منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

جيل خارج المدرسة.. الحق في التعليم يواجه أزمة في حوض بحيرة تشاد

06 أغسطس 2026
تشاد.. الحق في التعليم يواجه تحديات معقدة
تشاد.. الحق في التعليم يواجه تحديات معقدة

قد يكون أول ما يفقده الطفل في مناطق النزاع منزله، لكن أخطر ما قد يخسره هو مقعده الدراسي، فحين تتوقف المدرسة عن أداء دورها، لا ينقطع التعليم وحده، بل تتسع مخاطر التجنيد والاستغلال والزواج المبكر وعمالة الأطفال، ويصبح المستقبل نفسه أحد ضحايا الصراع.

وفي حوض بحيرة تشاد، حيث تتداخل النزاعات المسلحة مع النزوح والتغير المناخي، لم يعد ضمان التعليم للأطفال مسألة تربوية، بل أحد أهم تحديات حماية الأطفال وصون حقوقهم الأساسية.

أرقام تعكس عمق الأزمة

تشير بيانات اليونيسف إلى أن 1.4 مليون طفل في سن الدراسة في تشاد يحتاجون إلى دعم تعليمي بسبب النزوح، والاكتظاظ داخل المدارس، ونقص المعلمين والموارد، فيما يبقى واحد من كل طفلين خارج المدرسة.

وتؤكد منظمة التعليم لا ينتظر أن الأزمات الممتدة دفعت نحو 258 مليون طفل حول العالم إلى الحاجة إلى دعم تعليمي عاجل، بينهم 93 مليون طفل لا يتلقون أي تعليم.

وتعد منطقة الساحل، التي يشكل حوض بحيرة تشاد جزءا منها، من أكثر المناطق تأثرا بتداخل النزاعات المسلحة والنزوح وآثار التغير المناخي، وهو ما يفاقم هشاشة الأنظمة التعليمية ويجعل الأطفال أول المتضررين.

التعليم وسيلة للحماية

في البيئات التي تمزقها النزاعات، لا تؤدي المدرسة وظيفة تعليمية فقط، بل توفر للأطفال مساحة أكثر أمانا واستقرارا، وتحميهم من مخاطر عمالة الأطفال، والتجنيد في الجماعات المسلحة، والاستغلال، والزواج المبكر، كما تسهم في الحفاظ على الصحة النفسية والروابط الاجتماعية في ظل النزوح المستمر.

ولهذا تنص اتفاقية حقوق الطفل والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على أن الحق في التعليم لا يفقد حمايته أثناء النزاعات، بل يصبح توفيره أكثر إلحاحا لضمان تمتع الأطفال ببقية حقوقهم.

ويرى المحلل السياسي التركي علي الأسمر، أن ما يواجهه الأطفال في حوض بحيرة تشاد يتجاوز تعطيل العملية التعليمية، إذ يعكس تراجعا في قدرة المؤسسات على حماية جيل كامل من آثار النزاع.

ويقول الأسمر في حديثه لـ”صفر” إن الهجمات المسلحة، والنزوح المتكرر، وضعف حضور الدولة في مناطق واسعة، أدت إلى إغلاق مدارس كثيرة، وأجبرت معلمين على مغادرة مناطقهم، بينما تنقل آلاف الأطفال بين المخيمات والحدود من دون مسار تعليمي مستقر.

الحلول الأمنية لا تكفي

يضيف الأسمر أن الاقتصار على الحلول الأمنية، مع ضعف التنسيق بين دول الحوض، جعل الاستجابة التعليمية محدودة، ولا سيما للأطفال الذين يعبرون الحدود ويفقدون وثائقهم الدراسية، الأمر الذي يعوق استمرار تعليمهم.

ويؤكد أن معالجة الأزمة تتطلب بناء منظومة تعليم مرنة تستجيب لظروف النزوح، وتوفير بيئات تعليمية آمنة، ودعم الصحة النفسية للأطفال، وحماية المعلمين، والاعتراف بالشهادات عبر الحدود، وربط التعليم ببرامج التنمية وإعادة الاستقرار.

التزام قانوني لا تعطلّه الحروب

من جانبه، يؤكد المستشار القانوني اللبناني الدكتور حسن الزعتري، أن حرمان الأطفال من التعليم في حوض بحيرة تشاد يشكل مساسًا بحق تكفله اتفاقية حقوق الطفل والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولا يجوز تعليق هذا الحق بسبب النزاعات أو حالات الطوارئ.

ويشير الزعتري في حديثه لـ”صفر”، إلى أن الدول تظل ملزمة باتخاذ جميع التدابير الممكنة لضمان استمرار العملية التعليمية وإتاحتها لجميع الأطفال، بمن فيهم النازحون واللاجئون والعابرون للحدود، إلى جانب حماية المدارس والمعلمين والطلبة من أي استهداف.

ويضيف الزعتري أن استمرار انقطاع الأطفال عن التعليم ينعكس مباشرة على حقوق أخرى، منها الحماية والصحة والتنمية والعيش الكريم، ويزيد من احتمالات تعرضهم للتجنيد والاستغلال والاتجار بالبشر والزواج المبكر، ما يجعل التعليم جزءًا من منظومة حماية الطفل، لا خدمة عامة يمكن تأجيلها.

التعليم حماية للمستقبل

تكشف أزمة حوض بحيرة تشاد أن أخطر ما تخلفه النزاعات ليس الدمار الذي يصيب المباني، بل السنوات التي تُنتزع من حياة الأطفال خارج الصفوف الدراسية، فكل طفل يحرم من التعليم يفقد فرصة لاكتساب المعرفة، ويصبح أكثر عرضة لدورات الفقر والعنف والإقصاء.

لذلك، فإن حماية المدارس، وضمان استمرار التعليم في حالات الطوارئ، وتعزيز التعاون بين دول الحوض، ليست إجراءات إنسانية فحسب، بل استثمار طويل الأمد في السلام والتنمية، لأن بناء المجتمعات يبدأ من حماية حق أطفالها في التعلم.