منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

15 درجة مئوية خلال أسبوع.. صدمة مناخية تهدد الحق في الصحة والغذاء بأوروبا

24 مايو 2026

شهدت أوروبا تقلبات حادة في درجات الحرارة وصلت إلى أكثر من 15 درجة مئوية خلال فترة قصيرة تجاوزت أسبوعاً بقليل، في وقت تستعد فيه دول عدة لأول موجة حر صيفية، وسط تحذيرات صحية رسمية من تأثيرات مناخية متسارعة باتت تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والبيئة وتضع أنظمة الصحة والبنية التحتية تحت ضغط مباشر.

أفاد تقرير موسع أعدته “فايننشيال تايمز” أن دولاً منها المملكة المتحدة وأيرلندا وفرنسا وبلجيكا مرشحة لارتفاع درجات الحرارة بأكثر من 15 درجة مئوية خلال فترة وجيزة، مع انتقال سريع من موجات برد قطبية غير معتادة في أوائل مايو إلى موجات حر شديدة، وصلت في بعض المناطق إلى فارق 18 درجة مئوية خلال أسبوع واحد فقط، في مقابل انخفاضات مماثلة سُجلت في غرب روسيا.

وأوضحت أستاذة الأرصاد الجوية وعلوم المناخ في جامعة ريدينغ، هانا كلوك، أن القارة الأوروبية تشهد “تقلبات جوية حادة على نطاق واسع”، مشيرة إلى أن هذه التحولات المفاجئة بين البرودة الشديدة والحرارة المرتفعة تعكس اضطراباً متزايداً في أنماط الغلاف الجوي المرتبط بارتفاع درجات الحرارة العالمية، ما يعيد تشكيل الاستقرار المناخي التقليدي في المنطقة.

وأضافت كلوك أن أوروبا انتقلت خلال فترة قصيرة من صقيع قطبي غير معتاد إلى موجات حر شديدة، حيث تراجعت درجات الحرارة في بعض المناطق بنحو 15 درجة مئوية دون المعدلات الموسمية، ما أدى إلى صقيع هدد المحاصيل الزراعية في فرنسا وتساقط الثلوج في جبال الألب، قبل أن تتحول الأجواء سريعاً إلى حرارة مرتفعة تهدد الصحة العامة والإنتاج الزراعي.

وسجل التقرير ذاته أن هذه التقلبات المناخية انعكست بشكل مباشر على حقوق أساسية مرتبطة بالغذاء والصحة، حيث تعرضت المحاصيل الزراعية للتلف نتيجة التغير السريع في درجات الحرارة، في حين واجهت الأنظمة الصحية ضغوطاً متزامنة بين معالجة أمراض مرتبطة بالبرد في أسبوع وحالات إنهاك حراري في الأسبوع التالي، ما يعكس هشاشة الاستجابة الصحية أمام التحولات المناخية المتسارعة.

أرقام قياسية محتملة

واصلت السلطات الأوروبية إصدار تحذيرات صحية مع استعداد القارة لأول موجة حر صيفية، إذ أعلن مكتب الأرصاد الجوية البريطاني أن المملكة المتحدة قد تشهد موجة دفء استثنائية تصل فيها درجات الحرارة إلى 33 درجة مئوية في جنوب إنجلترا ومنطقة ميدلاندز، مع احتمالات لتحطيم الرقم القياسي المسجل في مايو عند 32.8 درجة مئوية منذ عام 1944.

وأكد نائب كبير المتنبئين الجويين في مكتب الأرصاد الجوية البريطاني، ستيف كوخر، أن الأرقام القياسية لدرجات الحرارة مرشحة للتجاوز خلال عطلة نهاية الأسبوع الطويلة في مايو، في وقت تشير فيه دراسات صادرة عن المكتب إلى أن احتمالات تسجيل درجات حرارة قياسية خلال مايو أصبحت أعلى بثلاث مرات تقريباً مقارنة بفترة ما قبل تأثيرات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

وأشارت “فايننشيال تايمز” إلى أن غرب أوروبا الذي يشهد حالياً معدلات احترار تفوق المتوسط العالمي يتعرض لتأثيرات ضغط جوي مرتفع يؤدي إلى تسخين الهواء عبر الانضغاط، ما يرفع درجات حرارة السطح إلى مستويات تفوق المعتاد في هذا الوقت من العام، مع إسهامات إضافية من الهواء الساخن القادم من شمال إفريقيا وشبه الجزيرة الأيبيرية.

ولفتت إلى أن هذا النمط المناخي يترافق مع تسارع في وتيرة الظواهر المتطرفة عالمياً، حيث سجلت الهند درجات حرارة تجاوزت 45 درجة مئوية في عدة مناطق، مع توقع استمرار موجات الحر، ما يعكس اتساع نطاق الظاهرة خارج أوروبا لتشمل نصف الكرة الشمالي.

