كشف تصاعد اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية عن اتساع الانتهاكات التي تستهدف حقوق الفلسطينيين في الأرض والسكن والعمل وحرية التنقل والوصول إلى العدالة، بعدما تجاوزت الاعتداءات إتلاف الممتلكات الزراعية إلى الاستيلاء على المنازل والأراضي وفرض وقائع جديدة على الأرض، في ظل توسع البؤر الاستيطانية وتصاعد الهجمات على القرى الفلسطينية.
فقدان الأمان
روى الفلسطيني محمد سلامة تفاصيل تحوّل المنزل الذي كان يبنيه لعائلته في قرية جالود إلى رمز لفقدان الأمان، بعدما استولت عليه مجموعة من المستوطنين قبل اكتمال بنائه، وكان المنزل مخصصاً ليبدأ فيه ابنه الذي خطب مؤخراً حياته الزوجية، إلا أن الحلم توقف مع صعود المستوطنين إلى المنزل واستمرار وجودهم فيه، وفق ما أوردته وكالة رويترز.
أظهر مقطع فيديو -وفقاً لوكالة رويترز- وجود ما لا يقل عن 6 مستوطنين فوق سطح المنزل المكون من طابقين، في حين أكد سلامة أن مناشداته للجيش والشرطة الإسرائيليين لم تسفر عن أي نتيجة، معرباً عن خشيته من أن يفقد منزله بصورة نهائية، وأن تلقى منازل أخرى في المنطقة المصير نفسه.
قال محمد سلامة إن مصير المنزل بات معلقاً، مضيفاً أن نجاح المستوطنين في الاستيلاء على منزل واحد قد يفتح الباب أمام الاستيلاء على بقية المنازل.
أوضح الجيش الإسرائيلي أنه تلقى بلاغاً بشأن المنزل، وأن جنوده وصلوا إلى المكان وعملوا على تفريق التجمع، لكنه لم يعلق على استمرار وجود المستوطنين داخل المنزل، في حين أشار إلى أن مسؤولية إنفاذ القانون بحق المستوطنين تقع على عاتق الشرطة الإسرائيلية التي لم تقدم تعليقاً.
أكدت رويترز أن الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية يمثل سمة مستمرة في الضفة الغربية، حيث يعيش نحو 500 ألف إسرائيلي بين قرابة 3 ملايين فلسطيني، في حين يواصل الفلسطينيون الإبلاغ عن أضرار تطول الأراضي الزراعية والممتلكات وهجمات مرتبطة بتوسع المستوطنات.
أشار تحقيق للأمم المتحدة، نُشر الشهر الماضي، إلى أن هجمات المستوطنين الإسرائيليين على القرى والأراضي الزراعية الفلسطينية ارتفعت منذ عام 2023 بنسبة 130%.
حذر رئيس المجلس المحلي رائد الحاج محمد من أن حادثة جالود تمثل تصعيداً جديداً، موضحاً أن المستوطنين باتوا على بعد نحو 100 متر فقط من آخر منزل في القرية، وأن جالود شهدت 5 هجمات استيطانية كبيرة شملت إحراق منازل وإتلاف مركبات واقتلاع أشجار.
أكدت الوكالة أن معظم دول العالم والأمم المتحدة تعد المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية غير شرعية بموجب القانون الدولي، استناداً إلى اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر نقل السكان المدنيين إلى الأراضي المحتلة، في حين ترفض إسرائيل هذا التوصيف وتعد الضفة الغربية أرضاً متنازعاً عليها.
استهداف مقومات الحياة
من جانبها، وثقت صحيفة “الغارديان” البريطانية اتساع الاعتداءات لتطول مقومات الحياة اليومية في القرى الفلسطينية، بعدما استيقظت الفلسطينية إلهام كراجة في قرية عين عريك لتجد أرض عائلتها الزراعية مدمرة، وقد قُطعت أنابيب الري، وقُصفت أغصان العنب، واقتلعت 70 شجرة زيتون صغيرة كانت تمثل استثمار الأسرة للمستقبل.
وصفت إلهام كراجة المشهد أثناء جمعها الأغصان المقطوعة مع زوجها محمد، مؤكدة أن الأشجار كانت لا تزال رطبة بالعصارة، في إشارة إلى حداثة عملية اقتلاعها.
أوضحت أن سكان القرية لم يشككوا في هوية منفذي الهجوم، بعد تصاعد الاعتداءات منذ إقامة بؤرة استيطانية جديدة تعرف باسم “معوز تسور” على تل قريب العام الماضي، حيث بدأت ببضعة مستوطنين قبل أن تتحول إلى نقطة انطلاق للاستيلاء على الأراضي المحيطة.
بينت “الغارديان” أن أول أهداف البؤرة كان مجتمع الرعاة البدو، قبل أن يمتد الضغط إلى القرى المجاورة، إذ مُنع السكان لأكثر من عام من الوصول إلى بساتين الزيتون والحمضيات والينابيع الواقعة قرب البؤرة، في حين تعرض من حاول الوصول إليها لاعتداءات متكررة بالهراوات والحجارة.
