في أحد مراكز إعادة التأهيل في العاصمة العراقية بغداد، يعمل فريق من الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين مع شباب عادوا من مناطق نزاع سابقة ضمن برامج حكومية لإعادة الدمج.. هذه المشاهد اليومية تشكل الخلفية العملية التي ينطلق منها مشروع “قانون الوقاية من التطرف العنيف المؤدي إلى الإرهاب” الذي أعدته مستشارية الأمن القومي العراقية بعد نحو عامين من العمل، بهدف بناء منظومة قانونية تركز على منع التطرف قبل تحوله إلى سلوك عنيف.
توضح اللجنة الوطنية لمكافحة التطرف العنيف في العراق أن المشروع يسعى إلى سد فراغ تشريعي قائم، إذ لا يوجد حتى الآن قانون متخصص يعالج التطرف في مراحله المبكرة، وتؤكد اللجنة أن الهدف الأساسي يتمثل في الانتقال من المقاربة الأمنية اللاحقة إلى مقاربة وقائية تعتمد على الرصد المبكر والتدخل الاجتماعي والنفسي وإعادة التأهيل.
وتشير بيانات بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق “يونامي” لعام 2025 إلى أن العراق لا يزال يواجه آثاراً ممتدة للنزاع مع تنظيم داعش، حيث يقدر عدد الأشخاص المتأثرين بشكل مباشر أو غير مباشر بالنزاع بأكثر من مليون شخص، بينهم نازحون سابقون وعائدون إلى مناطقهم الأصلية يحتاجون إلى برامج دعم وإعادة اندماج اجتماعي، كما تؤكد منظمة الهجرة الدولية أن عملية إعادة الإدماج تمثل أحد أكبر التحديات في مرحلة ما بعد النزاع، خاصة في المحافظات التي تعرضت لدمار واسع في البنى الاجتماعية والاقتصادية.
ملامح المشروع القانوني
يتضمن مشروع القانون إنشاء منظومة متكاملة للرصد المبكر للتطرف تقوم على تحديد مؤشرات سلوكية وفكرية قد تشير إلى احتمالات الانحراف نحو العنف، كما ينص المشروع على إنشاء مراكز لإعادة التأهيل النفسي والفكري، تستهدف الأفراد الذين لم يرتكبوا جرائم لكن تظهر عليهم مؤشرات تطرف، إلى جانب اعتماد إجراءات تأهيلية وعقوبات بديلة وغرامات مالية في بعض الحالات.
وتؤكد اللجنة الوطنية لمكافحة التطرف العنيف في العراق أن القانون لا يستهدف حرية التعبير أو المعتقد، بل يركز على منع التحريض على العنف وخطابات الكراهية والتكفير، مع التشديد على احترام الدستور العراقي وضمانات حقوق الإنسان، غير أن غياب تعريف قانوني دقيق لمفهوم “المؤشرات المبكرة للتطرف” يفتح نقاشاً حول حدود التفسير والتطبيق.
سياق ما بعد داعش وإعادة بناء الدولة
منذ عام 2014، واجه العراق واحدة من أكثر الموجات العنيفة في تاريخه الحديث مع سيطرة تنظيم داعش على مساحات واسعة من البلاد، قبل أن تعلن الحكومة العراقية عام 2017 استعادة كامل الأراضي، ووفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق، فإن مرحلة ما بعد داعش كشفت تحديات عميقة تتعلق بإعادة الإعمار وإعادة بناء الثقة المجتمعية، حيث ما زال بعض المناطق يعاني من نسب بطالة مرتفعة تتجاوز 15 بالمئة في بعض المحافظات وفق تقديرات رسمية لعام 2025.
كما تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 4 ملايين شخص نزحوا داخلياً خلال سنوات الحرب، عاد معظمهم لاحقاً، لكن عمليات العودة ما زالت تواجه عقبات تتعلق بالخدمات الأساسية والاندماج الاجتماعي، وهو ما ينعكس مباشرة على بيئة الوقاية من التطرف.
