منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

عندما يبتلع البحر الحالمين.. الهجرة غير النظامية كأزمة كرامة وحق في الحياة

03 يونيو 2026
ارتفاع أعداد المهاجرين دولياً يثير أزمات حقوقية متعددة
ارتفاع أعداد المهاجرين دولياً يثير أزمات حقوقية متعددة

في كل مرة يبتلع فيها البحر الأبيض المتوسط قارباً جديداً، لا يغرق المهاجرون وحدهم، بل تغرق معهم أسماء وأحلام وعائلات كاملة تبقى معلقة بين الانتظار والحداد، فالرحلة التي تبدأ غالباً بوعد النجاة من الفقر أو الحرب أو اليأس، قد تنتهي في عرض البحر، أو في سجل المفقودين، أو في ذاكرة عائلة لا تعرف أين انتهى مصير ابنها.

خلال السنوات الأخيرة، لم يعد المتوسط مجرد معبر جغرافي بين القارات، بل تحول إلى واحدة من أكثر طرق الهجرة فتكاً في العالم، ومع كل قارب متهالك يغادر سواحل شمال إفريقيا أو تركيا، تتجدد الأسئلة ذاتها: لماذا يغامر الناس بحياتهم؟ ولماذا يصبح البحر، رغم خطره، خياراً أهون من البقاء على اليابسة؟

يكشف هذا التقرير أن الهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسط لم تعد مجرد قضية عبور حدود، بل أزمة إنسانية وحقوقية عميقة، تتصل بالكرامة الإنسانية، والحق في الحياة، والحق في الأمان، في ظل عالم يبدو أكثر قدرة على تشديد الحدود من معالجة الأسباب التي تدفع آلاف البشر سنوياً إلى ركوب البحر.

المتوسط.. الطريق الأكثر فتكاً

تشير بيانات مشروع “المهاجرون المفقودون” التابع للمنظمة الدولية للهجرة إلى أن البحر المتوسط ظل، منذ بدء توثيق البيانات عام 2014، أحد أكثر طرق الهجرة فتكا في العالم.

وتبرز تونس خلال السنوات الأخيرة بوصفها إحدى نقاط الانطلاق المهمة للمهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء نحو أوروبا، في حين تُعد إيطاليا من أبرز الدول المستقبلة للمهاجرين عبر المسار المتوسطي، خصوصاً عبر الطريق المركزي الذي يربط شمال إفريقيا بجنوب أوروبا.

ومع تصاعد أعداد العابرين، ازدادت الضغوط المتعلقة بإدارة الحدود ومراكز الاستقبال والاستجابة الإنسانية، ما دفع عددا من الدول الأوروبية إلى تعزيز التعاون الأمني، وتشديد الرقابة على السواحل، وملاحقة شبكات تهريب البشر.

إن المقاربات الأمنية وحدها لم تنجح في وقف الظاهرة، ما دامت الأسباب العميقة للهجرة قائمة: الفقر، والبطالة، والنزاعات المسلحة، وغياب الاستقرار السياسي والاجتماعي، وانسداد المسارات القانونية الآمنة.

ويشير الباحث في علم الاجتماع حسان موري، في حديثه لـ“صفر”، إلى أن الهجرة “ضاربة في عمق التاريخ الإنساني”، باعتبارها ارتبطت دائما بالبحث عن القوت أو الأمان أو فرص الحياة.

لكنه يوضح أن التحولات الحديثة جعلت هذه الرحلات أكثر مأساوية، خصوصاً مع إغلاق كثير من المسارات القانونية، ما دفع المهاجرين نحو طرق بحرية شديدة الخطورة.

أرقام لا تختصر المأساة

الأرقام هنا لا تعبّر عن إحصاءات باردة فقط، بل عن مآسٍ إنسانية متكررة. فقد وثقت المنظمة الدولية للهجرة 2452 حالة وفاة واختفاء في البحر المتوسط خلال عام 2024 وحده، كما تشير بيانات المنظمة إلى أن شخصاً واحداً تقريباً من كل 120 شخصاً حاولوا عبور المتوسط في ذلك العام فقد حياته أثناء الرحلة، وهي من أعلى نسب الوفيات المسجلة في السنوات الأخيرة.

