بعد سنوات طويلة من الحرب والاعتقال والاختفاء القسري، ما تزال آلاف العائلات السورية تعيش على أمل معرفة مصير أبنائها، في حين تتكدس ملفات الضحايا والانتهاكات داخل بلد أنهكته المأساة والانقسام، وفي هذا المشهد المعقد، جاء تأسيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا قبل عام باعتباره واحدة من أبرز المحاولات الرسمية لفتح ملفات الماضي الثقيل، وكشف الحقيقة، وملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات، وسط تحديات سياسية وقانونية وإنسانية غير مسبوقة.
وبينما ترى السلطات السورية أن الهيئة تمثل خطوة نحو بناء دولة القانون وتعزيز المصالحة الوطنية، تراقب المنظمات الحقوقية والأممية هذا المسار بحذر، في ظل تساؤلات متزايدة حول قدرة العدالة الانتقالية على التعامل مع إرث أكثر من عقد من الحرب والدمار والمفقودين والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان.
وبحسب الوكالة العربية السورية للأنباء سانا، فإن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية تأسست بموجب المرسوم الرئاسي رقم 20 لعام 2025 الصادر في 17 مايو من العام الماضي بوصفها هيئة مستقلة مالياً وإدارياً تتولى ملفات كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر وحفظ الذاكرة الوطنية، وخلال عامها الأول، كثفت الهيئة اجتماعاتها مع الوزارات السورية والمنظمات الأممية والدولية ومنظمات المجتمع المدني، بهدف بناء إطار قانوني ومؤسساتي لمعالجة إرث الانتهاكات التي شهدتها البلاد منذ عام 2011.
إرث ثقيل من الدم والمفقودين
تواجه الهيئة واحدة من أعقد المهام الحقوقية في تاريخ سوريا الحديث. فبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، يحتاج نحو 16.5 مليون سوري إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2025، في حين لا يزال ملايين السوريين يعيشون آثار النزوح والفقر وانهيار الخدمات الأساسية، وأكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في سوريا آدم عبد المولى أن التمويل الدولي لخطة الاستجابة الإنسانية لا يغطي سوى جزء محدود من الاحتياجات المتزايدة.
أما ملف المختفين قسرياً، فيبقى الأكثر إيلاماً داخل المجتمع السوري. وأكدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها السنوي الرابع عشر الصادر في أغسطس 2025 أن ما لا يقل عن 177 ألفاً و57 شخصاً ما زالوا مختفين قسرياً منذ عام 2011، بينهم آلاف النساء والأطفال، مشيرة إلى أن هذه الجريمة تحولت إلى واحدة من أكثر الانتهاكات البنيوية تأثيراً في المجتمع السوري.
كما وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقارير أخرى مقتل آلاف المعتقلين تحت التعذيب أو عبر الإعدام السري داخل السجون، معتبرة أن الكشف عن مصير المفقودين يمثل أولوية إنسانية وقانونية لا يمكن تجاوزها ضمن أي مسار للعدالة الانتقالية.
بناء مؤسسات العدالة
ركزت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية خلال عامها الأول على بناء هيكلها الإداري والقانوني، حيث أعدت نظامها الداخلي ومدونة السلوك الخاصة بها، وشكلت ست لجان متخصصة توزعت مهامها بين التوثيق والتحقيق وجمع الأدلة وإدارة قواعد البيانات والتنسيق القانوني والمجتمعي.
وذكرت الهيئة، عبر بياناتها الرسمية، أنها أجرت لقاءات موسعة مع الجهات القضائية في سوريا لمناقشة مشروع قانون العدالة الانتقالية الذي وصل إلى مراحله الأخيرة قبل عرضه على مجلس الشعب بعد تشكيله، كما ناقشت آليات السماح لفرق الهيئة بزيارة السجون والاطلاع على ملفات الموقوفين، في خطوة تعدها منظمات حقوقية اختباراً أساسياً لجدية مسار العدالة.
وشملت جهود الهيئة أيضاً إطلاق مشروع لتوثيق الذاكرة الوطنية، بهدف حفظ الشهادات والوثائق المتعلقة بالانتهاكات والمجازر وملفات المفقودين، وإنشاء أرشيف وطني يمكن أن يستخدم مستقبلاً في المحاكمات أو عمليات كشف الحقيقة.
لقاءات مع الضحايا
واحدة من أبرز الخطوات التي نفذتها الهيئة تمثلت في عقد جلسات حوارية مع ذوي الضحايا والمفقودين في عدة محافظات سورية. واستمعت فرق الهيئة إلى شهادات ناجين من الاعتقال والتعذيب، إضافة إلى عائلات فقدت أبناءها خلال الحرب أو ما تزال تجهل مصيرهم حتى اليوم.
وتقول الهيئة إن هذه اللقاءات تهدف إلى بناء سجل وطني شامل للضحايا في سوريا، بالتعاون مع الصندوق الدولي للناجين والناجيات، ما يضمن حفظ كرامة الضحايا وتوثيق الانتهاكات بصورة قانونية ومؤسساتية.
لكن منظمات حقوقية سورية ترى أن نجاح هذه الخطوات يتطلب ضمانات حقيقية لحماية الشهود والضحايا، وأكدت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا أن أي عملية عدالة انتقالية يجب أن تقوم على مبدأ عدم التمييز بين الضحايا، مع توفير حماية قانونية كاملة للشهود والمبلغين عن الانتهاكات.
المنظمات الحقوقية تراقب بحذر
ورغم الترحيب الحذر بإنشاء الهيئة، تؤكد منظمات حقوقية دولية أن نجاح العدالة الانتقالية في سوريا لا يقاس بعدد الاجتماعات أو ورشات العمل، بل بقدرتها على تحقيق مساءلة حقيقية ومنع الإفلات من العقاب.
