منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أكبر مقبرة للهجرة في العالم.. البحر المتوسط يبتلع أكثر من 35 ألف مهاجر خلال عقد

04 يوليو 2026
محاولة إنقاذ مهاجرين غير نظاميين
محاولة إنقاذ مهاجرين غير نظاميين

يتجاوز البحر الأبيض المتوسط في السنوات الأخيرة كونه ممراً بحرياً يفصل بين ثلاث قارات، ليصبح أحد أخطر طرق الهجرة في العالم وأكثرها حصداً للأرواح، ومع استمرار الصراعات المسلحة والأزمات الاقتصادية والانتهاكات الحقوقية في عدد من دول الشرق الأوسط وإفريقيا، يواصل عشرات الآلاف المجازفة بحياتهم أملاً في الوصول إلى السواحل الأوروبية، بينما تتحول رحلاتهم في كثير من الأحيان إلى مآسٍ إنسانية تنتهي بالغرق أو الفقدان في عرض البحر.

وتؤكد أحدث البيانات أن عدد الضحايا والمفقودين في البحر المتوسط تجاوز 35 ألف شخص منذ عام 2014، في حصيلة تعكس استمرار واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم.

وذكرت المنظمة الدولية للهجرة، عبر مشروع “مهاجرون مفقودون”، أن عدد الوفيات والمفقودين في البحر الأبيض المتوسط بلغ حتى مطلع يوليو 2026 نحو 35 ألفاً و57 شخصاً منذ بدء توثيق الضحايا عام 2014، وتوضح المنظمة أن البحر المتوسط لا يزال أخطر مسار للهجرة غير النظامية في العالم، رغم تراجع أعداد العابرين مقارنة بذروة أزمة الهجرة عام 2015، لأن مخاطر الرحلات البحرية ارتفعت مع اعتماد المهربين على قوارب أكثر تهالكاً ومسارات أكثر خطورة.

أخطر طرق الهجرة

تشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن طريق وسط البحر المتوسط، الممتد من السواحل الليبية والتونسية نحو جزيرتي لامبيدوزا وصقلية الإيطاليتين، سجل العدد الأكبر من الضحايا، بعدما فقد 26 ألفاً و780 مهاجراً حياتهم أو اختفوا في هذا المسار وحده.

ويعد هذا الطريق الأكثر استخداماً من قبل المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء والسودان وإريتريا وإثيوبيا، إضافة إلى لاجئين فروا من النزاعات في مناطق مختلفة.

وتضيف المنظمة الدولية للهجرة أن طريق غرب البحر المتوسط، الممتد بين المغرب والجزائر والسواحل الإسبانية، سجل أربعة آلاف و799 وفاة أو فقدان، بينما سجل طريق شرق البحر المتوسط، الذي يربط تركيا بالجزر اليونانية، ثلاثة آلاف و300 ضحية ومفقود منذ عام 2014، وتعكس هذه الأرقام اتساع رقعة المخاطر على مختلف طرق العبور البحرية إلى أوروبا.

أرقام تكشف استمرار الكارثة

تؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن البحر المتوسط لا يزال يشهد سقوط ضحايا بشكل شبه يومي، رغم تراجع أعداد الواصلين إلى أوروبا مقارنة بالأعوام التي شهدت ذروة تدفقات الهجرة، وسجل مشروع “مهاجرون مفقودون” آلاف الوفيات خلال عامي 2024 و2025، كما استمرت الحوادث المميتة خلال الأشهر الأولى من عام 2026، ما يشير إلى أن أسباب الأزمة لا تزال قائمة دون حلول جذرية.

وتوضح مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن عشرات الآلاف يواصلون عبور المتوسط سنوياً، وأن غالبية الفارين ينطلقون من ليبيا وتونس وتركيا هرباً من النزاعات المسلحة والاضطهاد والانهيار الاقتصادي وانعدام الأمن الغذائي.

 وتؤكد المفوضية أن كثيراً من هؤلاء يستحقون الحماية الدولية بموجب اتفاقية اللاجئين لعام 1951، إلا أن طرق الوصول القانونية المحدودة تدفعهم إلى الاعتماد على شبكات التهريب.

سياسات أوروبية تحت المجهر

تواجه سياسات الهجرة الأوروبية انتقادات متزايدة من المنظمات الحقوقية والإنسانية، وترى منظمة “إس أو إس ميديتراني”، التي تدير سفن إنقاذ في البحر المتوسط، أن ارتفاع أعداد الضحايا لا يمثل كارثة طبيعية أو حوادث معزولة، بل يعكس نتائج مباشرة لسياسات الهجرة الحالية.

