في أحد مخيمات النزوح شمالي سوريا، تحاول أم سورية توزيع ما تبقى لديها من الخبز على أطفالها الخمسة، بعدما أصبحت الوجبات الكاملة رفاهية يصعب توفيرها.. هذا المشهد، الذي يتكرر يوميا في مناطق واسعة من البلاد، بات أكثر قسوة مع إعلان برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة تقليص مساعداته الغذائية بسبب أزمة نقص التمويل، في خطوة تنذر بتفاقم أزمة الجوع في بلد يواجه واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم.
وبحسب برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، فقد خفض البرنامج مساعداته الغذائية الطارئة بنسبة 50 بالمئة خلال مايو 2026، ليتراجع عدد المستفيدين من 1.3 مليون شخص إلى نحو 650 ألف شخص فقط، كما أوقف البرنامج دعم الخبز على مستوى البلاد، وهو المشروع الذي كان يؤمّن الخبز المدعوم لنحو 4 ملايين شخص يوميا عبر تزويد أكثر من 300 مخبز بدقيق القمح المدعم في المناطق الأكثر هشاشة وفق بيانات البرنامج الأممي.
أزمة غذائية متفاقمة
وأكد برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة أن نحو 7.2 مليون شخص داخل سوريا يعانون حاليا من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم 1.6 مليون شخص يعيشون أوضاعا غذائية حرجة، وتشير بيانات البرنامج إلى أن آلاف الأسر السورية باتت تضطر إلى تقليص عدد الوجبات اليومية أو الاعتماد على أطعمة منخفضة القيمة الغذائية، بينما تلجأ عائلات أخرى إلى الاستدانة أو بيع ممتلكاتها لتأمين الغذاء.
ووفقا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، يحتاج أكثر من 16.7 مليون شخص داخل سوريا إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026، في أعلى مستوى للاحتياجات الإنسانية منذ اندلاع النزاع عام 2011، كما أكدت الأمم المتحدة أن أكثر من 90 بالمئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، في وقت يواصل فيه الاقتصاد السوري تسجيل معدلات انهيار غير مسبوقة.
الخبز.. خط الدفاع الأخير
وأوضح برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة أن برنامج دعم الخبز كان يمثل إحدى آخر شبكات الأمان الغذائي في سوريا، إذ أسهم في إبقاء الخبز، وهو الغذاء الأساسي للأسر الفقيرة، في متناول ملايين السوريين رغم الارتفاع الحاد في الأسعار.
وقالت ماريان وارد، المديرة القطرية لبرنامج الأغذية العالمي في سوريا، إن تقليص المساعدات لا يرتبط بانخفاض الاحتياجات الإنسانية بل بأزمة التمويل، مؤكدة أن سحب شبكة الأمان الغذائية في هذا التوقيت يحمل تداعيات خطيرة على الأمن الغذائي والتماسك الاجتماعي والاستقرار.
وأضافت أن البرنامج يحتاج إلى 189 مليون دولار خلال الفترة الممتدة من يونيو إلى نوفمبر 2026 للحفاظ على الحد الأدنى من المساعدات الغذائية والتغذوية المنقذة للحياة داخل سوريا.
ارتفاع الأسعار وانهيار القدرة الشرائية
ووفقا لتقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي، يعيش الاقتصاد السوري واحدة من أسوأ أزماته منذ بدء الحرب، مع استمرار انهيار قيمة العملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، وأكدت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا أن أسعار الغذاء في سوريا ارتفعت بأكثر من 200 بالمئة خلال السنوات الأخيرة، بينما فقدت غالبية الأسر قدرتها على تأمين الاحتياجات الأساسية.
وأشار البنك الدولي إلى أن أكثر من ربع البنية التحتية السورية تعرض للتدمير أو الضرر الجزئي، بما في ذلك قطاعات الزراعة والري والطاقة، ما انعكس بشكل مباشر على إنتاج الغذاء وتكاليفه.
وأكدت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أن إنتاج القمح السوري تراجع بشكل حاد مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، نتيجة تضرر الأراضي الزراعية وارتفاع أسعار الوقود والأسمدة والجفاف المتكرر.

الأطفال يدفعون الثمن الأكبر
وأكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” أن أطفال سوريا يواجهون مخاطر متزايدة بسبب تراجع المساعدات الغذائية وارتفاع معدلات الفقر، ووفقا لليونيسف، يعاني أكثر من 650 ألف طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية المزمن أو التقزم، بينما يواجه ملايين الأطفال مخاطر صحية وتعليمية متفاقمة بسبب الجوع والفقر.
وقالت اليونيسف إن عددا متزايدا من الأسر السورية أصبح يعتمد على تشغيل الأطفال أو تزويج القاصرات كوسيلة للتكيف مع الانهيار الاقتصادي، خاصة في مخيمات النزوح والمناطق الريفية الفقيرة.
كما حذّرت منظمة الصحة العالمية من أن سوء التغذية يرفع احتمالات انتشار الأمراض المعدية والأوبئة، خصوصا في المناطق التي تعاني نقص الخدمات الصحية ومياه الشرب.