منظمة العفو الدولية قالت في تقريرها السنوي عن سوريا إن تأسيس الهيئة يمثل خطوة مهمة نحو معالجة الانتهاكات، لكنها شددت على ضرورة استقلال القضاء وضمان المحاسبة العادلة لجميع المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات دون استثناء.
أما الشبكة السورية لحقوق الإنسان فاعتبرت أن أي مسار للعدالة الانتقالية يجب أن يترافق مع إصلاح مؤسساتي شامل للأجهزة الأمنية والقضائية؛ لأن غياب الإصلاح قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الانتهاكات نفسها بصورة مختلفة.
وفي السياق نفسه، شددت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا على أن البلاد ما تزال تشهد انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان خلال عام 2025، ومنها أعمال قتل جماعي واعتقالات تعسفية وانتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في بعض المناطق السورية.
العدالة أم المصالحة؟
أحد أكثر الأسئلة حساسية داخل المشهد السوري يتعلق بالعلاقة بين العدالة والمصالحة، فهناك مخاوف لدى بعض الضحايا من أن تتحول العدالة الانتقالية إلى تسويات سياسية لا تحقق محاسبة حقيقية، في حين يرى آخرون أن البلاد تحتاج إلى مقاربة متوازنة تمنع انهيار السلم الأهلي.
وفي هذا السياق ركزت الهيئة على دراسة تجارب دولية مشابهة، خصوصاً تجربة رواندا بعد الإبادة الجماعية وتجربة جنوب إفريقيا بعد الفصل العنصري، حيث أجرت وفود الهيئة زيارات إلى لاهاي ورواندا للاطلاع على آليات المحاسبة والمصالحة وإعادة بناء المؤسسات القانونية.
كما ناقشت الهيئة مع محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية ووكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في العدالة الجنائية “يوروجست” سبل تعزيز التعاون الفني والقضائي وتبادل الخبرات المتعلقة بملاحقة مرتكبي الجرائم وحفظ الأدلة.
تحديات سياسية وقانونية
لكن الطريق أمام الهيئة ما يزال مليئاً بالتحديات. فالبنية القضائية السورية تعرضت لتفكك واسع خلال سنوات الحرب، كما أن الانقسام السياسي والاجتماعي يجعل الوصول إلى توافق وطني حول العدالة الانتقالية أمراً شديد التعقيد.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن سوريا ما تزال تواجه تهديدات أمنية وإنسانية كبيرة، منها انتشار الألغام ومخلفات الحرب التي تسببت منذ ديسمبر 2024 في سقوط أكثر من 600 ضحية، ثلثهم من الأطفال، كما تستمر أزمة النزوح والفقر وانهيار الخدمات الأساسية، في وقت يعاني فيه أكثر من 90 بالمئة من السوريين من مستويات مختلفة من الفقر.
ويرى خبراء الأمم المتحدة أن العدالة الانتقالية في سوريا لن تنجح دون معالجة ملفات حساسة، أبرزها المقابر الجماعية وجرائم التعذيب والاختفاء القسري وإصلاح الأجهزة الأمنية والقضائية وضمان استقلالية المحاكم.
كما تواجه الهيئة تحدياً إضافياً يتمثل في استعادة ثقة السوريين أنفسهم، خصوصاً أن قطاعات واسعة من الضحايا والناجين ما تزال تتعامل بحذر مع أي مؤسسات رسمية بسبب تراكمات سنوات طويلة من الانتهاكات وفقدان الثقة.
الرهان على الحقيقة
اعتبرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا التابعة للأمم المتحدة أن إنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية يمثل خطوة يمكن أن تسهم في دعم مسارات المساءلة وكشف الحقيقة، لكنها شددت في تقاريرها الصادرة خلال عام 2025 على أن نجاح أي مسار للعدالة الانتقالية في سوريا يبقى مرهوناً بوجود قضاء مستقل وضمانات فعلية لحماية الضحايا والشهود وعدم الإفلات من العقاب.
وأكدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في تقريرها السنوي الصادر في أغسطس 2025، أن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تقتصر على إنشاء هيئات أو إطلاق مبادرات حوارية، بل يجب أن تشمل إجراءات عملية تتعلق بالكشف عن مصير المختفين قسرياً ومحاسبة المسؤولين عن التعذيب والانتهاكات الجسيمة وإصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية المتورطة في الانتهاكات.
كما شددت منظمة العفو الدولية، في تقريرها السنوي حول سوريا لعام 2025، على أن آلاف العائلات السورية ما تزال تواجه حالة من الغموض بشأن مصير أبنائها المفقودين والمعتقلين، مؤكدة أن حق العائلات في معرفة الحقيقة يعد جزءاً أساسياً من مبادئ القانون الدولي الإنساني والعدالة الانتقالية.
من جهتها، أكدت المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا التي أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، أن ملف المفقودين والمختفين قسرياً يمثل أحد أكثر الملفات الإنسانية إلحاحاً في البلاد، مشيرة إلى أن عشرات آلاف الأسر السورية تعيش منذ سنوات في حالة انتظار مستمرة دون أي معلومات مؤكدة عن مصير ذويها.
وبحسب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، فإن الكشف عن الحقيقة وضمان المساءلة يشكلان شرطاً أساسياً لتحقيق أي مصالحة مستدامة داخل المجتمع السوري، في وقت لا تزال فيه البلاد تواجه تداعيات أكثر من عقد من النزاع والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان.