كما ربطت الصحيفة بين الهجوم على مزرعة عائلة كراجة وبين موجة أوسع من الترهيب امتدت إلى قرية دير إبزي، معتبرة أن ما يحدث يمثل جزءاً من تصاعد الاعتداءات الاستيطانية في أنحاء الضفة الغربية.
وأوضح مؤسس منظمة كرم نافوت درور إيتكيس أن الأشهر المقبلة ستكون صعبة، في ظل تركيز الاهتمام السياسي على الانتخابات، وهو ما يمنح المستوطنين مساحة أوسع لفرض وقائع جديدة على الأرض.
وأشارت إلى أن وتيرة الضم الفعلي للضفة الغربية تسارعت خلال عام 2025 والنصف الأول من العام الجاري، مع اعتماد متزايد على البؤر الزراعية التي لا تحتاج إلى مشروعات بناء كبيرة، وإنما إلى مجموعات صغيرة تستخدم العنف لطرد الفلسطينيين من مساحات واسعة.
وكشف تقرير مشترك أصدرته منظمة كرم نافوت ومنظمة السلام الآن أن البؤر الزراعية تسيطر حالياً على أكثر من مليون دونم، أي 100 ألف هكتار، ما يعادل 18% من مساحة الضفة الغربية، وأن ما يقرب من ثلث هذا الاستيلاء تحقق خلال عام 2025 وحده.
خلص التقرير إلى أن الحكومة الإسرائيلية مضت في الضم الفعلي بوتيرة غير مسبوقة من خلال توسيع المستوطنات، وإضفاء الشرعية بأثر رجعي على البؤر الاستيطانية، والاستيلاء على الأراضي، وطرد التجمعات الفلسطينية، وزيادة السيطرة على مناطق كانت خاضعة للسلطة الفلسطينية، مؤكداً أن هذه العملية تعتمد على نمط متواصل من العنف.
حرية الوصول إلى الأرض
لفت التقرير إلى أن الاعتداءات تتراوح بين الإساءة اللفظية والقتل، وأن معظمها لا يوثق من أي جهة رسمية، معتبراً أن هذا العنف جزء من منظومة تهدف إلى طرد الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم.
أوضحت “الغارديان” أن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش تولى صلاحيات واسعة تتجاوز منصبه، بعدما انتزع سلطة الموافقة على المستوطنات من وزارة الدفاع، واستخدمها لإضفاء الشرعية بأثر رجعي على بؤر زراعية، بينها “معوز تسور” التي زارها في أبريل وشارك في الاحتفال بالاعتراف بها مستوطنة رسمية.
وبينت أن الهجمات لا تستهدف دائماً الاستيلاء المباشر على الأراضي، وإنما تهدف أيضاً إلى عزل الفلسطينيين عبر إغلاق الطرق بين القرى ببوابات فولاذية أو كتل حجرية، وإنشاء طرق مخصصة للمستوطنين تربط البؤر الجديدة ببعضها.
شرح مؤسس منظمة كرم نافوت درور إيتكيس هذه السياسة بقوله إن ربط منطقة ما يعني بالضرورة فصل منطقة أخرى.
وأكدت الصحيفة البريطانية أن سبل اللجوء إلى القانون تراجعت بصورة كبيرة منذ تعيين إيتمار بن غفير وزيراً للأمن القومي نهاية عام 2022، إذ أفاد سكان عين عريك بأن تقديم الشكاوى للشرطة أو اللجوء إلى القضاء لم يعد يحقق أي نتيجة.
وقال أحمد أبو ميالة إن عدداً من المحامين أبلغوا عائلته بعدم قدرتهم على اتخاذ أي إجراء لأن الحكومة متواطئة مع المستوطنين، ونصحوه بانتظار الانتخابات أملاً في حدوث تغيير.
وأوضح رئيس البلدية مهند عثمان أنه يفكر في دعوة ممثلين عن السفارات والمنظمات الأجنبية لمرافقة المزارعين خلال موسم قطف الزيتون؛ أملاً في توفير قدر من الحماية لهم أثناء الوصول إلى أراضيهم.
وأشارت الصحيفة إلى أن المملكة المتحدة وأستراليا وكندا وفرنسا والنرويج فرضت الشهر الماضي عقوبات على الشبكات الداعمة للعنف الاستيطاني، كما منعت فرنسا دخول بتسلئيل سموتريتش إلى أراضيها، بعدما سبق أن مُنع من دخول المملكة المتحدة عام 2020.
واختتم مؤسس منظمة كرم نافوت درور إيتكيس تقييمه بتأكيد أن أي حكومة إسرائيلية جديدة ستواجه صعوبة كبيرة في تغيير السياسات القائمة في الضفة الغربية، بسبب الدعم السياسي الذي يحظى به المستوطنون واستمرار وجودهم الميداني.
