تشهد بريطانيا تصاعداً لافتاً في جرائم الكراهية ذات الدوافع العرقية والدينية، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من تحول الخطاب التحريضي المنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى أعمال عنف حقيقية تستهدف الأقليات والمهاجرين داخل المدن البريطانية، ويأتي ذلك وسط أجواء سياسية واجتماعية متوترة تفاقمت خلال السنوات الأخيرة بفعل أزمات الهجرة والضغوط الاقتصادية وتراجع الثقة المجتمعية.
وذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أن السلطات البريطانية وأجهزة الأمن باتت تنظر بقلق متزايد إلى ما تصفه بانتقال الكراهية من الفضاء الرقمي إلى الشارع، خاصة مع ارتفاع وتيرة الاعتداءات المرتبطة بالدين والعرق، وانتشار الخطابات المتشددة على منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب تراجع القيود الاجتماعية التي كانت تحد سابقاً من تداول العبارات العنصرية والتحريضية في النقاشات العامة والسياسية والإعلامية.
جرائم صادمة تكشف حجم التوتر
في مدينة والسال الإنجليزية، تحولت جريمة وقعت العام الماضي إلى نموذج صادم لحالة الاحتقان المتصاعدة، بعدما تعرضت امرأة بريطانية من أصول هندية لاعتداء عنيف على يد رجل لاحقها عقب نزولها من حافلة، قبل أن يقتحم منزلها ويعتدي عليها جسدياً وجنسياً مردداً عبارات معادية للمسلمين، رغم أن الضحية تنتمي إلى الديانة السيخية، وأقر المتهم خلال المحاكمة بارتكاب الجريمة، ليصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد.
ولم تكن تلك الحادثة معزولة عن السياق العام، إذ شهدت بريطانيا خلال الأشهر الماضية سلسلة من الاعتداءات المشابهة التي استهدفت مهاجرين ومؤسسات دينية وأفراداً من أقليات مختلفة، ففي مدينة بريستول حاول شاب ينتمي إلى جماعة نازية متطرفة قتل مهاجر إيراني كردي باستخدام فأس خارج محل حلاقة، في حين شهدت مدينة مانشستر هجوماً استهدف كنيساً يهودياً وأسفر عن سقوط قتيلين، كما تعرض مسجد في مدينة بيسهافن الساحلية لعملية حرق متعمدة بعد أيام من الهجوم.
تصاعد الاعتداءات ضد الأقليات
وفي شمال لندن، تكررت الاعتداءات ضد يهود في منطقة غولدرز غرين، حيث تعرض شخصان للطعن خلال الشهر الماضي، في حين كشف رجل يهودي تعرضه للضرب على يد مجموعة من الشبان بعد أن سألوه أولاً عن ديانته، وتعكس هذه الحوادث حجم التوتر المتزايد داخل بعض المناطق البريطانية متعددة الأعراق والأديان.
وتؤكد البيانات الرسمية اتساع الظاهرة، إذ تجاوز عدد الجرائم ذات الخلفيات الدينية في إنجلترا وويلز عشرة آلاف جريمة حتى مارس 2025، استهدفت نحو 4500، منها مسلمون، في حين طالت قرابة 2900 يهودي، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بعدد السكان اليهود في البلاد، كما ارتفعت جرائم الكراهية المرتبطة بالعرق بنسبة 6 بالمئة خلال عام واحد، مع تسجيل معدلات مرتفعة ضد البريطانيين من أصول جنوب آسيوية والسود.
وسائل التواصل تحت المجهر
وترى أجهزة الأمن البريطانية أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت المحرك الأبرز لهذا المناخ المتوتر، وقال مارك هوبرو، المسؤول عن ملف جرائم الكراهية في الشرطة البريطانية، إن خطاب التحريض عبر الإنترنت يخلق ما وصفه بـهرم الكراهية، حيث تتحول التعليقات العدائية والمعلومات المضللة إلى أرضية تبرر العنف ضد الأقليات والمهاجرين.
وأشار هوبرو إلى أن سرعة انتشار الأخبار الكاذبة تمثل تحدياً كبيراً أمام السلطات، خصوصاً الشائعات المتعلقة بالمهاجرين وطالبي اللجوء، والتي تسببت خلال الأشهر الماضية في احتجاجات وأعمال عنف ضد أشخاص استهدفوا فقط بسبب ملامحهم أو لون بشرتهم.
وفي ويلز، تحولت زيارة لمجموعة كشفية تضم مراهقين من خلفيات عرقية متعددة إلى أزمة محلية بعدما جرى تداول مقاطع مصورة لهم على الإنترنت بزعم أنهم مهاجرون يقيمون داخل مركز حكومي، قبل أن تكشف التحقيقات أن المجموعة بريطانية وكانت تشارك في نشاط شبابي اعتيادي.
