تتسع أجندة حقوق الإنسان في جنيف لتشمل ملفات متشابكة، تبدأ من حماية النساء والأطفال في النزاعات وما بعدها، ولا تنتهي عند الحق في التنمية أو حماية الفضاء المدني والخصوصية الرقمية وحقوق كبار السن. وبين هذه الملفات، تبرز قضية المساءلة عن الانتهاكات وضمان وصول الضحايا إلى العدالة وجبر الضرر، باعتبارها قاسماً مشتركاً في عدد من التقارير والحوارات التي شهدها مجلس حقوق الإنسان.
وجاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، حيث ناقش المجلس مجموعة من التقارير والملفات التي طرحها المفوض السامي لحقوق الإنسان ومكتبه، إلى جانب التقارير المقدمة من الأمين العام، وشملت قضايا تعزيز وحماية حقوق النساء والأطفال في حالات النزاع وما بعد النزاع، وعقوبة الإعدام، وحقوق الشعوب الأصلية، والحق في التنمية، والخصوصية في العصر الرقمي، والمشاركة في الشؤون العامة، والفضاء المدني، فضلاً عن الوقاية من الإبادة الجماعية والحصول على الأدوية واللقاحات وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان.
وفي الحوار التفاعلي حول التقرير التحليلي للمفوض السامي بشأن تعزيز حماية حقوق الإنسان للنساء والأطفال في أوضاع النزاع وما بعد النزاع، ركزت المداخلات على طبيعة المخاطر التي تتعرض لها النساء والفتيات والأطفال، وفي مقدمتها العنف الجنسي، والنزوح، والتجنيد القسري، والانتهاكات المرتبطة بالنزاعات المسلحة.
وأكدت المداخلات أن الحماية الفعالة لا تقتصر على الاستجابة للانتهاكات بعد وقوعها، وإنما تتطلب الوقاية والدعم الشامل، إلى جانب ضمان مشاركة النساء في عمليات بناء السلام وصياغة السياسات التي تؤثر في حياتهن.
ومن بين الملفات التي طرحت خلال النقاش، الوضع في كولومبيا، حيث دعت إحدى المنظمات إلى تنفيذ المرسوم رقم 980 لعام 2026، المتعلق بالضمانات الشاملة للقيادات النسائية والمدافعين عن حقوق الإنسان، والالتزام بتدابير اتفاق السلام ذات المنظور الجنساني، مع تعزيز الأنظمة القانونية التي تضمن المساواة والقضاء على القوانين والسياسات والممارسات التمييزية.
كما حضر ملف الحقوق الجنسية والإنجابية بقوة في النقاش، ولا سيما في سياق النزاعات في الأراضي الفلسطينية المحتلة وغزة والسودان وأوكرانيا. وأشارت مداخلات إلى أن النساء والفتيات يواجهن مخاطر مضاعفة في هذه الظروف، تشمل صعوبة الحصول على خدمات الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية، والرعاية المتعلقة بالأمومة والطفولة، فضلاً عن مخاطر العنف والاستغلال.
وطرح المشاركون سؤالاً مباشراً على المفوض السامي بشأن السبل التي يمكن من خلالها تحويل الاعتراف بالعنف الإنجابي إلى إجراءات عملية للمساءلة، وإلى أطر تضمن التعويض وجبر الضرر للضحايا.
وفي السياق ذاته، ركزت مداخلات أخرى على الأطفال الذين يتعرضون للعنف الجنسي في مناطق النزاع، وما يترتب على ذلك من وصم وحرمان من الهوية القانونية، مع الدعوة إلى ألا تقتصر معالجة آثار النزاعات على حماية النساء والأطفال باعتبارهم ضحايا، وإنما إشراكهم في صياغة مستقبل مجتمعاتهم.
أما أفغانستان، فكانت حاضرة من خلال القيود المفروضة على النساء والفتيات في مجالات التعليم والعمل والحركة والحياة العامة، إلى جانب ما يواجهه الأطفال من فقر ونزوح وانعدام للأمن الغذائي وتراجع في الوصول إلى خدمات التعليم والصحة.
كما أثيرت أوضاع الأقليات العرقية والدينية، وما يرتبط بها من مخاوف بشأن التمييز والنزوح القسري والحقوق المتعلقة بالأرض والهوية الثقافية والدينية، مع الدعوة إلى تعزيز التعاون مع آليات التحقيق المستقلة وتوثيق الانتهاكات تمهيداً للمساءلة.
وتناول الحوار كذلك ملف الاختفاء القسري في شمال شرق سريلانكا، حيث تحدثت مداخلة باسم شعب الإيلامتاميل عن استمرار معاناة عائلات المفقودين بعد سنوات من انتهاء الحرب الأهلية، وعن احتجاز بعض النساء والأمهات على خلفية احتجاجات سلمية أو إحياء ذكرى المفقودين.
