تعيش موريتانيا واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في منطقة الساحل، حيث تتقاطع هشاشة الظروف المعيشية مع الفقر وعدم المساواة وتحديات التعليم والصحة والتغذية والمياه، بالتزامن مع ضغوط التغير المناخي وتدفق مئات الآلاف من اللاجئين الفارين من الحرب في مالي.
وقال البنك الدولي إن عدد سكان موريتانيا يقترب من 5.5 مليون نسمة في 2026، وإن نحو 61% من السكان يعيشون في المناطق الحضرية، في حين انخفض معدل الفقر إلى نحو 25.2% في 2025، بعد أن كان 27% في 2024، لكن هذا التحسن الاقتصادي لا يلغي استمرار فجوات كبيرة في الخدمات والفرص بين المدن والمناطق الريفية.
فقر يتراجع وأعباء لا تختفي
أوضح البنك الدولي أن الاقتصاد الموريتاني نما بنسبة 4.2% في 2025، مقارنة مع 6.3% في 2024، في حين تراجعت معدلات التضخم إلى 1.5% خلال 2025، وأسهم تحسن النشاط الاقتصادي في إخراج نحو 55 ألف شخص من دائرة الفقر، لكن البنك الدولي حذر من أن التحسن الاقتصادي لا يزال هشاً أمام الصدمات الخارجية، خصوصاً ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وتوقع ارتفاع التضخم إلى 4.8% في 2026 مع انتقال آثار ارتفاع أسعار الغذاء والنفط عالمياً إلى الأسواق المحلية.
وأظهرت الوكالة الوطنية للإحصاء والتحليل الديموغرافي والاقتصادي في موريتانيا أن مؤشرات الفقر وظروف المعيشة ما زالت تكشف فجوات واسعة في الوصول إلى الخدمات الأساسية، إذ تشير البيانات المنشورة إلى أن 31% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، في حين تبلغ نسبة الوصول إلى مياه الشرب نحو 67%.
فقر متعدد الأبعاد
قال البنك الدولي إن 28.4% من سكان موريتانيا كانوا يعيشون في الفقر وفق خط الفقر الدولي البالغ 3.65 دولار يومياً وفق تعادل القوة الشرائية لعام 2017 في 2024، مقابل 26.3% في 2020، ويعاني 58% من السكان من الفقر متعدد الأبعاد، أي الحرمان من جوانب أساسية تشمل التعليم والصحة والعمل اللائق وظروف السكن والخدمات الضرورية.
وأكد البنك الدولي أن الفقر متعدد الأبعاد أكثر انتشاراً في الريف، حيث يصل إلى 77%، ما يوضح أن المشكلة لا ترتبط بالدخل وحده وإنما بقدرة الأسر على الوصول إلى الخدمات التي تحدد نوعية الحياة ومستقبل الأطفال.
الماء.. معركة يومية
أشارت منظمة الأمم المتحدة للطفولة إلى أن موريتانيا حققت تقدماً في توفير مياه الشرب والصرف الصحي، لكن تحديات كبيرة لا تزال قائمة، خصوصاً في المدارس والمرافق الصحية والمناطق الفقيرة، وقالت اليونيسف إن أكثر من نصف المنشآت الصحية وثلثي المدارس لا تمتلك تجهيزات مناسبة للمياه والصرف الصحي والنظافة، في حين تضطر النساء في كثير من المناطق إلى قطع مسافة تتجاوز 30 دقيقة في المتوسط للوصول إلى مصدر للمياه الصالحة للشرب، ما يضيف عبئاً يومياً على الأسر ويؤثر بصورة خاصة في النساء والفتيات.
غذاء تحت ضغط المناخ
أوضح برنامج الأغذية العالمي أن طبيعة موريتانيا الصحراوية وشبه الصحراوية تجعل الأمن الغذائي شديد الحساسية للجفاف والفيضانات وتدهور البيئة، مشيراً إلى أن 0.4% فقط من أراضي البلاد صالحة للزراعة.