مقاربة وقائية أم توسع أمني
تطرح المنظمات الحقوقية تساؤلات حول حدود المقاربة الوقائية في مشروع القانون، منظمة العفو الدولية تؤكد في تقاريرها لعام 2025 أن السياسات الوقائية في مجال مكافحة التطرف، إذا لم تُضبط قانونياً، قد تؤدي إلى توسيع نطاق الرقابة على الأفراد بناءً على أفكار أو مؤشرات غير مرتبطة بالفعل الجرمي، وهو ما قد يمس مبدأ قرينة البراءة.
كما تشير هيومن رايتس ووتش إلى أن التجارب الدولية في هذا المجال أظهرت مخاطر استخدام مصطلحات فضفاضة مثل “التطرف غير العنيف”، إذا لم تكن هناك معايير قضائية واضحة تضمن حقوق الإنسان وعدم استهداف فئات معينة بشكل غير متناسب، وتدعو المنظمة إلى ضرورة وجود رقابة قضائية مستقلة على أي إجراءات وقائية تمس الحرية الشخصية.
الإطار القانوني الدولي
يستند الإطار الدولي لمكافحة التطرف العنيف إلى خطة الأمم المتحدة لمنع التطرف العنيف الصادرة عام 2016 التي تدعو الدول إلى اعتماد مقاربة شاملة تجمع بين الأمن والتنمية وحقوق الإنسان، كما يشير قرار مجلس الأمن رقم 2178 لعام 2014 إلى ضرورة تعزيز قدرات الدول على منع التطرف، مع تأكيد احترام القانون الدولي لحقوق الإنسان.
وتوضح المفوضية السامية لحقوق الإنسان أن أي إجراءات وقائية يجب أن تتوافق مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، خاصة المواد المتعلقة بحرية التعبير والحق في الخصوصية وعدم التمييز، وتؤكد المفوضية أن غياب الضمانات القانونية قد يؤدي إلى انتهاكات غير مباشرة لهذه الحقوق.
التجارب المقارنة
تُظهر مراجعات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) وعدد من الدراسات الصادرة عن مراكز بحثية في مكافحة التطرف خلال عامي 2024 و2025 أن برامج الوقاية من التطرف العنيف أصبحت جزءاً أساسياً من السياسات الأمنية والاجتماعية في عدد من الدول، لكنها ما تزال محل جدل واسعاً بسبب التوازن الدقيق بين الأمن وحقوق الإنسان، وتشير هذه الدراسات إلى أن فعالية هذه البرامج لا تُقاس فقط بعدد التدخلات، بل بقدرتها على تقليل العودة إلى العنف وتحسين مؤشرات الاندماج الاجتماعي والاستقرار النفسي لدى الفئات المستهدفة.
في المملكة المتحدة يُعد برنامج Prevent أحد أبرز النماذج الغربية في هذا المجال، حيث سجل خلال السنة المنتهية في مارس 2025 نحو 8,759 إحالة إلى البرنامج وفق بيانات وزارة الداخلية البريطانية، مع ارتفاع معدل الإحالات إلى 142 حالة لكل مليون نسمة في إنجلترا وويلز، مقارنة بـ116 حالة في العام السابق، بحسب الإحصاءات الرسمية المنشورة في نوفمبر 2025، وتُظهر البيانات أن نسبة كبيرة من الحالات المحالة تتعلق بفئات عمرية صغيرة، إذ شكل الشباب بين 11 و15 عاماً النسبة العليا من الإحالات، ما يعكس تحولاً مقلقاً في طبيعة الاستهداف المبكر للبرنامج.
وفي المقابل، تشير مراجعات برلمانية وتقارير حقوقية بريطانية حديثة صدرت في 2025 و2026 إلى أن برنامج Prevent يواجه انتقادات متزايدة تتعلق بتوسيع نطاق الاشتباه ليشمل أفراداً لا تربطهم صلة مباشرة بأي نشاط إرهابي، إضافة إلى مخاوف من ضعف الدقة في تقييم المخاطر، وازدياد الاعتماد على مؤشرات سلوكية غير جنائية، كما رصدت تقارير البرلمان البريطاني انتقادات مرتبطة بزيادة الإحالات التي تشمل أشخاصاً يعانون من اضطرابات نفسية أو احتياجات خاصة، ما يثير تساؤلات حول دقة أدوات الفرز والتصنيف وفق صحيفة “الغارديان”.