النازحون واللاجئون في دائرة الخطر
وأكد المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن الأزمة لا تقتصر على الداخل السوري، بل تمتد إلى ملايين اللاجئين السوريين في دول الجوار. ووفقا للمفوضية، لا يزال أكثر من 5.5 مليون لاجئ سوري يعيشون في تركيا ولبنان والأردن والعراق ومصر، بينما يعاني كثير منهم أوضاعا اقتصادية صعبة مع تراجع المساعدات الدولية.
وأوضح برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة أن الأردن أوقف المساعدات الغذائية النقدية لنحو 135 ألف لاجئ سوري يعيشون في المجتمعات المضيفة، مع استمرار تقديم دعم مخفض لنحو 85 ألف لاجئ داخل المخيمات، كما يواجه نحو 20 ألف لاجئ سوري في مصر خفضا في المساعدات، بينما تعتمد أعداد كبيرة من اللاجئين في لبنان بشكل شبه كامل على الدعم الإنساني.
وأكدت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيدا من الأسر إلى اللجوء إلى عمالة الأطفال والهجرة غير النظامية والزواج المبكر والتسرب المدرسي.
تحذيرات حقوقية
وأعربت منظمة هيومن رايتس ووتش عن قلقها من التداعيات الحقوقية لتراجع المساعدات الغذائية، مؤكدة أن الحق في الغذاء يعد من الحقوق الأساسية المكفولة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.
وقالت منظمة العفو الدولية إن ملايين السوريين باتوا مهددين بالحرمان من الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة بسبب تراجع التمويل الإنساني، داعية الدول المانحة إلى الوفاء بالتزاماتها الإنسانية تجاه المدنيين المتضررين من النزاع.
وأكدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن الأزمة الاقتصادية وتراجع المساعدات يدفعان أعدادا متزايدة من العائلات إلى تبني آليات تكيّف خطيرة، مثل تقليص الوجبات الغذائية والتخلي عن التعليم والعمل في مهن خطرة.
وأوضحت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن ضمان وصول الغذاء والمساعدات الإنسانية إلى المدنيين يمثل التزاما أساسيا بموجب القانون الدولي الإنساني، خاصة في النزاعات الممتدة التي تشهد انهيارا اقتصاديا واسع النطاق.
أسباب أزمة التمويل
ويرى مسؤولون أمميون أن أزمة التمويل الحالية ترتبط بتراجع المساهمات الدولية وارتفاع عدد الأزمات الإنسانية حول العالم، وأكد برنامج الأغذية العالمي أن تصاعد الاحتياجات الإنسانية في غزة والسودان وأوكرانيا أدى إلى زيادة الضغط على الموارد الدولية المتاحة.
كما أشارت الأمم المتحدة إلى أن المانحين الدوليين يواجهون ضغوطا اقتصادية داخلية، بينما أدى استمرار الأزمة السورية لأكثر من 15 عاما إلى تراجع الاهتمام السياسي والإعلامي العالمي بالملف السوري مقارنة بسنوات الحرب الأولى.
وأكد سامر عبد الجابر، المدير الإقليمي لبرنامج الأغذية العالمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأوروبا الشرقية، أن استمرار نقص التمويل يهدد بتقويض المكاسب الإنسانية التي تحققت خلال السنوات الماضية، محذرا من أن ملايين الأشخاص قد ينزلقون مجددا نحو مستويات أكثر خطورة من الجوع وانعدام الأمن الغذائي.
أبعاد قانونية وإنسانية
وأكدت الأمم المتحدة أن الحق في الغذاء مكفول بموجب المادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي تنص على حق كل إنسان في مستوى معيشي كاف له ولأسرته، بما يشمل الغذاء الكافي.
وقالت منظمة العفو الدولية إن تراجع التمويل الإنساني لا يمثل مجرد أزمة مالية، بل يهدد حقوقا أساسية مرتبطة بالحياة والكرامة الإنسانية، كما شددت هيومن رايتس ووتش على ضرورة تحييد المساعدات الإنسانية عن التجاذبات السياسية والتمويلية.
وأكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن استخدام الجوع أو حرمان المدنيين من الاحتياجات الأساسية يؤدي إلى تفكك المجتمعات وتهديد الاستقرار على المدى الطويل.
يذكر أنه منذ اندلاع النزاع السوري عام 2011، تعرضت البنية الاقتصادية والزراعية والخدمية في البلاد لدمار واسع، ما أدى إلى انهيار تدريجي في الأمن الغذائي. وتسببت الحرب في نزوح ملايين السكان، وتراجع إنتاج القمح، وتدمير شبكات الري والكهرباء، إضافة إلى ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة والمواد الغذائية.
وخلال السنوات الماضية، تحول برنامج الأغذية العالمي إلى أحد أكبر مصادر الدعم الغذائي للسوريين داخل البلاد وخارجها، حيث قدم مساعدات غذائية ونقدية لملايين الأشخاص شهريا.. إلا أن التراجع المستمر في التمويل الدولي منذ عام 2023 دفع البرنامج إلى تقليص عملياته تدريجيا، وصولا إلى التخفيضات الواسعة الحالية.
وفي بلد أنهكته الحرب والانهيار الاقتصادي والنزوح الطويل، يبدو تقليص المساعدات الغذائية أكثر من مجرد أزمة تمويل عابرة، إذ يمثل تهديدا مباشرا لبقاء ملايين السوريين الذين بات الخبز بالنسبة إليهم الحد الفاصل بين الجوع والحياة.