وقال البرنامج إن أكثر من 590 ألف شخص كانوا معرضين للهشاشة خلال موسم العجاف في 2025، مع تسجيل معدل سوء تغذية حاد بلغ 12% ضمن الفئات المتضررة، في حين يعتمد جزء كبير من السكان على الزراعة والرعي اللذين يتأثران مباشرة بتقلبات الأمطار والمناخ.
وأوضحت منظمة الأمم المتحدة للطفولة أن سوء التغذية لا يزال يمثل تحدياً كبيراً للأطفال، خصوصاً في مناطق الحوضين وأفطوط، حيث تتقاطع هشاشة الغذاء مع الفقر وبعد الخدمات ووجود مخيمات اللاجئين، ووفق البيانات التي تستند إليها اليونيسف، بلغ معدل سوء التغذية الحاد العالمي بين الأطفال في موريتانيا 13.5% في 2022، في حين تجاوز سوء التغذية الحاد الشديد 2.7%، وبلغ التقزم 24.8%، في حين يعاني نحو ثلاثة أرباع الأطفال دون الخامسة من فقر الدم.
أطفال يدفعون الثمن
قالت اليونيسف إن أكثر من ربع الأطفال في موريتانيا يعيشون في فقر مطلق وفق مقياس الحرمان من حقين أساسيين على الأقل، مثل التعليم والمياه والصرف الصحي والسكن والصحة والوصول إلى المعلومات، في حين يتعرض ما لا يقل عن ثلث هؤلاء الأطفال لخطر انعدام الأمن الغذائي أو سوء التغذية الحاد.
وأكدت المنظمة أن الفقر وعدم المساواة والتغير المناخي والفوارق بين المناطق الحضرية والريفية تشكل عقبات هيكلية أمام حصول الأطفال على حقوقهم الأساسية.
التعليم خارج متناول كثيرين
أظهرت اليونيسف أن التعليم لا يزال من أبرز التحديات الاجتماعية، إذ تشير بياناتها إلى أن 45% من الأطفال في سن الدراسة خارج المدرسة، وأن 39% فقط من المدارس الابتدائية توفر دورة تعليمية كاملة، في حين لا يحصل سوى نحو طفل واحد من كل عشرة من طلاب المرحلة الثانوية على شهادة البكالوريا، وتربط المنظمة هذه الفجوات بنقص الموارد والمعلمين المؤهلين والبنية التحتية والمواد التعليمية، إلى جانب ضعف فرص التعليم في المناطق الريفية والنائية.
لاجئون يضيفون ضغطاً جديداً
قالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن موريتانيا استقبلت خلال 2025 نحو 50 ألف لاجئ مالي جديد، ليتجاوز عدد اللاجئين وطالبي اللجوء في البلاد 300 ألف شخص. وأوضحت المفوضية أن منطقة الحوض الشرقي تستضيف أكثر من 290 ألف لاجئ مالي، بينهم نحو 120 ألفاً في مخيم أمبرة وأكثر من 170 ألفاً موزعون على أكثر من 70 قرية ومجتمعاً مضيفاً، ما يفرض ضغطاً متزايداً على المياه والغذاء والصحة والتعليم وسبل العيش في واحدة من أكثر مناطق البلاد هشاشة.
وأضافت المفوضية أن تدفق اللاجئين لم يتوقف في 2026، إذ أدت التطورات الأمنية في شمال ووسط مالي إلى وصول نحو 14,402 لاجئ إلى منطقة الحوض الشرقي منذ بدء موجة التدفق الجديدة في 24 أكتوبر 2025 وحتى 21 مايو 2026.
وقالت المفوضية إن 484 لاجئاً وصلوا خلال الأسابيع الثلاثة السابقة للتقييم، وإن غالبية القادمين عائلات وأطفال، في حين تعوق الطبيعة النائية للمنطقة وصعوبة الوصول عمليات التسجيل وتقديم الخدمات لبعض الوافدين.
مخيم أمبرة.. أزمة طويلة الأمد
أوضحت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن مخيم أمبرة أصبح أحد أكبر تجمعات اللاجئين في المنطقة، في حين يعيش الجزء الأكبر من اللاجئين خارج المخيم موزعين على قرى مضيفة.
