منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مجلس حقوق الإنسان يفضح جرائم الاحتلال

توصيات أممية عاجلة بوقف التهجير والاستيطان في فلسطين والجولان

24 مارس 2026
ندى الناشف، نائبة المفوض السامي لحقوق الإنسان
ندى الناشف، نائبة المفوض السامي لحقوق الإنسان

بدأ الاجتماع الثاني والأربعون ضمن أعمال الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان بحزمة من التوصيات الحاسمة، تعكس إجماعًا دوليًا متزايدًا على ضرورة التحرك العاجل لوقف التدهور في الأراضي الفلسطينية المحتلة والجولان السوري المحتل.

وشددت الدول المشاركة على وقف جميع الأنشطة الاستيطانية فورًا، وإنهاء الوجود الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، والالتزام بقرارات الشرعية الدولية، وعلى رأسها الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية.

كما دعت التوصيات إلى وقف التهجير القسري، وضمان الحماية الكاملة للمدنيين، وفتح ممرات إنسانية آمنة ومستدامة دون عوائق، مع تمكين وكالات الأمم المتحدة، لا سيما وكالة “الأونروا”، من أداء دورها الحيوي.

وأكدت الدول ضرورة إنهاء الإفلات من العقاب ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ودعت المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات عملية تتجاوز البيانات السياسية، بما يضمن إنفاذ القانون الدولي وتحقيق حل الدولتين كمسار أساسي لتحقيق السلام.

تصاعد ملحوظ للانتهاكات

وخُصصت الجلسة لاستعراض التقارير المقدمة من الأمين العام للأمم المتحدة والمفوض السامي لحقوق الإنسان بشأن الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة والجولان السوري المحتل، في ظل تصاعد ملحوظ في الانتهاكات خلال الفترة الأخيرة.

وقدمت ندى الناشف، نائبة المفوض السامي لحقوق الإنسان، خلال الجلسة عرضًا مفصلًا لتقريرين رئيسيين، تناول الأول تطورات الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، خلال الفترة من نوفمبر 2024 حتى أكتوبر 2025، بينما ركز الثاني على أوضاع حقوق الإنسان في الجولان السوري المحتل.

وكشف التقرير عن تصعيد غير مسبوق في السياسات الاستيطانية، حيث دفعت الحكومة الإسرائيلية نحو ترسيخ ضم أجزاء واسعة من الأراضي الفلسطينية، عبر توسيع المستوطنات، والاستيلاء على الأراضي، وفرض وقائع جديدة على الأرض.

وأشار إلى أن هذه السياسات أدت إلى إخضاع الفلسطينيين لمزيد من القمع والانتهاكات المنهجية.

أكثر من 1700 اعتداء

وسجل التقرير ارتفاعًا ملحوظًا في وتيرة عنف المستوطنين، حيث تم توثيق أكثر من 1700 حادثة اعتداء ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، بزيادة كبيرة مقارنة بالفترة السابقة، شملت أعمال ضرب وترهيب، وإلحاق أضرار بالممتلكات، إلى جانب سقوط قتلى ومصابين.

كما أشار إلى تورط السلطات الإسرائيلية في تمكين هذا العنف أو التغاضي عنه، في ظل غياب شبه كامل للمساءلة، حيث لم تُسجل سوى لائحة اتهام واحدة رغم توثيق العديد من الحوادث.

وفي سياق متصل، كشف التقرير عن توسع كبير في النشاط الاستيطاني، حيث تمت الموافقة أو الدفع قدمًا بأكثر من 27 ألف وحدة سكنية استيطانية جديدة، إلى جانب إنشاء 18 بؤرة استيطانية غير قانونية، كما حذر من خطط التوسع في منطقة “E1”، التي قد تؤدي إلى تهجير آلاف الفلسطينيين وفصل القدس الشرقية عن بقية الضفة الغربية، بما يقوض فرص إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.

