في الظلام، وعلى متن قوارب مطاطية متهالكة، يواصل المهاجرون واللاجئون رحلتهم عبر بحر إيجه الفاصل بين تركيا واليونان، مدفوعين بالخوف من الحروب أو الفقر أو الاضطهاد، لكن الطريق الذي يُنظر إليه بوصفه بوابة نحو أوروبا، تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى واحد من أخطر الممرات البحرية في العالم، حيث تتكرر مشاهد الغرق والاختفاء والموت، وسط اتهامات متصاعدة لليونان والاتحاد الأوروبي بانتهاج سياسات ردع قاسية، في حين تؤكد أثينا أنها تدافع عن حدودها وتحارب شبكات التهريب.
ومع استمرار التوترات الإقليمية والأزمات الإنسانية في الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا، عاد بحر إيجه خلال 2025 و2026 إلى واجهة الاهتمام الدولي، بعد سلسلة من الحوادث الدامية التي أعادت طرح الأسئلة القديمة حول مسؤولية أوروبا القانونية والأخلاقية تجاه طالبي اللجوء.
مأساة جديدة
في 7 مايو الجاري، أعلن خفر السواحل التركي، وفق بيان رسمي، وفاة مهاجر وإنقاذ 43 آخرين قبالة سواحل منطقة فوتشا غرب تركيا، بعد تعرض قارب مطاطي لخطر الغرق قرب جزيرة ليسبوس اليونانية، وأكدت السلطات التركية أنها انتشلت جثة أحد المهاجرين وأوقفت شخصاً يُشتبه في عمله بتهريب البشر.
لكن الرواية لم تتوقف عند هذا الحد، فقد قالت منظمة تقرير قوارب إيجه النرويجية، المتخصصة في توثيق حوادث الهجرة والانتهاكات في بحر إيجه، إن الناجين أكدوا أن خفر السواحل اليوناني قام بإجبار القارب على العودة نحو المياه التركية، مع إتلاف محركه وتركه ينجرف في البحر وهو تتسرب إليه المياه.
وقالت المنظمة في بيان إن ما حدث ليس حادثة معزولة، بل نتيجة سياسة ممنهجة تُمارس منذ سنوات تحت أنظار أوروبا، مضيفة أن غياب التحقيقات المستقلة والمحاسبة شجع على تكرار هذه الممارسات.
اليونان تنفي والاتهامات تتكرر
السلطات اليونانية نفت مراراً تنفيذ عمليات إعادة قسرية للمهاجرين، وأكدت أن خفر السواحل يعمل وفق القانون الدولي بهدف حماية الحدود الأوروبية ومنع شبكات التهريب من استغلال المهاجرين.
لكن منظمات حقوقية دولية، بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وثقت خلال الأعوام الماضية شهادات متكررة لمهاجرين تحدثوا عن اعتراض قواربهم وإجبارهم على العودة نحو تركيا دون السماح لهم بتقديم طلبات لجوء.
وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقرير صدر أواخر 2025، إن عمليات الإعادة القسرية في بحر إيجه تعرض حياة طالبي اللجوء للخطر وتمثل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي، كما طالبت المنظمة الاتحاد الأوروبي بإجراء تحقيقات شفافة ومستقلة في الانتهاكات الموثقة على الحدود اليونانية.
أما المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فأكدت في بيان صدر في فبراير 2026 عقب حادث غرق قرب جزيرة خيوس، أن “إنقاذ الأرواح في البحر واجب قانوني وإنساني”، داعية إلى توضيح كامل وشفاف لملابسات الحوادث البحرية.
أرقام تكشف حجم المأساة
الأرقام الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات الدولية تعكس حجم الكارثة الإنسانية المتواصلة في البحر المتوسط وبحر إيجه تحديداً، وبحسب بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حتى أبريل 2026، وصل أكثر من 18500 مهاجر ولاجئ إلى اليونان بحراً، معظمهم عبر بحر إيجه، في حين سُجل 192 قتيلاً أو مفقوداً على طرق البحر المتوسط وغرب إفريقيا خلال الأشهر الأولى من العام.
كما أظهرت بيانات المفوضية أن عام 2025 شهد وصول نحو 154500 مهاجر إلى أوروبا عبر طرق المتوسط المختلفة، مقابل وفاة أو فقدان 2950 شخصاً أثناء الرحلة، أما في 2024 فقد بلغ عدد الضحايا 3580 شخصاً.
وفي بحر إيجه وحده، أكدت المفوضية أن 3148 شخصاً فقدوا حياتهم أو اختفوا بين عامي 2015 و2025.
كما أوضحت بيانات لوحة الوصول البحري إلى اليونان التابعة للمفوضية أن 2156 مهاجراً وصلوا إلى اليونان بحراً خلال أول شهرين فقط من 2026، معظمهم من أفغانستان والسودان واليمن ومصر والصومال، بينهم 21 بالمئة من الأطفال و17 بالمئة من النساء.
أما تركيا التي تستضيف أكبر عدد من اللاجئين في العالم، فأعلنت مديرية الهجرة التركية خلال 2026 أن عدد السوريين الخاضعين للحماية المؤقتة يتجاوز 3 ملايين شخص، إضافة إلى مئات الآلاف من طالبي اللجوء من جنسيات أخرى.
حادثة خيوس
في فبراير 2026 شهد بحر إيجه واحدة من أكثر الحوادث إثارة للجدل، حين اصطدم قارب مهاجرين بدورية لخفر السواحل اليوناني قرب جزيرة خيوس، ما أدى إلى مقتل 15 مهاجراً، معظمهم من الأفغان، بينهم أطفال ونساء.