وقال الاتحاد الأوروبي إن نحو 120 ألف لاجئ يقيمون في أمبرة، وإن المخيم يتجاوز قدرته الاستيعابية بنحو 40 ألف شخص، في حين تشكل النساء والأطفال أكثر من 80% من سكانه. وأكد الاتحاد الأوروبي أن الاحتياجات الأساسية ما زالت مرتفعة في الغذاء والمياه والخدمات الصحية والحماية، في وقت تزداد فيه مخاطر وصول موجات جديدة من مالي.
ضغط على المجتمعات المضيفة
قالت الحكومة الموريتانية إن الاستجابة لأزمة اللاجئين لا يمكن أن تقتصر على توفير المساعدات للوافدين، وإنما يجب أن تشمل المجتمعات التي تستضيفهم. وأعلنت وزارة الشؤون الاقتصادية والتنمية في يناير 2026 أن خطة الاستجابة لعام 2025 قدمت دعماً لأكثر من 471 ألف شخص، بينهم لاجئون وعائدون وأفراد من المجتمعات المضيفة، وشملت المساعدات الغذاء والمياه والصرف الصحي والصحة والتعليم والحماية وسبل العيش. وأكدت الحكومة أن خطة 2026 تستهدف تعزيز الاستعداد لتدفقات جديدة وتقليل الآثار الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية في مناطق الاستقبال.
أزمة تمويل تهدد الاستجابة
كشف صندوق النقد الدولي أن خطة الاستجابة والصمود للاجئين المنسقة أممياً، والتي بلغت تكلفتها 152 مليون دولار في 2025، واجهت فجوة تمويلية قدرت بنحو 60%، في حين أظهرت بيانات الصندوق أن فجوة تمويل إطار التعاون الأممي في موريتانيا بلغت نحو 52% حتى نوفمبر 2025. وحذر صندوق النقد من أن تراجع المساعدات الخارجية يهدد النتائج الاجتماعية ويضع ضغطاً إضافياً على قدرة الدولة والشركاء على تمويل الخدمات الأساسية، خصوصاً في ظل استمرار تدفقات اللاجئين والحاجة إلى استثمارات طويلة الأجل في المناطق المضيفة.
المناخ يضاعف الهشاشة
أكدت الأمم المتحدة أن التحديات الإنسانية في موريتانيا لا تنفصل عن التغير المناخي، خصوصاً في الحوض الشرقي والمناطق الريفية التي تعتمد على الرعي والزراعة. وأطلقت الحكومة الموريتانية والأمم المتحدة في يناير 2026 مقاربة تجمع بين العمل الإنساني والتنمية وبناء السلام، مع التركيز على الحوض الشرقي وكيديماغا، بهدف معالجة الاحتياجات العاجلة وتقوية قدرة المجتمعات على مواجهة الصدمات.
وقالت الأمم المتحدة إن نحو 300 ألف لاجئ يعيشون في موريتانيا، وإن القادمين الجدد يتكونون بنسبة تقارب 80% من النساء والأطفال الذين فروا من الصراع وفقدوا مصادر رزقهم وممتلكاتهم.
حقوق الإنسان.. ملفات لم تُغلق
قالت هيومن رايتس ووتش إن موريتانيا لا تزال تواجه تحديات حقوقية تتعلق بحرية التعبير والتجمع، وملاحقة بعض الصحفيين والنشطاء، واستمرار بعض أشكال العبودية القائمة على النسب، رغم وجود قوانين تجرم الرق ومحاكم متخصصة للنظر في هذه الجرائم. وأكدت المنظمة أن السلطات اتخذت خطوات قانونية ومؤسسية، لكن القضاء على الممارسات المرتبطة بالإرث الاجتماعي للعبودية يتطلب تنفيذاً فعالاً للقوانين ومساءلة حقيقية عن الانتهاكات.
المهاجرون في دائرة الخطر
وثقت هيومن رايتس ووتش في تقرير صدر عام 2025 انتهاكات خطرة ضد مهاجرين وطالبي لجوء في موريتانيا خلال الفترة من 2020 إلى مطلع 2025، شملت التعذيب والاغتصاب والعنف والاحتجاز التعسفي وظروف الاحتجاز غير الإنسانية والابتزاز والطرد الجماعي.