تطبيق القوانين المدنية

كما تناول التقرير الإجراءات التشريعية والإدارية التي اتخذتها إسرائيل لتسهيل الاستيطان، بما في ذلك توسيع تطبيق القوانين المدنية الإسرائيلية على المستوطنات، وإعادة تفعيل تسجيل ملكية الأراضي في المنطقة (ج)، وهو ما قد يؤدي إلى مصادرة مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية لصالح المستوطنات، في ظل صعوبات كبيرة تواجه الفلسطينيين في إثبات ملكيتهم.

وأشار التقرير أيضًا إلى استمرار عمليات هدم المنازل والمنشآت الفلسطينية، إذ تم تدمير نحو 1700 منشأة خلال الفترة المشمولة، في إطار سياسة تهدف إلى تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي في الضفة الغربية، وقد أدى ذلك إلى تهجير أكثر من 36 ألف فلسطيني، وهو أعلى رقم يتم تسجيله، ما يثير مخاوف جدية بشأن عمليات نقل قسري قد ترقى إلى التطهير العرقي.

أما في الجولان السوري المحتل فقد رصد التقرير استمرار التوسع الاستيطاني بدعم حكومي، إلى جانب توغل القوات الإسرائيلية في المنطقة منزوعة السلاح، وفرض قيود على حركة السكان، مما أثر سلبًا على وصولهم إلى الموارد والخدمات الأساسية.

وخلصت مفوضية حقوق الإنسان إلى أن هذه السياسات تشكل نظامًا ممنهجًا من التمييز والقمع، يهدف إلى إخضاع الفلسطينيين وتجريدهم من حقوقهم، في انتهاك واضح للقانون الدولي، بما في ذلك حظر الفصل العنصري.

قلق دولي

وخلال مداخلات الدول، أعربت العديد من الوفود عن قلقها البالغ إزاء تصاعد الانتهاكات، حيث أكدت فلسطين أن ما يجري يمثل سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي في الضفة الغربية، ووصفت الممارسات الإسرائيلية بأنها ترقى إلى التطهير العرقي وجريمة حرب، مشددة على ضرورة فرض المساءلة الدولية.

كما أدانت عدة دول، من بينها سوريا وباكستان وماليزيا، الانتهاكات المستمرة، بما في ذلك التوسع الاستيطاني، والتهجير القسري، واستهداف المدنيين، معتبرة أن هذه السياسات تقوض القانون الدولي وتهدد الاستقرار الإقليمي.

وأعربت دول مجلس التعاون الخليجي عن رفضها القاطع للاستيطان وضم الأراضي، مؤكدة ضرورة حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية، فيما شددت المجموعة الإفريقية على أن هذه الانتهاكات تمثل امتدادًا لأنماط استعمارية وعنصرية مرفوضة.

كما دعت دول أوروبية، من بينها إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا، إلى إنهاء الإفلات من العقاب، وضمان احترام القانون الدولي، مع التأكيد على أن حل الدولتين يظل السبيل الوحيد لتحقيق سلام دائم.

ضرورة وقف التصعيد

وفي السياق ذاته، أكدت دول مثل مصر والصين وروسيا ضرورة وقف التصعيد، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، واحترام سيادة الدول، محذرة من أن استمرار الانتهاكات سيؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار في المنطقة.

وسلطت عدة مداخلات الضوء على التدهور الإنساني الحاد في قطاع غزة، حيث يعاني السكان من نقص حاد في الغذاء والمياه والخدمات الأساسية، في ظل قيود مستمرة على دخول المساعدات، ما يفاقم الأزمة الإنسانية.

كما شددت العديد من الدول على أهمية دعم وكالة “الأونروا”، باعتبارها شريان حياة لملايين الفلسطينيين، وضرورة تمكينها من العمل دون عوائق، إلى جانب حماية العاملين في المجال الإنساني، الذين يواجهون مخاطر متزايدة.

وفي ختام الجلسة، برز توافق واسع بين الدول على أن استمرار الوضع الراهن لم يعد مقبولًا، وأن هناك حاجة ملحة لاتخاذ إجراءات دولية فعالة لوقف الانتهاكات، وضمان احترام القانون الدولي، وتحقيق العدالة للشعب الفلسطيني، بما يمهد الطريق نحو سلام عادل ودائم في المنطقة.