وفي حين قالت السلطات اليونانية إن القارب حاول الفرار وغيّر اتجاهه بشكل مفاجئ، تحدث ناجون لصحيفة “كاثيميريني” اليونانية عن غياب التحذيرات الكافية، مؤكدين أن الاصطدام وقع بسرعة كبيرة.
ووفق وكالة رويترز، أظهرت نتائج تشريح جثث عدد من الضحايا أنهم توفوا نتيجة إصابات في الرأس، وليس بسبب الغرق فقط، ما أثار موجة جديدة من التساؤلات بشأن طريقة تعامل السلطات مع قوارب المهاجرين.
قانون دولي تحت الاختبار
وتؤكد المنظمات الحقوقية أن ما يحدث في بحر إيجه لا يتعلق فقط بإدارة الحدود، بل باحترام قواعد القانون الدولي، فوفق اتفاقية جنيف الخاصة باللاجئين لعام 1951، يُمنع إعادة أي شخص إلى مكان قد يتعرض فيه للخطر، وهو ما يُعرف بمبدأ عدم الإعادة القسرية، كما يفرض القانون البحري الدولي التزاماً واضحاً بإنقاذ الأشخاص المعرضين للخطر في البحر.
وقالت منظمة العفو الدولية في عدة تقارير إن السياسات الأوروبية الحالية تركز على الردع الأمني أكثر من حماية الأرواح، في حين حذر مجلس أوروبا لحقوق الإنسان خلال 2025 من أن استمرار عمليات الإعادة القسرية يقوض التزامات أوروبا الحقوقية.
أما منظمة أطباء بلا حدود، فأكدت في تقرير ميداني خلال 2026 أن المهاجرين في الجزر اليونانية يعيشون في ظروف غير إنسانية، تشمل الاكتظاظ ونقص الرعاية الصحية والدعم النفسي، خاصة للأطفال والنساء.
الاتحاد الأوروبي وسياسة الردع
يرتبط الوضع الحالي في بحر إيجه بشكل مباشر باتفاق الهجرة الموقّع بين تركيا والاتحاد الأوروبي في مارس 2016، والذي نص على منع تدفق المهاجرين نحو أوروبا مقابل دعم مالي لأنقرة.
ورغم أن الاتفاق أسهم في خفض أعداد الوافدين مقارنة بذروة أزمة 2015، فإنه واجه انتقادات حقوقية واسعة بسبب تركيزه على إغلاق الحدود أكثر من توفير ممرات آمنة للاجئين.
ويرى مراقبون أن الاتحاد الأوروبي بات يعتمد بشكل متزايد على دول العبور مثل تركيا وليبيا لمنع وصول المهاجرين إلى أوروبا، حتى وإن كان ذلك على حساب المعايير الإنسانية.
كما تواجه وكالة “فرونتكس” الأوروبية المكلفة بحماية الحدود اتهامات متكررة بالتغاضي عن انتهاكات ضد المهاجرين في البحر المتوسط، وهي اتهامات سبق أن دفعت البرلمان الأوروبي إلى المطالبة بمراجعة آليات الرقابة والمساءلة داخل الوكالة.
الأطفال في قلب الكارثة
الأطفال يشكلون أحد أكثر جوانب الأزمة قسوة، ووفق بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لعام 2026، فإن 21 بالمئة من الواصلين إلى اليونان بحراً كانوا من الأطفال، بينهم نسبة كبيرة من القاصرين غير المصحوبين بذويهم.
وتقول منظمات الإغاثة إن كثيراً من الأطفال الذين ينجون من الغرق يعانون لاحقاً من صدمات نفسية حادة بسبب مشاهد الموت والخوف وفقدان أفراد من عائلاتهم أثناء الرحلة.
وفي أكتوبر 2025 وصفت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ذلك الشهر بأنه الأكثر دموية في بحر إيجه خلال العام، بعد وفاة 15 شخصاً في عدة حوادث غرق قرب جزر ليسبوس وساموس وخيوس ورودس.
أزمة مستمرة منذ عقد
بدأ بحر إيجه يتحول إلى أحد أخطر طرق الهجرة نحو أوروبا مع تصاعد الحرب السورية بعد 2011، حين فر ملايين اللاجئين عبر تركيا باتجاه أوروبا.
وفي ذروة أزمة اللجوء عام 2015 عبر أكثر من مليون مهاجر ولاجئ البحر المتوسط نحو أوروبا، وكان المسار الشرقي عبر تركيا واليونان من أكثر الطرق استخداماً.
وفي سبتمبر 2015 صدمت صورة الطفل السوري آلان كردي الذي عُثر على جثمانه على أحد الشواطئ التركية، الرأي العام العالمي، لتتحول إلى رمز لمأساة اللاجئين.
لكن بعد أكثر من عقد، لا تزال المأساة تتكرر يومياً تقريباً، فمع كل قارب يغادر السواحل التركية ليلاً، تعود الأسئلة ذاتها حول حدود المسؤولية الإنسانية والقانونية، وحول ما إذا كانت أوروبا تحمي حدودها فقط، أم تدفع آلاف المستضعفين نحو الموت في البحر.
وبين الدوريات البحرية والأسلاك السياسية، يبقى بحر إيجه شاهداً مفتوحاً على واحدة من أكثر أزمات العصر قسوة وتعقيداً.