وتوضح دراسة صادرة عن مركز أبحاث “كريست” المتخصص في قضايا الأمن ومكافحة التطرف خلال عام 2025 أن تقييم نتائج برامج الوقاية يظل تحدياً منهجياً، بسبب صعوبة قياس “منع وقوع العنف” بشكل مباشر، ما يجعل العديد من الحكومات تعتمد على مؤشرات غير مباشرة مثل عدد الإحالات أو مستوى المشاركة في البرامج التأهيلية. وتشير الدراسة إلى أن هذا القصور في قياس النتائج يؤدي أحياناً إلى فجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية على الأرض.
وفي الأردن اعتمدت الحكومة منذ سنوات برامج لإعادة تأهيل الأفراد المرتبطين بالتطرف أو العائدين من مناطق النزاع، من خلال مراكز متخصصة في إعادة الدمج النفسي والاجتماعي. وتشير تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في المنطقة العربية إلى أن التجربة الأردنية تُعد من النماذج الإقليمية الأكثر ارتباطاً بالمقاربة غير العقابية، حيث تركز على الدعم النفسي وإعادة الإدماج المجتمعي بدلاً من الإجراءات الأمنية البحتة، وتفيد هذه التقارير بأن هذه البرامج تستهدف بشكل أساسي تقليل احتمالات العودة إلى التطرف عبر معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والنفسية المرتبطة به.
كما توضح دراسات أممية أن نجاح التجربة الأردنية يرتبط بقدرة الدولة على دمج مكونات متعددة تشمل المؤسسات الأمنية، ووزارة التنمية الاجتماعية، والمنظمات الدولية، إلى جانب برامج تدريب مهني وتعليمي للفئات المستهدفة، إلا أن هذه الدراسات تشير أيضاً إلى تحديات مستمرة تتعلق بالتمويل والاستدامة، حيث يعتمد بعض البرامج على دعم خارجي غير مستقر، ما يحد من توسعها على نطاق وطني شامل.
وتقارن تحليلات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بين النموذج البريطاني والأردني من زاوية أساسية تتعلق بطبيعة التدخل، إذ يعتمد النموذج البريطاني بشكل أكبر على الرصد المبكر عبر المؤسسات العامة مثل المدارس والشرطة، في حين يميل النموذج الأردني إلى التركيز على إعادة التأهيل بعد التورط أو الاشتباه القوي. هذا الاختلاف يعكس تبايناً جوهرياً بين الوقاية الاستباقية وإعادة التأهيل اللاحق، وهو ما يؤثر مباشرة في مستوى الجدل الحقوقي المحيط بكل تجربة.
وتشير تقارير حقوقية دولية صادرة عن منظمات مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية خلال عامي 2025 و2026 إلى أن برامج الوقاية من التطرف، رغم أهدافها الأمنية المشروعة، قد تخلق في بعض الحالات مخاطر تتعلق بالوصم الاجتماعي أو التمييز غير المقصود، خصوصاً عندما يتم الاعتماد على مؤشرات فضفاضة أو غير قضائية، كما تؤكد هذه التقارير ضرورة وجود ضمانات قانونية صارمة، ورقابة قضائية مستقلة، وآليات طعن فعالة لضمان عدم تحول هذه البرامج إلى أدوات تقييد غير مباشرة للحريات.
وفي السياق نفسه، تؤكد دراسات الأمم المتحدة أن أي سياسة فعالة في مجال الوقاية من التطرف يجب أن تكون جزءاً من استراتيجية شاملة تشمل التعليم، والتنمية الاقتصادية، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وليس فقط التدخل الأمني أو القانوني، وتشير هذه الدراسات إلى أن غياب هذه المقاربة المتكاملة يؤدي إلى محدودية الأثر على المدى الطويل، حتى في الدول التي تمتلك أنظمة متقدمة في الرصد والتدخل المبكر.