ومنذ عام 2014، تجاوز عدد الوفيات والمفقودين في البحر المتوسط حاجز 30 ألف شخص، وسط تأكيدات متكررة من المنظمة الدولية للهجرة بأن الأرقام الفعلية قد تكون أعلى بكثير، بسبب الحوادث غير الموثقة وما يُعرف بحوادث الغرق الصامتة، التي تختفي فيها قوارب كاملة دون شهود أو ناجين أو جثامين.

لكن المأساة لا تتوقف عند الضحايا وحدهم. فهناك عائلات كاملة تعيش سنوات طويلة في انتظار إجابة قد لا تأتي أبداً، بعد اختفاء أبنائها في البحر دون العثور على جثامين أو معلومات مؤكدة حول مصيرهم. وتتحول الهجرة هنا من مشروع للبحث عن حياة أفضل إلى جرح اجتماعي طويل الأمد يضرب الأسرة والمجتمع معا.

 “الحرقة” وجرح العائلة

توضح الباحثة الاجتماعية هدى السعيداني، في حديثها لـ“صفر”، أن الهجرة غير الشرعية، والمعروفة في بلدان المغرب العربي باسم “الحرقة”، تؤدي إلى تغير أدوار الأسرة وغياب الاستقرار الاجتماعي، كما تجعل الهجرة تبدو في وعي الشباب الطريق الوحيد نحو الكرامة والنجاح، ما يضعف ثقتهم بالتعليم والعمل داخل أوطانهم.

وتكشف هذه المقاربة أن الهجرة غير النظامية لا تبدأ على الشاطئ، بل قبل ذلك بكثير، داخل مجتمعات فقد فيها كثير من الشباب الثقة في إمكانية بناء مستقبل آمن، فعندما تصبح الهجرة، رغم خطرها، رمزا للنجاح الاجتماعي أو الخلاص الفردي، فإن البحر لا يعود مجرد طريق، بل يتحول إلى تعبير قاس عن فشل منظومات التنمية والعدالة وتكافؤ الفرص.

وفي هذا السياق، لا تؤثر الهجرة فيمن يغادرون فقط، بل فيمن يبقون أيضاً: أمهات ينتظرن اتصالاً لا يأتي، وآباء يبيعون ما تبقى لديهم لتمويل رحلة مجهولة، وأطفال يكبرون في ظل غياب أحد أفراد الأسرة، ومجتمعات تفقد شبابها في طرق لا تضمن الوصول ولا العودة.

تحذيرات أممية ونداء للكرامة

تتقاطع التحذيرات الأممية مع هذه الوقائع المأساوية. فقد أكدت الأمم المتحدة، في سياق النقاش الدولي حول الهجرة، أن الهجرة يجب أن تكون خياراً لا ضرورة يفرضها اليأس، وهي العبارة التي تلخص جوهر الأزمة.. أن الإنسان ينبغي ألا يُدفع إلى المخاطرة بحياته لأنه لم يجد في بلده عملاً أو أمناً أو حماية.

كما شددت المنظمة الدولية للهجرة، في تقاريرها عن المهاجرين المفقودين، على أن كل رقم يخفي وراءه إنساناً وعائلة تنتظر خبراً قد لا يصل، أما العبارة الشهيرة “لا أحد يضع أطفاله في قارب إلا إذا كان البحر أكثر أماناً من اليابسة”، فهي من قصيدة “Home” للشاعرة ورسان شاير، وقد تحولت إلى واحدة من أكثر العبارات تعبيرا عن مأساة اللاجئين والمهاجرين الذين لا يختارون الخطر حباً في المغامرة، بل لأن البدائل أمامهم تكون أكثر قسوة.

وتكشف هذه الأزمة حدود السياسات الدولية الحالية، إذ يبدو العالم أكثر انشغالاً بحماية الحدود من حماية البشر أنفسهم. فبدلاً من معالجة جذور المشكلة عبر دعم التنمية والعدالة والاستقرار في دول المنشأ، يجري التعامل مع المهاجرين غالباً بوصفهم “خطراً أمنياً”، لا ضحايا لخلل عالمي عميق يدفعهم إلى ركوب البحر.

ولا يعني ذلك تجاهل دور شبكات التهريب أو خطورتها، بل يعني أن مكافحة التهريب لا يمكن أن تنجح إذا بقيت الحاجة إلى الهجرة أقوى من الخوف من الموت، فكلما أُغلقت الطرق القانونية، ظهرت طرق أكثر خطورة؛ وكلما زادت الرقابة دون بدائل آمنة، أصبح البحر أكثر استغلالاً من قبل المهربين وأكثر فتكاً بالمهاجرين.