
أحكام الإعدام والقلق الدولي
يمثل استخدام عقوبة الإعدام أحد أكثر الملفات إثارة للقلق في سجل حقوق الإنسان الإيراني. ووفق منظمة العفو الدولية، كانت إيران من بين أكثر دول العالم تنفيذًا لأحكام الإعدام خلال السنوات الأخيرة، حيث سجلت المنظمة تنفيذ مئات الأحكام سنويًا، كان جزء كبير منها مرتبطًا بجرائم المخدرات، بينما أثارت أحكام أخرى مخاوف بسبب ارتباطها بقضايا سياسية أو احتجاجية.
وأعلنت منظمة حقوق الإنسان في إيران أن السلطات نفذت أكثر من 900 حكم إعدام خلال عام 2024، وهو من أعلى المعدلات المسجلة خلال السنوات الأخيرة، مشيرة إلى أن بعض الأحكام صدرت بعد محاكمات وصفتها بأنها تفتقر إلى معايير العدالة، خصوصًا في القضايا ذات الطابع السياسي أو الأمني.
وحذّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان من استخدام الإعدام كأداة لمعاقبة المعارضة أو ترهيب المجتمع، مؤكدة أن القانون الدولي يفرض قيودًا صارمة على تطبيق هذه العقوبة، ولا يسمح بها إلا في إطار الجرائم الأشد خطورة وبعد محاكمات عادلة تستوفي جميع الضمانات القانونية.
الاعترافات القسرية والمحاكمات المغلقة
تثير قضية الاعترافات القسرية قلق المنظمات الحقوقية منذ سنوات، إذ تُتهم السلطات الإيرانية باستخدام الضغط النفسي والجسدي خلال التحقيقات للحصول على اعترافات من المعتقلين.
وتؤكد هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية أن بعض المعتقلين السياسيين أفادوا بتعرضهم للحبس الانفرادي والتهديد والضغط على أفراد أسرهم من أجل انتزاع أقوال تستخدم لاحقًا أمام المحاكم.
وتشير التقارير إلى أن المحاكم الثورية الإيرانية تنظر عددًا كبيرًا من القضايا المتعلقة بالأمن القومي، وسط انتقادات بشأن محدودية وصول المتهمين إلى محامين مستقلين خلال مراحل التحقيق، وطول فترات الاحتجاز قبل المحاكمة.
ويؤكد خبراء الأمم المتحدة أن المحاكمة العادلة تمثل حقًا أساسيًا لا يجوز تقييده حتى في القضايا المرتبطة بالأمن، وأن استخدام الاعترافات المنتزعة تحت الضغط يتعارض مع المعايير الدولية للعدالة.
الجامعات تحت الرقابة
لم تقتصر حملة التضييق في إيران على السجون ومراكز الاحتجاز، بل امتدت إلى الجامعات التي شكلت تاريخيًا مساحة رئيسية للنقاش السياسي والاجتماعي. فمنذ احتجاجات عام 2022، واجه آلاف الطلاب إجراءات تأديبية واستدعاءات أمنية بسبب مشاركتهم في مظاهرات أو تعبيرهم عن مواقف معارضة للسياسات الحكومية.
وتشير تقارير منظمة العفو الدولية إلى أن السلطات الإيرانية استخدمت أدوات متعددة للضغط على الطلاب، من بينها الفصل المؤقت، والمنع من دخول الحرم الجامعي، وإيقاف الخدمات التعليمية، والاستدعاء أمام لجان انضباطية، إضافة إلى تدخل الأجهزة الأمنية في النشاطات الطلابية.
وذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش أن الجامعات الإيرانية شهدت خلال السنوات الأخيرة زيادة في القيود المفروضة على حرية التعبير الأكاديمي، مؤكدة أن استهداف الطلاب لم يقتصر على المشاركين في الاحتجاجات المباشرة، بل شمل أيضًا أشخاصًا عبّروا عن مواقفهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو دعموا مطالب حقوق المرأة.
وفي تقارير صادرة عن منظمات طلابية إيرانية، وردت حالات فصل وتعليق دراسة بحق طلاب في جامعات طهران وشريف وأمير كبير والعلوم والتكنولوجيا وجامعة الزهراء، وسط اتهامات للسلطات باستخدام العقوبات الأكاديمية كوسيلة لإسكات الأصوات المنتقدة داخل المؤسسات التعليمية.
