في مدرسة ذكور الجلزون الأساسية شمال رام الله، كان الطفل الفلسطيني علي عربدة، البالغ من العمر سبع سنوات آنذاك، يحاول أن يعيش طفولته المدرسية رغم إعاقته الحركية. وفرت له المدرسة كرسيا متحركا يساعده على التنقل بين زملائه، وهيأت بعض مرافقها لاستقباله، لكنها بقيت بلا مصاعد أو مخارج طوارئ ملائمة لحالته.
وبين مقعد دراسي أتيح له ومرافق لم تستكمل شروط الوصول إليها تتكشف واحدة من أبرز معضلات التعليم الدامج في الضفة الغربية، وهي أن يُفتح باب المدرسة أمام الطفل ذي الإعاقة، دون أن تصبح المدرسة كلها قادرة على استقباله.
وثقت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» قصة علي في مارس/آذار 2022. كان يحب اللغة الإنجليزية ويحفظ أسماء الأدوية، ويحلم بأن يصبح طبيبا. وقد ساعده المعلمون والمرشد النفسي وزملاؤه على المشاركة في الأنشطة المدرسية، لكن تجربته كشفت أن حسن النوايا والدعم الفردي، على أهميتهما، لا يعوضان غياب التجهيزات التي تجعل التعليم حقا متكافئا وآمنا.
وجاء الدعم ضمن برنامج ممول من صندوق “التعليم لا يمكن أن ينتظر”، شمل 19 مدرسة تابعة لأونروا واستفاد منه 7,724 طفلا. لكن المدرسة بقيت تفتقر إلى مصاعد ومخارج طوارئ ملائمة، بما يكشف أن المبادرات الفردية لا تكفي وحدها لضمان تعليم دامج.
آلاف الطلبة وفجوة في البيانات
بحسب تقرير “واقع حقوق الطفل الفلسطيني 2025″، الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بلغ عدد الطلبة ذوي الإعاقة في المدارس الحكومية بالضفة الغربية 9,215 طالبا وطالبة خلال العام الدراسي 2024/2025، بينهم 5,026 ذكورا و4,189 إناثا.
وشكل هؤلاء نحو 1.5% من مجموع طلبة المدارس الحكومية البالغ 616,944 طالبا. وتوزعت الحالات المسجلة بين صعوبات التعلم بنسبة 60%، واضطرابات التواصل 16.5%، والإعاقات الحركية والشلل الدماغي 11.9%، والإعاقات الذهنية ومتلازمة داون وتأخر النمو 6.9%، واضطراب طيف التوحد والاضطرابات النمائية الشاملة 4.8%.

لكن نسبة 1.5% لا تمثل معدل التحاق الأطفال ذوي الإعاقة بالتعليم، إذ تقتصر البيانات على الحالات المسجلة في المدارس الحكومية، ولا تشمل مدارس أونروا أو المدارس الخاصة أو مدارس البلدية الإسرائيلية في القدس.
وتقدر منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» أن طفلا من كل عشرة أطفال عالميا لديه إعاقة، لكن المقارنة المباشرة بين هذا التقدير ونسبة المسجلين في المدارس الحكومية الفلسطينية لا تكفي لتحديد أعداد الأطفال المحرومين من التعليم، فالتقرير الإحصائي لا يقدم رقما للأطفال ذوي الإعاقة غير الملتحقين بالمدارس، ولا معدل التحاقهم، ما يترك جانبا أساسيا من حجم المشكلة خارج القياس.
مدارس لا تستوفي متطلبات الدمج
تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن 72.1% من مدارس الضفة الغربية استوفت مؤشر توافر البنية التحتية والمواد الملائمة لاحتياجات الطلبة ذوي الإعاقة خلال العام الدراسي 2024/2025.
ويعني ذلك أن نحو 27.9% من المدارس لم تستوف المؤشر، دون أن يعني بالضرورة أن جميع مرافقها غير مهيأة أو أن المدارس المستوفية توفر كل الخدمات المطلوبة، ولم يشهد المؤشر تحسنا كبيرا خلال ست سنوات؛ إذ بلغ 68.4% في العام الدراسي 2019/2020، وعاد إلى النسبة نفسها في 2023/2024، قبل ارتفاعه إلى 72.1% في العام التالي.
وتعكس هذه الأرقام بطء التقدم في تهيئة البيئة المدرسية، فيما تتجاوز احتياجات الطلبة تجهيز المباني إلى توفير وسائل النقل والخدمات المساندة والمعلمين المؤهلين والترتيبات التيسيرية المناسبة.