كما شهد شمال إنجلترا هجوماً على مجموعة كنسية إفريقية كانت تنظم نزهة عائلية داخل إحدى الحدائق العامة، بعدما هاجمهم أشخاص ملثمون وألقوا الحجارة عليهم، ما أدى إلى إصابة أحد المشاركين ونقله إلى المستشفى، في حين كشفت التحقيقات أن أحد المشتبه بهم استخدم منصة فيسبوك للتحريض على الاعتداء قبل تنفيذه.
تراجع القيود الاجتماعية
ويربط خبراء التطرف بين تصاعد هذه الاعتداءات والتغيرات التي شهدتها بعض منصات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد تخفيف سياسات مراقبة المحتوى في منصة “إكس” عقب استحواذ إيلون ماسك عليها عام 2022، وهو ما أسهم، بحسب مراقبين، في زيادة انتشار الخطابات العنصرية ورفع مستوى تقبلها داخل الفضاء الرقمي.
ويرى سندر كاتوالا، مدير مؤسسة بريتش فيوتشر المتخصصة في دراسة اتجاهات الرأي العام، أن بريطانيا حققت خلال العقود الماضية تقدماً ملحوظاً في مواجهة العنصرية العلنية، خصوصاً بعد قضية مقتل الشاب الأسود ستيفن لورنس في تسعينيات القرن الماضي، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعاً واضحاً في المعايير الاجتماعية التي كانت تضبط طبيعة الخطاب العام وتحد من انتشار العنصرية بشكل علني.
وأضاف كاتوالا أن بعض الأفراد أصبحوا أكثر جرأة في التعبير عن مواقف عنصرية سواء عبر الإنترنت أو في الحياة اليومية، في ظل تصاعد الاستقطاب السياسي والإعلامي منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إلى جانب الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية لدى شرائح واسعة من السكان.
وفي وقت سابق، حذّر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر من أن العنصرية القديمة تعود إلى السياسة البريطانية، مشيراً إلى أن هذا الواقع يجعل الناس يشعرون بخوف حقيقي ويهدد الوحدة الوطنية.
وأوضح ستارمر أن المشهد السياسي الحالي منقسم بين مشروع حزب العمال الذي يدعو إلى إعادة إحياء روح التضامن والتسامح، وبين خطاب الكراهية والانقسام الذي يروج له حزب ريفورم وبعض التيارات اليمينية المتطرفة.
وأكد ستارمر أن بعض الخطابات العنصرية والانقسامية التي كان يُعتقد أنها تجاوزت منذ عقود بدأت تعود للواجهة، ما يضع المجتمع أمام تحدٍ خطير من حيث الأمان المجتمعي والاعتراف بالحقوق المدنية للأقليات.
الهجرة في قلب الأزمة
وخلال السنوات الأخيرة تحول ملف الهجرة إلى واحد من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل بريطانيا، حيث تصاعدت الاحتجاجات ضد مراكز إيواء طالبي اللجوء في عدد من المدن، وتخللت بعضها محاولات اقتحام وأعمال عنف، خاصة بعد انتشار شائعات عبر الإنترنت تتهم المهاجرين بارتكاب جرائم أو بالحصول على امتيازات حكومية على حساب المواطنين البريطانيين.
وفي مدينة إيبسوم جنوب غرب لندن اندلعت احتجاجات عنيفة الشهر الماضي بعد تداول معلومات تزعم أن مهاجرين اغتصبوا امرأة قرب كنيسة، قبل أن تكشف التحقيقات الأمنية لاحقاً أن الحادثة لم تكن جريمة اغتصاب وأن المرأة قدمت رواية مضطربة عقب تعرضها لإصابة في الرأس، ورغم ذلك، خرج متظاهرون حاولوا مهاجمة مبانٍ يعتقد أنها تضم طالبي لجوء.
تعد جرائم الكراهية في بريطانيا من القضايا التي تحظى بمتابعة أمنية وسياسية واسعة، خاصة بعد تصاعدها خلال العقد الأخير بالتزامن مع أزمات الهجرة وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتعرف السلطات البريطانية جرائم الكراهية بأنها أي جريمة تستهدف شخصاً بسبب العرق أو الدين أو الجنسية أو التوجه الجنسي أو الإعاقة، وتشير تقارير رسمية إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت خلال السنوات الأخيرة عاملاً رئيسياً في نشر المعلومات المضللة وخطابات التحريض، ما دفع الحكومة والأجهزة الأمنية إلى المطالبة بتشديد الرقابة على المحتوى الرقمي وتعزيز برامج مكافحة التطرف والكراهية المجتمعية.