الصحفيون في مواجهة القيود
يواجه الصحفيون الإيرانيون بدورهم ضغوطًا متزايدة، حيث تستمر السلطات في ملاحقة العاملين في وسائل الإعلام المستقلة والصحفيين الذين يغطون قضايا الاحتجاجات أو أوضاع حقوق الإنسان.
وأكدت منظمة “مراسلون بلا حدود” أن إيران تُعد من أكثر الدول تقييدًا لحرية الصحافة، وأن الصحفيين يواجهون الاعتقال والمحاكمات والمنع من العمل بسبب تغطيتهم ملفات سياسية واجتماعية حساسة.
وأشارت لجنة حماية الصحفيين إلى أن إيران تحتجز عددًا من الصحفيين بسبب عملهم الإعلامي، مؤكدة أن الاعتقالات المتكررة خلقت بيئة من الخوف دفعت العديد من الصحفيين إلى ممارسة الرقابة الذاتية أو مغادرة البلاد.
ووفق تقارير حقوقية، تستخدم السلطات الإيرانية اتهامات مثل “الدعاية ضد النظام” و”الإخلال بالأمن القومي” في قضايا تطال صحفيين وناشطين إعلاميين، وهي تهم تعتبرها منظمات حقوق الإنسان فضفاضة وقابلة للتفسير بما يسمح بتوسيع نطاق الملاحقات القضائية.
الضغط على عائلات المحتجين
امتد القمع في إيران إلى أسر المحتجين والنشطاء الذين يطالبون بالكشف عن مصير أقاربهم أو يواصلون المطالبة بالعدالة. وتؤكد منظمات حقوقية أن السلطات تستخدم استدعاء أفراد العائلات وتهديدهم ومراقبتهم بهدف منع استمرار الحملات المطالبة بالمحاسبة.
وقالت منظمة العفو الدولية إن عائلات ضحايا الاحتجاجات واجهت مضايقات وتهديدات بسبب محاولاتها الحصول على معلومات حول ظروف وفاة أو احتجاز أبنائها، كما وثقت المنظمة حالات تعرض فيها أقارب المحتجين لضغوط للتوقف عن الحديث أمام وسائل الإعلام أو التواصل مع المنظمات الدولية.
وتشير بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بشأن إيران إلى أن السلطات لم تكتفِ بملاحقة المشاركين في الاحتجاجات، بل استهدفت أيضًا الأشخاص الذين سعوا إلى توثيق الانتهاكات أو المطالبة بالعدالة، معتبرة أن هذا النمط يعكس محاولة لمنع توثيق الانتهاكات المستقبلية.
الأقليات الدينية والقومية
تشمل حملات الاعتقال أيضًا أفرادًا من الأقليات الدينية والقومية في إيران، خاصة البهائيين والأكراد وغيرهم من المجموعات التي تقول منظمات حقوقية إنها تواجه تمييزًا قانونيًا وأمنيًا.
وتؤكد منظمة هيومن رايتس ووتش أن أفراد الطائفة البهائية يتعرضون منذ سنوات لقيود على التعليم والعمل وامتلاك الممتلكات، إضافة إلى الاعتقالات والمحاكمات بسبب معتقداتهم الدينية.
كما تشير تقارير الأمم المتحدة إلى استمرار المخاوف بشأن أوضاع الأقليات القومية، خاصة في المناطق الكردية والبلوشية، حيث شهدت هذه المناطق عمليات أمنية واعتقالات واسعة بعد احتجاجات 2022.
السجون بين الاكتظاظ ونقص الرعاية
تواجه السجون الإيرانية انتقادات مستمرة بسبب ظروف الاحتجاز، حيث تتحدث تقارير حقوقية عن الاكتظاظ ونقص الخدمات الطبية وضعف ظروف النظافة والرعاية الصحية.
وأكد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في إيران أن أوضاع السجون تمثل أحد الملفات الأساسية التي تحتاج إلى مراقبة دولية، مشيرًا إلى ورود تقارير عن استخدام الحبس الانفرادي لفترات طويلة، وحرمان بعض المعتقلين من العلاج، وغياب الضمانات الكافية خلال مراحل التحقيق.
وتبرز أوضاع سجون إيفين وقزل حصار وقرجك وفشافويه ضمن أكثر الملفات إثارة للجدل، حيث تستقبل هذه المنشآت عددًا من السجناء السياسيين والناشطين والصحفيين، وتقول منظمات حقوقية إن بعض المعتقلين يعيشون في ظروف صحية صعبة، خاصة كبار السن أو الأشخاص الذين يعانون أمراضًا مزمنة.
