يعرف محمد رضوان المسافة بين منزله في قرية بيت دجن شرقي نابلس وبلدة قصرة حيث يعمل، لكنه لا يعرف كم يحتاج لقطعها، قبل أن يغادر منزله يتصفح الأخبار وصفحات التواصل ويتصل بسائقين ومعارف ليسأل: أي الحواجز مفتوح؟ وأيها مغلق؟ وأين يمكن أن يطول الانتظار؟
يمر رضوان (45 عاما) عبر ثلاثة حواجز عسكرية ثابتة على الأقل، وقد تضاف إليها حواجز مفاجئة وبوابات تغلق مداخل القرى، وينطلق مبكرا وينسق مع زملائه لاستكمال الطريق في سيارة واحدة. وبحسب شهادته التي نقلتها وسائل إعلام، استمر تنقله عبر الحواجز 24 عاما، لكنه أصبح أكثر قسوة منذ حرب غزة.
ويقول إنه احتجز مرات عدة، وقُيد وعُصبت عيناه ست ساعات عند حاجز بيت فوريك، كما أطلقت النار على إطارات سيارته في واقعة أخرى وحُطم هاتفه في اعتداء ثالث.
رضوان واحد من نحو 3.4 مليون فلسطيني تقول الأمم المتحدة إن حركتهم تتأثر بشبكة من 925 عائقا في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية. خلف هذه الأرقام لا تتعطل الطرق وحدها، بل يصبح الوصول إلى العمل والعلاج والتعليم والأرض مرهونا بطريق قد يغلق في أي وقت.

925 عائقا تعيد رسم الطريق
بحسب أحدث بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بلغ عدد عوائق الحركة حتى ديسمبر/كانون الأول 2025 نحو 925 عائقا، بزيادة 43% على المتوسط السنوي البالغ 647 عائقا خلال العقدين السابقين.
وتشمل المنظومة 89 حاجزا مأهولا على مدار الساعة و218 حاجزا جزئيا و232 بوابة طرق، إلى جانب سواتر ترابية وإغلاقات أخرى. وتعيق 459 نقطة الوصول بين البلدات والقرى والطرق الرئيسية، بينما تؤثر 121 نقطة في الوصول إلى الطريق 60 الذي يربط شمال الضفة بجنوبها.
وفي مارس/آذار 2026، وثّقت الأمم المتحدة إغلاق طريق في اللبن الشرقية بما عرقل وصول الطلاب بالمركبات إلى مدارسهم، وتقييد وصول أربع عائلات إلى منازلها في دير بلوط، فيما أجبرت بوابتان عسكريتان 32 أسرة في خربة عاطوف على استخدام طرق أصعب للوصول إلى المنازل والخدمات والأراضي الزراعية.

العلاج ينتظر عند الحاجز
بين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب 2026، وثّقت منظمة الصحة العالمية 124 هجوما على الرعاية الصحية في الضفة، أثرت في 100 عملية نقل صحي و20 مرفقا طبيا، وأسفرت عن أربع وفيات و40 إصابة، وكان 112 حادثا منها مرتبطا بعرقلة تقديم الرعاية.
وتشمل العوائق الحواجز وإغلاق الطرق واحتجاز سيارات الإسعاف ومتطلبات التنسيق المسبق وتراجع الموافقات على تصاريح المرضى. وفي حالات اضطرت فرق طبية إلى استخدام طرق أطول أو نقل المرضى سيرا عبر بوابات مغلقة.
وتقدر مجموعة الصحة أن 244 موقعا في المنطقة “ج”، يقطنها نحو 204,400 شخص، تحتاج إلى خدمات العيادات المتنقلة، فيما لا تصل هذه الخدمات إلى 17 موقعا بسبب صعوبات الوصول أو توقفها. لكنها لا تستطيع تعويض المستشفيات في الجراحة والتشخيص المتخصص والعلاج المتقدم.