وبين النموذج البريطاني الذي يركز على التدخل المبكر واسع النطاق، والنموذج الأردني الذي يعتمد على إعادة التأهيل، يتضح أن التجارب الدولية لا تزال تبحث عن صيغة متوازنة تجمع بين الفعالية الأمنية وضمانات حقوق الإنسان، في ظل تحديات متزايدة مرتبطة بتطور أشكال التطرف وانتقالها إلى الفضاء الرقمي وتزايد تعقيد أنماط الاستهداف.
الإشكاليات الحقوقية المحتملة
تثير بنود مشروع القانون العراقي نقاشاً حول مجموعة من الإشكاليات المحتملة، أبرزها غياب تعريف دقيق لمعايير التطرف غير العنيف، وإمكانية توسع التفسير الإداري لبعض المؤشرات السلوكية، إضافة إلى احتمال استخدام أدوات الرصد في غير سياقها القضائي.
وتؤكد منظمة العفو الدولية أن أي نظام وقائي يجب أن يتضمن ضمانات واضحة تمنع الوصم الاجتماعي للأفراد، وتضمن حقهم في الطعن أمام القضاء، مع تحديد دقيق للإجراءات التي يمكن اتخاذها بحق الأشخاص الذين لا يواجهون اتهامات جنائية.
البعد الاجتماعي والاقتصادي
تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن العوامل الاجتماعية والاقتصادية تلعب دوراً محورياً في الوقاية من التطرف، حيث ترتبط معدلات البطالة وضعف التعليم وتراجع الخدمات في بعض المناطق بزيادة الهشاشة الاجتماعية، وفي العراق، لا تزال بعض المحافظات التي تعرضت للنزاع تسجل نسب بطالة مرتفعة مقارنة بالمعدل الوطني، ما يجعل الاستثمار في التنمية جزءاً أساسياً من أي استراتيجية وقائية.
كما تؤكد منظمة الهجرة الدولية أن إعادة الإدماج الناجحة تتطلب برامج طويلة الأمد تشمل التعليم والتدريب المهني والدعم النفسي، وليس فقط الإجراءات الأمنية أو القانونية.
التحولات الأمنية والسياسية
شهد العراق منذ عام 2003 سلسلة من التحولات الأمنية والسياسية العميقة، بلغت ذروتها مع ظهور تنظيم داعش عام 2014، وما تبعه من حرب استمرت ثلاث سنوات انتهت باستعادة المدن الرئيسية، وخلال هذه الفترة، تراكمت ملفات معقدة تتعلق بالمعتقلين والنازحين وإعادة الإعمار، ما دفع الدولة العراقية لاحقاً إلى البحث عن أدوات جديدة تتجاوز المقاربة الأمنية التقليدية.
وتشكل مرحلة ما بعد 2017 نقطة تحول في التفكير الأمني العراقي، حيث بدأت الدولة في إدخال مفاهيم الوقاية وإعادة التأهيل ضمن استراتيجياتها، بالتوازي مع الدعم الدولي من الأمم المتحدة وشركاء التنمية.
وبين الحاجة إلى منع عودة التطرف وضمان عدم المساس بالحريات الأساسية، يظل مشروع قانون الوقاية من التطرف في العراق موضوعاً مفتوحاً للنقاش التشريعي والحقوقي، فبينما ترى الحكومة أنه يمثل خطوة ضرورية لتعزيز الأمن المجتمعي، تؤكد المنظمات الحقوقية أن نجاحه يعتمد على دقة صياغته القانونية، ووضوح معاييره، وضمانات تطبيقه القضائي.
وفي ظل استمرار التحديات الأمنية والاجتماعية، يبدو أن العراق يقف أمام اختبار جديد يتعلق بقدرته على بناء نموذج يوازن بين الوقاية من التطرف وحماية الحقوق والحريات، في مرحلة ما بعد الصراع التي لا تزال آثارها حاضرة في البنية الاجتماعية والسياسية للبلاد.