وأكدت المنظمة، في بيان نشرته عبر منصة “إكس”، أن البحر تحوّل إلى جدار يمنع الوصول، ثم إلى مقبرة مفتوحة للمهاجرين، مطالبة الدول الأوروبية بتعزيز عمليات البحث والإنقاذ بدلاً من تقليصها.

وتوجه منظمة العفو الدولية انتقادات متكررة إلى سياسات الاتحاد الأوروبي الخاصة بإدارة الحدود، معتبرة أن بعض الإجراءات تركز على منع الوصول أكثر من تركيزها على حماية الأرواح. ودعت المنظمة إلى توفير ممرات آمنة وقانونية للاجئين وطالبي اللجوء، وتؤكد أن إنقاذ الأرواح في البحر يمثل التزاماً قانونياً وأخلاقياً لا يجوز إخضاعه للاعتبارات السياسية.

قيود على عمليات الإنقاذ

ترى منظمات الإغاثة البحرية أن القيود التي فرضتها الحكومة الإيطالية خلال السنوات الأخيرة على سفن الإنقاذ غير الحكومية أثرت في سرعة الاستجابة لحوادث الغرق.

وتشير منظمة أطباء بلا حدود ومنظمة إس أو إس ميديتراني إلى أن بعض السفن تعرضت لإجراءات إدارية وقيود تشغيلية أجبرتها على التوجه إلى موانئ بعيدة، ما أدى إلى تقليص قدرتها على تنفيذ عمليات إنقاذ متتالية في مناطق الخطر.

في المقابل، تؤكد الحكومة الإيطالية أن سياساتها تستهدف مكافحة شبكات تهريب البشر وتنظيم عمليات الإنقاذ بما ينسجم مع القوانين الوطنية والأوروبية، بينما يواصل الاتحاد الأوروبي الدفاع عن استراتيجيته القائمة على تعزيز حماية الحدود الخارجية، والتعاون مع دول العبور للحد من الهجرة غير النظامية.

دور شبكات التهريب

تؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن شبكات تهريب البشر تستغل الأزمات الإنسانية والفقر والنزاعات المسلحة لاستقطاب المهاجرين غير النظاميين، ثم تدفعهم إلى البحر على متن قوارب متهالكة تفتقر إلى الحد الأدنى من معايير السلامة.

 وتضيف المنظمة أن كثيراً من الضحايا لا تسجل هوياتهم بسبب اختفاء القوارب بالكامل أو عدم العثور على الجثث، ما يعني أن العدد الحقيقي للضحايا قد يكون أعلى من الإحصاءات الموثقة.

مواسم الموت تتكرر

تؤكد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن ارتفاع درجات الحرارة وتحسن الأحوال الجوية خلال فصلي الربيع والصيف يؤديان سنوياً إلى زيادة محاولات العبور عبر البحر المتوسط، وهو ما يرفع أيضاً عدد حوادث الغرق.

وتشير المفوضية إلى أن المهربين يستغلون هذه الفترة لإطلاق مزيد من القوارب المحملة بأعداد تفوق قدرتها الاستيعابية، بينما تعجز فرق الإنقاذ في كثير من الحالات عن الوصول إليها في الوقت المناسب.

أسباب تتجاوز الهجرة

ترجع المنظمة الدولية للهجرة الدوافع الرئيسية للهجرة عبر البحر المتوسط إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، تشمل النزاعات المسلحة في السودان وسوريا، والانهيار الاقتصادي في عدد من الدول الإفريقية، وتداعيات تغير المناخ، واتساع رقعة الفقر، وانتهاكات حقوق الإنسان، إضافة إلى عدم الاستقرار السياسي في دول العبور والانطلاق، وتوضح المنظمة أن معظم المهاجرين لا ينظرون إلى الرحلة البحرية باعتبارها خياراً، بل باعتبارها الملاذ الأخير بعد استنفاد وسائل البقاء في بلدانهم.

ليبيا وتونس في قلب الأزمة

تشير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة إلى أن ليبيا لا تزال تمثل نقطة الانطلاق الرئيسية للمهاجرين نحو أوروبا، رغم الانتهاكات الواسعة التي وثقتها الأمم المتحدة داخل مراكز الاحتجاز.

كما أصبحت تونس خلال الأعوام الأخيرة إحدى أبرز نقاط المغادرة نحو السواحل الإيطالية، في ظل زيادة أعداد المهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء وتنامي نشاط شبكات التهريب على سواحلها.

مواقف حقوقية متصاعدة

تؤكد منظمة هيومن رايتس ووتش أن سياسات بعض الدول الأوروبية المتعلقة بإعادة المهاجرين أو دعم اعتراض القوارب في عرض البحر تثير مخاوف حقوقية، لأنها قد تعرض طالبي اللجوء لخطر الإعادة إلى أماكن يواجهون فيها التعذيب أو الاحتجاز التعسفي أو غيره من الانتهاكات.