المدرسة موجودة.. والوصول إليها غير مضمون
في النصف الأول من 2026، وثّق قطاع التعليم 224 حادثة أثرت في 152 مدرسة و20,450 طالبا و859 من العاملين في التعليم، بينها 122 حادثة مرتبطة بقيود الوصول والحركة. ومع بدء العام الدراسي 2026-2027، عاد نحو 846 ألف طالب إلى مدارس الضفة، في وقت ظل فيه أكثر من أربعة آلاف طالب نازح في شمال الضفة يعانون تعطل التعليم النظامي، وبقيت 19 مدرسة غير متاحة أو مغلقة أو مهجورة.
وهكذا قد تكون المدرسة قائمة والمعلم موجودا والمقعد شاغرا، لكن الطريق إليها يصبح العائق أمام الحق في التعليم.
الأرض والعمل خلف البوابة
يوسف خالد، مدير بلدية جيوس في محافظة قلقيلية، قال لـ”صفر” إن الحواجز والبوابات الحديدية تعطل وصول السكان إلى أماكن العمل والمستشفيات والمدارس، وتضرب بصورة خاصة جيوس بوصفها بلدة زراعية، حيث يعاني المزارعون من القيود والتصاريح المرتبطة بالوصول إلى أراضيهم خلف جدار الفصل.
وأوضح أن بوابات، بينها جورة النبي إلياس وجيوس–عزون وإغباره، تفرض مسارات وأوقاتا محددة للدخول والخروج، فيما تجبر الاقتحامات والإغلاقات السكان على استخدام طرق طويلة ووعرة.
ويقول خالد إن الأطفال والمرضى وكبار السن هم الأكثر تضررا، مشيرا إلى احتجاز أطفال داخل المدارس خلال الاقتحامات واضطرار مرضى يحتاجون إلى تدخل طبي عاجل إلى سلوك طرق أطول للوصول إلى مستشفى درويش نزال في قلقيلية أو مستشفى ثابت ثابت في طولكرم.
حرية الحركة بوابة إلى بقية الحقوق
قالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في 29 سبتمبر/أيلول 2026 إن القيود المتزايدة على الحركة في الضفة تعوق وصول المرضى إلى الرعاية الصحية والأطفال إلى مدارسهم وتعزل السكان عن منازلهم ومصادر رزقهم، مشيرة إلى أن سيارات الإسعاف قد تتأخر ساعات عند الحواجز أو تضطر إلى طرق أطول.
ولا تنفي الاعتبارات الأمنية حق السلطات الإسرائيلية في اتخاذ تدابير أمنية، لكن اللجنة تؤكد في الوقت نفسه أن إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، ملزمة بحماية السكان المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني والحفاظ على الحياة المدنية وإتاحة الخدمات الأساسية.
محمود الحنفي، أستاذ جامعي وخبير في القانون الدولي الإنساني، اعتبر في حديث لـ”صفر” إن هذه القيود لا ينبغي النظر إليها كحوادث منفصلة، داعيا إلى توثيق كل واقعة وحفظ الأدلة والتواصل مع مكاتب الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية واللجنة الدولية للصليب الأحمر ولجنة التحقيق التابعة لمجلس حقوق الإنسان، وتقديم الملفات الموثقة إلى المحكمة الجنائية الدولية.
ويرى الحنفي أن شبكة الحواجز والإغلاقات تتخطى مبدأ التناسب وتدفع باتجاه عزل السكان والضغط على مقومات بقائهم، معتبرا أن بعض هذه الممارسات تثير مسائل تتصل بالعقاب الجماعي والتهجير القسري وجرائم ضد الإنسانية في ضوء نظام روما الأساسي، إلى جانب الحق في حرية الحركة الذي تتناوله المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقيات جنيف المتعلقة بحماية المدنيين تحت الاحتلال.
وبالنسبة إلى محمد رضوان، تختصر المسألة كل صباح في سؤال أبسط: أي طريق يستطيع أن يسلك اليوم، وكم ساعة يحتاج للوصول إلى عمله؟ . فحين تكون المدرسة والمستشفى والعمل والأرض موجودة، لكن الطريق إليها قد يغلق في أي لحظة، لا يعود السؤال ما إذا كانت الحقوق مكفولة، بل ما إذا كان الفلسطيني قادرا أصلا على الوصول إليها.