وقالت المنظمة إنها أجرت مقابلات مع 223 شخصاً، بينهم 102 مهاجر وطالب لجوء، ودعت موريتانيا إلى مواصلة الإصلاحات وتعزيز الرقابة على قوات الأمن وإنهاء عمليات الطرد الجماعي. وأشارت في الوقت نفسه إلى إجراءات أعلنتها الحكومة، بينها تقييم فردي قبل قرارات الطرد، ومنع طرد الأطفال غير المصحوبين، وتحسين ظروف الاحتجاز وإتاحة وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز.
قانون دولي وواجبات الدولة
أوضحت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن حماية اللاجئين في موريتانيا ترتبط بالتزامات الدولة بموجب اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، ومنها حماية الأشخاص من الإعادة إلى أماكن قد يتعرضون فيها للاضطهاد أو الخطر الجسيم. كما يؤكد القانون الدولي لحقوق الإنسان حماية الحق في الحياة والسلامة وعدم التعرض للتعذيب أو المعاملة القاسية، في حين تفرض مبادئ الحماية الدولية على السلطات ضمان معاملة طالبي اللجوء والمهاجرين بكرامة وعدم التمييز. وتزداد أهمية هذه الضمانات في موريتانيا مع اتساع دورها بوصفها دولة لجوء وعبور في منطقة الساحل.
اقتصاد يتقدم واحتياجات تتسع
أعلن صندوق النقد الدولي في يونيو 2026 إقرار برنامج تمويل جديد لموريتانيا لمدة 42 شهراً بقيمة 95.8 مليون دولار، مع صرف فوري يقارب 105.6 مليون دولار ضمن الترتيبات الجديدة، مؤكداً أن البرنامج يستهدف الاستقرار الاقتصادي وتعزيز رأس المال البشري والنمو الشامل وتحسين الحوكمة.
وأشار الصندوق إلى أن موريتانيا حققت تقدماً في الاستقرار المالي والإصلاحات الاقتصادية، لكن استمرار الفقر والفجوات الاجتماعية وتغير المناخ وتدفقات اللاجئين يجعل الاستثمار في رأس المال البشري والخدمات الاجتماعية جزءاً أساسياً من معالجة هشاشة البلاد.
وتكشف الصورة العامة أن موريتانيا لا تواجه أزمة واحدة يمكن علاجها بإجراء منفرد، بل مجموعة أزمات مترابطة تبدأ من فقر متعدد الأبعاد وتصل إلى ضعف الوصول إلى المياه والتعليم والصحة والتغذية، مروراً بتأثير الجفاف والفيضانات وتغير المناخ، وصولاً إلى عبء استضافة مئات الآلاف من اللاجئين الفارين من حرب مالي.
وتؤكد بيانات البنك الدولي واليونيسف وبرنامج الأغذية العالمي والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والحكومة الموريتانية أن التحسن الاقتصادي المسجل في السنوات الأخيرة لم ينهِ مَواطن الهشاشة، وأن المناطق الريفية ومجتمعات اللاجئين والأطفال والنساء تتحمل جانباً كبيراً من هذه الأعباء.
وتتجه الاستجابة الموريتانية والأممية خلال 2026 نحو الجمع بين الإغاثة الفورية والتنمية طويلة الأجل، خصوصاً في الحوض الشرقي والمناطق المضيفة للاجئين. لكن فجوات التمويل واستمرار عدم الاستقرار في مالي وتزايد المخاطر المناخية تضع هذه المقاربة أمام اختبار صعب.
وتقول الحكومة الموريتانية إن خطة الطوارئ الجديدة تركز على الحماية والغذاء والمياه والصحة والمأوى، في حين تدعو الأمم المتحدة إلى بناء قدرة المجتمعات على الصمود وتحسين الخدمات والتماسك الاجتماعي. وبينما تشير المؤشرات الاقتصادية إلى تحسن تدريجي، يبقى معيار التحسن الإنساني مرتبطاً بمدى قدرة هذا النمو على الوصول إلى الأسر الأكثر فقراً والأطفال خارج المدرسة والمجتمعات الريفية واللاجئين الذين يعيشون على هامش الخدمات الأساسية.