وتدعو المنظمة الحكومات الأوروبية إلى ضمان احترام الحق في طلب اللجوء، وعدم اتخاذ إجراءات تؤدي إلى انتهاك مبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في القانون الدولي.

وتشير منظمة العفو الدولية إلى أن الاعتماد المتزايد على الاتفاقيات مع دول العبور للحد من الهجرة لم ينجح في إنهاء الظاهرة، بل دفع المهاجرين إلى استخدام طرق أكثر خطورة، وهو ما أسهم في زيادة أعداد الوفيات والمفقودين، وترى المنظمة أن السياسات الحالية تحتاج إلى مراجعة شاملة تضع حماية الإنسان في مقدمة الأولويات.

القانون الدولي يحدد المسؤوليات

توضح المنظمة البحرية الدولية أن اتفاقية سلامة الأرواح في البحار واتفاقية البحث والإنقاذ البحري تلزمان السفن والدول بتقديم المساعدة الفورية لأي شخص يواجه خطراً في البحر، بغض النظر عن جنسيته أو وضعه القانوني، كما تؤكد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار واجب إنقاذ الأشخاص المعرضين للغرق، بينما يحظر القانون الدولي للاجئين إعادة أي شخص إلى دولة قد يتعرض فيها للاضطهاد أو الخطر، وفق مبدأ عدم الإعادة القسرية الذي يشكل أحد أهم مبادئ اتفاقية اللاجئين لعام 1951.

تحديات أمام أوروبا

تشير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء إلى أن دول الاتحاد الأوروبي تواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في حماية الحدود الخارجية من جهة، وضمان احترام الالتزامات الإنسانية والقانونية من جهة أخرى. وتؤكد الوكالة أن غياب توافق أوروبي كامل بشأن تقاسم مسؤولية استقبال طالبي اللجوء يزيد الضغوط على دول الوصول الأولى، مثل إيطاليا واليونان ومالطا وإسبانيا، ويؤخر تنفيذ حلول مستدامة للأزمة.

دعوات إلى حلول شاملة

تطالب المنظمة الدولية للهجرة ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بزيادة مسارات الهجرة النظامية، وتوسيع برامج إعادة التوطين، وتعزيز عمليات البحث والإنقاذ، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر، إلى جانب معالجة الأسباب الجذرية للهجرة من خلال دعم التنمية والاستقرار في الدول المصدرة للمهاجرين، وترى المنظمتان أن الاكتفاء بالإجراءات الأمنية لن يؤدي إلى وقف الهجرة، بل سيدفع مزيداً من الأشخاص إلى سلوك طرق أكثر خطورة.

وتؤكد المنظمات الحقوقية أن استمرار ارتفاع أعداد الضحايا يعكس فشل المجتمع الدولي في بناء منظومة متوازنة تجمع بين إدارة الحدود واحترام الحقوق الأساسية للمهاجرين واللاجئين، محذرة من أن غياب الحلول المشتركة سيُبقي البحر المتوسط أحد أكثر طرق الهجرة دموية في العالم.

بدأت المنظمة الدولية للهجرة توثيق الوفيات وحالات الفقدان عبر مشروع مهاجرون مفقودون عام 2014، بهدف إنشاء قاعدة بيانات عالمية ترصد ضحايا الهجرة على مختلف المسارات، ومنذ ذلك الوقت، احتل البحر الأبيض المتوسط المرتبة الأولى عالمياً من حيث عدد الضحايا والمفقودين، خاصة بعد أزمة اللجوء الكبرى عام 2015 التي دفعت أكثر من مليون شخص إلى الوصول بحراً إلى أوروبا.

ورغم تراجع أعداد الواصلين خلال السنوات التالية نتيجة تشديد الرقابة الحدودية والاتفاقيات التي أبرمها الاتحاد الأوروبي مع عدد من دول العبور، لم تتراجع معدلات الوفاة بالوتيرة نفسها، إذ دفعت القيود المتزايدة المهربين إلى استخدام قوارب أقل أماناً ومسارات أطول وأكثر خطورة.

وتؤكد الأمم المتحدة أن حماية الأرواح في البحر تمثل التزاماً قانونياً ثابتاً لا يرتبط بالوضع القانوني للمهاجرين، بينما تشدد المنظمات الحقوقية على أن معالجة الأزمة تتطلب الجمع بين الإنقاذ الفوري، واحترام القانون الدولي، وتوسيع قنوات الهجرة الآمنة، ومعالجة الأسباب السياسية والاقتصادية والإنسانية التي تدفع آلاف الأشخاص إلى المخاطرة بحياتهم في البحر المتوسط كل عام.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print