أوروبا الأسرع احتراراً

كشفت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، في تقرير حالة المناخ في أوروبا 2025 الصادر بالشراكة مع المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى، أن القارة الأوروبية تُعد الأسرع احتراراً عالمياً، حيث سجلت 95% من مناطقها درجات حرارة أعلى من المتوسط خلال عام 2025، مع تسجيل موجات حر قياسية امتدت حتى المناطق القريبة من الدائرة القطبية الشمالية.

وأوضح التقرير أن موجة حر استمرت ثلاثة أسابيع ضربت مناطق في شمال أوروبا، حيث تجاوزت درجات الحرارة 30 درجة مئوية داخل الدائرة القطبية، في مؤشر غير مسبوق على تغير بنية المناخ في المناطق الباردة، بالتزامن مع تسجيل مستويات قياسية من الإجهاد الحراري في معظم أنحاء القارة.

وأكد التقرير أن الأنهار الجليدية في أوروبا شهدت فقداناً صافياً في الكتلة، في حين تراجع الغطاء الثلجي بنسبة 31% عن المتوسط، في وقت فقدت فيه الصفيحة الجليدية في غرينلاند نحو 139 مليار طن من الجليد، وهو ما يسهم في ارتفاع مستويات سطح البحر ويزيد من مخاطر الفيضانات الساحلية التي تهدد ملايين السكان.

ورصد التقرير كذلك ارتفاعاً قياسياً في درجات حرارة سطح البحر، مع تسجيل موجات حر بحرية أثرت في 86% من المساحات البحرية الأوروبية، إلى جانب تراجع تدفقات الأنهار في 70% من الحالات عن المتوسط، ما يعكس ضغطاً متزايداً على الموارد المائية والغذائية في القارة.

الصحة والموارد الطبيعية

أظهرت بيانات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن الظروف المناخية المتطرفة في أوروبا باتت تشمل موجات حر وجفافاً وحرائق غابات واسعة، حيث احترق أكثر من مليون هكتار من الأراضي، في واحدة من كبريات الخسائر المسجلة، مع ارتفاع كبير في الانبعاثات الناتجة عن الحرائق.

وأكد التقرير أن هذه الظواهر لا تقتصر على البيئة فقط، بل تمتد إلى الصحة العامة والتنوع البيولوجي، حيث تؤدي موجات الحر البحرية والبرية إلى ارتفاع مستويات الرطوبة ودرجات الحرارة الليلية، ما يبطئ تعافي الجسم من الإجهاد الحراري ويزيد من المخاطر الصحية على الفئات الأكثر هشاشة.

وأشار إلى أن 53% من مساحة أوروبا تعرضت للجفاف خلال مايو 2025، في حين صنف العام نفسه بوصفه أحد أكثر الأعوام جفافاً منذ 1992 من حيث رطوبة التربة، وهو ما ينعكس على الأمن الغذائي واستقرار الإنتاج الزراعي في القارة.

وسجل التقرير أيضاً تزايد الضغط على التنوع البيولوجي نتيجة تقلص الموائل الطبيعية واضطراب الأنماط الموسمية للكائنات الحية، في ظل تغيرات حرارية ومناخية متسارعة تؤثر في النظم البيئية البرية والبحرية على حد سواء.

أظهر التقرير المشترك بين المنظمة العالمية للأرصاد الجوية والمركز الأوروبي للتنبؤات أن أوروبا تواجه تحولات مناخية متسارعة لم تعد محصورة في الظواهر الجوية، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية والاقتصادية، ومنها الصحة العامة، والأمن الغذائي، واستدامة الموارد الطبيعية.

وأوضح أن هذه التحولات تعيد تشكيل مفهوم “الاستقرار المناخي” في القارة، حيث لم تعد البنية التحتية التقليدية قادرة على التكيف مع تذبذب درجات الحرارة بين الصقيع الشديد وموجات الحر المتطرفة خلال فترات قصيرة، ما يخلق تحديات مباشرة أمام قدرة الدول على حماية الحقوق الأساسية للسكان.

وأكدت المنظمة أن الحلول القائمة على الطبيعة، مثل استعادة النظم البيئية ومروج الأعشاب البحرية، أصبحت جزءاً أساسياً من الاستجابة المناخية، لما لها من دور في تخزين الكربون وتعزيز قدرة المجتمعات الساحلية على الصمود أمام الكوارث المتزايدة.

وختمت المنظمة تقريرها بالإشارة إلى أن تسارع التغير المناخي في أوروبا لم يعد ظاهرة موسمية، بل تحول بنيوي طويل الأمد، يفرض إعادة التفكير في سياسات التكيف والحماية، في ظل واقع مناخي يزداد تطرفاً ويعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وحقه في بيئة مستقرة وآمنة.