الحواجز تعرقل الطريق إلى الصف
تزداد تحديات التعليم الدامج في الضفة الغربية مع القيود المفروضة على الحركة والاعتداءات التي تطال البيئة التعليمية. ففي 10 سبتمبر/أيلول 2026، أعلنت “يونيسف” أن مجموعة التعليم في الأرض الفلسطينية المحتلة وثقت 224 حادثة مرتبطة بالتعليم خلال النصف الأول من العام، أثرت في 152 مدرسة و20,450 طالبا و859 من العاملين في القطاع التعليمي بالضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية.
وشملت الحوادث قيودا على الحركة والوصول، و أعمال عنف وأضرارا لحقت بالمدارس. ورغم أن هذه الأرقام تشمل عموم الطلبة، فإن آثار الإغلاقات وتعطيل الطرق قد تكون أشد على الأطفال الذين يحتاجون إلى كراس متحركة أو مرافقين أو وسائل نقل ملائمة.
وفي شهادة خاصة لمنصة “صفر”، يقول والد الطفلة مروى إن الحواجز والإغلاقات وصعوبة التنقل تجعل وصول ابنته إلى المدرسة تحديا يوميا، بينما تضيف المرافق غير المهيأة ونقص الوسائل التعليمية أعباء نفسية ومادية على الأسرة.
ويؤكد أن ابنته تحتاج إلى بيئة تعليمية آمنة ودعم مستمر يساعدها على التعلم والمشاركة داخل الصف على قدم المساواة مع زملائها.

حق تكفله الاتفاقيات والقانون
يؤكد الباحث القانوني أحمد أبو هزيم، في حديث لـ”صفر”، أن المادة 24 من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي انضمت إليها دولة فلسطين عام 2014، تلزم الدول الأطراف بضمان التعليم الدامج وعدم استبعاد الأطفال من النظام التعليمي بسبب إعاقتهم، مع توفير الترتيبات التيسيرية المعقولة والوسائل المناسبة وتأهيل المعلمين.
ويشير إلى أن اتفاقية حقوق الطفل تؤكد مبادئ عدم التمييز و حماية الأطفال ذوي الإعاقة وضمان حقهم في التعليم، فيما يكفل قانون حقوق المعوقين الفلسطيني رقم 4 لسنة 1999 تكافؤ الفرص التعليمية.
ويرى أبو هزيم أن عدم تهيئة المدارس أو الامتناع عن تقديم الدعم الضروري قد يشكل إخلالا بهذا الحق، بحسب ظروف كل حالة، محذرا من أن الحواجز العسكرية والقيود على الحركة تثير مخاوف قانونية بشأن انتظام وصول الطلبة إلى مدارسهم وأمانهم.
وكانت محكمة العدل الدولية قد أكدت في رأيها الاستشاري عام 2004 انطباق التزامات حقوق الإنسان ذات الصلة، ومنها اتفاقية حقوق الطفل، على الأرض الفلسطينية المحتلة، بما يرتب التزامات على إسرائيل بصفتها قوة احتلال.
الوزارة تقر بنقص الخدمات
في المقابل، يقول الناطق باسم وزارة التربية والتعليم الفلسطينية صادق الخضور، في حديث خاص لـ”صفر”، إن الوزارة تعمل على تطوير سياسة الدمج من خلال مراعاة احتياجات الطلبة ذوي الإعاقة في الأبنية المدرسية الجديدة، وتوفير البرامج التعليمية الخاصة، وتجهيز غرف المصادر وتأهيل المعلمين للعمل فيها.
ويقر الخضور باستمرار صعوبات دمج بعض الفئات، ومنها الطلبة ذوو اضطراب طيف التوحد والإعاقات الذهنية، الذين يبلغ مجموعهم 1,077 طالبا وطالبة وفق بيانات العام الدراسي 2024/2025، مشيرا إلى توفير الكتب بصيغ ملائمة، ومنها طريقة برايل للطلبة المكفوفين، وترتيبات خاصة لامتحان الثانوية العامة، إلى جانب العمل على زيادة مترجمي لغة الإشارة للطلبة الصم.
غير أنه يوضح أن أعداد المترجمين لا تزال محدودة بسبب التحديات المالية، وأن الوزارة تطمح إلى توفير مترجم في كل مديرية تربية وتعليم.
وتكشف إفادة الوزارة استمرار الفجوة بين خطط الدمج وتوافر الخدمات المتخصصة، دون تحديد موعد لاستكمال النقص في الكوادر والتجهيزات.
أطفال خارج الإحصاءات
لا تشمل بيانات الطلبة ذوي الإعاقة في المدارس الحكومية مدارس أونروا البالغ عددها 96 مدرسة في الضفة الغربية خلال العام الدراسي 2024/2025، ومنها المدرسة التي درس فيها علي عربدة، كما لا تشمل المدارس الخاصة ومدارس البلدية الإسرائيلية في القدس، ما يجعل الأرقام المتاحة غير كافية لرسم صورة شاملة لأوضاع جميع الطلبة ذوي الإعاقة، أو تحديد من لم يتمكنوا من الالتحاق بالتعليم أصلا.
وبين طفل وجد من يساعده على الحركة داخل المدرسة، وطفلة تواجه أسرتها مشقة الوصول إليها، يبقى الحق في التعليم معلقا بتفاصيل قد تبدو صغيرة في الخطط الرسمية، لكنها تحدد مصير يوم دراسي كامل، فالمقعد الذي لا يستطيع الطفل الوصول إليه، أو الصف الذي لا يجد فيه الوسيلة التي تمكنه من التعلم، لا يصبح فرصة متكافئة لمجرد أن اسمه مدرج في السجلات المدرسية.