الكفالات الباهظة
تستخدم السلطات الإيرانية نظام الكفالات المالية المرتفعة في عدد من القضايا المتعلقة بالناشطين والمحتجين، وهو ما تعتبره منظمات حقوقية وسيلة إضافية للضغط على المعتقلين وعائلاتهم.
وتشير تقارير مركز عبد الرحمن بورومند ومنظمة حقوق الإنسان في إيران إلى أن بعض الأسر تضطر إلى بيع ممتلكاتها أو الاقتراض لتوفير مبالغ الكفالة المطلوبة للإفراج المؤقت عن ذويها.
وتؤكد المنظمات الحقوقية أن ارتفاع قيمة الكفالات لا يمثل فقط إجراءً قانونيًا، بل يتحول في كثير من الحالات إلى عبء اقتصادي ونفسي على أسر المعتقلين، خصوصًا عندما تكون القضايا مرتبطة بنشاط سياسي أو حقوقي.
الإطار الدولي للمساءلة
تستند الانتقادات الدولية للسياسات الإيرانية إلى مجموعة من الاتفاقيات والمواثيق الدولية، من بينها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادقت عليه إيران، والذي يضمن حرية التعبير والتجمع والمحاكمة العادلة.
وأكد مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان أن الدول ملزمة باحترام حقوق المعتقلين، ومنع التعذيب وسوء المعاملة، وضمان حصول المتهمين على محاكمات عادلة.
كما دعت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بشأن إيران إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، وأوصت بحماية المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والنشطاء من الانتقام بسبب عملهم.
وتواصل المنظمات الحقوقية الدولية مطالبة السلطات الإيرانية بالإفراج عن المعتقلين بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم الأساسية، ووقف استخدام الاعتقالات التعسفية والمحاكمات غير العادلة ضد المعارضين والناشطين.
تاريخ من التضييق على المعارضة
يرتبط ملف قمع المعارضة في إيران بتاريخ طويل من الصراع بين السلطات والتيارات السياسية والاجتماعية المطالبة بمزيد من الحريات. ومنذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، واجهت جماعات سياسية ومدنية وصحفيون وناشطون حقوقيون حملات اعتقال ومحاكمات، خاصة في الفترات التي شهدت اضطرابات سياسية أو احتجاجات شعبية.
وتشير منظمة العفو الدولية إلى أن عقودًا من الممارسات القمعية خلقت نمطًا متكررًا يعتمد على الاعتقالات واسعة النطاق، والمحاكمات أمام المحاكم الثورية، وفرض القيود على حرية التعبير والتنظيم السياسي، وترى المنظمة أن هذا النهج تصاعد خلال الفترات التي شهدت احتجاجات واسعة، بدءًا من الحركة الخضراء عام 2009، مرورًا باحتجاجات 2017 و2019، وصولًا إلى احتجاجات عام 2022 التي اندلعت بعد وفاة مهسا أميني.
وأكدت بعثة تقصي الحقائق الدولية التابعة للأمم المتحدة بشأن إيران أن الاحتجاجات التي بدأت عام 2022 كشفت عن عمق الأزمة المرتبطة بحقوق النساء والحريات الأساسية، مشيرة إلى أن السلطات استخدمت القوة والاعتقالات والإجراءات القضائية لمعاقبة المشاركين والمساندين للحركة الاحتجاجية.
أرقام تكشف حجم الأزمة الحقوقية
تظهر البيانات الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان الدولية أن إيران ما زالت ضمن الدول التي تسجل أعلى معدلات تنفيذ أحكام الإعدام عالميًا، ووفق منظمة العفو الدولية، نفذت إيران مئات الإعدامات خلال السنوات الأخيرة، وكان عام 2023 من أكثر الأعوام دموية، بعدما سجلت المنظمة تنفيذ ما لا يقل عن 853 حكم إعدام، وهو أعلى رقم في البلاد منذ عام 2015.
وأعلنت منظمة حقوق الإنسان في إيران أن عدد الإعدامات ارتفع خلال عام 2024 إلى أكثر من 900 حالة، مشيرة إلى أن نسبة كبيرة منها ارتبطت بقضايا المخدرات، بينما أثارت أحكام أخرى مخاوف بسبب ضعف ضمانات المحاكمة أو ارتباطها بقضايا احتجاجية وسياسية، فيما وثّقت منظمة حقوق الإنسان في إيران ومنظمة معًا ضد عقوبة الإعدام 1639 إعدامًا على الأقل خلال عام 2025.
كما وثقت منظمات حقوقية اعتقال آلاف الأشخاص خلال احتجاجات 2022، بينهم نساء وطلاب وفنانون وصحفيون ونشطاء مدافعون عن حقوق الإنسان.
وأشارت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق إلى أن عددًا كبيرًا من المعتقلين تعرضوا لانتهاكات أثناء الاحتجاز، من بينها التعذيب وسوء المعاملة والضغط للحصول على اعترافات.
المرأة في قلب المواجهة
أصبحت قضية حقوق المرأة محورًا رئيسيًا في المواجهة بين السلطات الإيرانية والحركات الاجتماعية المطالبة بالتغيير، فمنذ احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية”، ارتبط جزء كبير من الحراك الشعبي بمطالب تتعلق بحرية اختيار المرأة لملابسها وحقها في المشاركة الكاملة في الحياة العامة.
وأكدت الأمم المتحدة أن النساء والفتيات في إيران يواجهن قيودًا قانونية واجتماعية واسعة، تشمل قوانين الحجاب الإجباري، والتمييز في بعض جوانب قانون الأسرة والعمل، إضافة إلى مخاطر الاعتقال والمحاكمة عند معارضة هذه السياسات.
وقال المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في إيران إن استمرار الإجراءات العقابية ضد النساء بسبب رفض الحجاب الإجباري يمثل انتهاكًا لحقوق أساسية، داعيًا السلطات الإيرانية إلى مراجعة القوانين والسياسات التي تؤدي إلى التمييز ضد النساء.
مطالب بالمحاسبة
تطالب المنظمات الحقوقية الدولية بفتح تحقيقات مستقلة في الانتهاكات التي شهدتها إيران خلال السنوات الماضية، خاصة ما يتعلق بقتل المتظاهرين، والتعذيب، وأحكام الإعدام، والمعاملة التي يتعرض لها المعتقلون السياسيون.
وأكدت هيومن رايتس ووتش أن الحكومة الإيرانية تتحمل مسؤولية ضمان احترام الحقوق الأساسية لجميع المواطنين، مشيرة إلى أن الاعتقالات التعسفية والمحاكمات غير العادلة تقوض سيادة القانون.
كما دعت منظمة العفو الدولية المجتمع الدولي إلى استخدام الأدوات القانونية والدبلوماسية المتاحة للضغط من أجل الإفراج عن الأشخاص المحتجزين بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم، وضمان حماية المدافعين عن حقوق الإنسان.
وأوصت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بإنشاء آليات مستقلة لمتابعة الانتهاكات وجمع الأدلة المتعلقة بالجرائم المرتكبة، بما يسمح بمحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون الدولي.
القانون الدولي وحقوق المعتقلين
ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تعد إيران طرفًا فيه، على حماية مجموعة من الحقوق الأساسية، من بينها حرية التعبير، وحرية التجمع السلمي، والحق في محاكمة عادلة، وحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو المهينة.
كما تنص اتفاقية مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة على منع استخدام التعذيب تحت أي ظرف، إلا أن إيران لم تصادق على هذه الاتفاقية، وهو ما يشكل أحد الملفات التي تطالب المنظمات الحقوقية بمعالجتها.
وتؤكد الأمم المتحدة أن أي دولة تمتلك الحق في الحفاظ على الأمن العام، لكن هذا الحق لا يمنحها صلاحية تقييد الحقوق الأساسية أو معاقبة الأفراد بسبب التعبير السلمي عن آرائهم أو ممارسة نشاط مدني.
وتكشف التطورات المتلاحقة في إيران عن أزمة مركبة تجمع بين الاعتقالات السياسية، وتقييد حرية التعبير، والضغوط على النساء، وملاحقة الصحفيين والطلاب، واستخدام العقوبات القضائية القاسية.
وبينما تؤكد السلطات الإيرانية أن إجراءاتها تهدف إلى حماية الأمن القومي ومنع الفوضى، ترى منظمات الأمم المتحدة وحقوق الإنسان أن حماية الأمن لا يمكن أن تتحقق عبر تقويض الحقوق الأساسية أو استخدام القضاء كأداة لإسكات المعارضة.