وفي ختام الحوار، عرضت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أربع رسائل أساسية تضمنها التقرير.
أولى هذه الرسائل هي مكافحة الإفلات من العقاب، من خلال التحقيق الفوري والمستقل والنزيه في الانتهاكات الخطيرة، استناداً إلى قواعد القانون الدولي.
أما الرسالة الثانية فتتعلق بإتاحة العدالة بصورة عملية بحيث يتمكن الناجون من الوصول إلى آليات العدالة دون التعرض للانتقام أو العنف، مع توفير الخدمات الصحية والاجتماعية اللازمة، بما فيها خدمات الصحة الجنسية والإنجابية ورعاية الأطفال، بصورة شاملة ودون تمييز.
وتتمثل الرسالة الثالثة في جبر الضرر وعدم تأجيله، عبر برامج ممولة بصورة كافية تجمع بين التعويض وإعادة التأهيل ورد الاعتبار وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
أما الرسالة الرابعة فتتعلق بـ*مشاركة النساء والأطفال* في القرارات التي تؤثر عليهم، مع ضمان أن تكون المشاركة آمنة ومستدامة وذات أثر حقيقي، وإشراك المنظمات التي تقودها النساء والناجون والمدافعون عن حقوق الإنسان وممثلو الأطفال في تصميم وتنفيذ ومراقبة آليات المساءلة ومسارات ما بعد النزاعات.
وبعد هذا الملف، انتقل المجلس إلى إحاطة بشأن نتائج المنتدى السياسي الرفيع المستوى لعام 2026 حول التنمية المستدامة وأهداف خطة عام 2030.
وأظهرت الإحاطة أن التقدم العالمي نحو أهداف التنمية المستدامة لا يزال يواجه تحديات كبيرة، إذ إن 36% فقط من الغايات التي تتوافر عنها بيانات تسير على المسار الصحيح أو تتقدم بوتيرة معقولة، بينما تحقق نحو نصف الغايات تقدماً محدوداً، في حين تراجعت نحو واحدة من كل سبع غايات إلى ما دون خط الأساس لعام 2015.
وركزت الاستعراضات الوطنية الطوعية التي قدمتها 36 دولة على قضايا الحد من عدم المساواة، وتعزيز الحماية الاجتماعية، والمساواة بين الجنسين، وتوسيع الوصول إلى الخدمات الأساسية، وإعطاء الأولوية للفئات الأكثر هشاشة، وتحسين استخدام البيانات لتحديد الفئات الأكثر عرضة للتخلف عن الركب.
وأكدت الإحاطة الترابط بين التنمية المستدامة وحقوق الإنسان، مع التركيز على الحق في المياه والصرف الصحي، والانتقال العادل في مجال الطاقة، والسكن باعتباره أساساً للكرامة والصحة والاندماج الاجتماعي، إلى جانب التحديات التي تواجه البلدان النامية نتيجة الفقر وأعباء الديون وتغير المناخ وضيق الحيز المالي.
وفي ملف آخر، ناقش المجلس مسار إعداد صك ملزم قانونياً بشأن حقوق كبار السن. وأكد رئيس الفريق العامل الحكومي الدولي المعني بحقوق كبار السن أن العملية التي بدأت قبل نحو عقد دخلت مرحلة مهمة بعد اعتماد القرار 58/13، مشيراً إلى الحاجة إلى إرادة سياسية ومشاركة أوسع من الدول والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية والمنظمات الدولية.
ويرتكز هذا المسار على قناعة بأن كبار السن يتمتعون بحقوق إنسان كاملة، وأن النظام الدولي يحتاج إلى إطار قانوني يوفر حماية أكثر وضوحاً لهذه الحقوق خلال العقود المقبلة.
كما تناول المجلس الحق في التنمية، حيث استعرض الفريق العامل الحكومي الدولي المعني بالحق في التنمية التحديات التي تعيق إعمال هذا الحق، وفي مقدمتها التدابير الانفرادية القسرية، والتدفقات المالية غير المشروعة، وأزمات الديون، إلى جانب قضايا العدالة المناخية والتعاون الدولي وتمويل التنمية.
ودعا الفريق إلى تعزيز التعاون الدولي، ومواصلة الحوار بشأن المساعدة الإنمائية وتمويل التنمية واختلالات النظام المالي العالمي، فضلاً عن دراسة آثار التدابير القسرية والتدفقات المالية غير المشروعة وأزمات الديون على إعمال حقوق الإنسان، بما فيها الحق في التنمية.
وفي السياق نفسه، عرض الفريق العامل الحكومي الدولي المعني بوضع إطار تنظيمي دولي لأنشطة الشركات العسكرية والأمنية الخاصة تقريره المرحلي، مؤكداً الحاجة إلى إطار يضمن خفض انتهاكات حقوق الإنسان، ووصول الضحايا إلى الجبر الفعال، وتحمل الدول مسؤولياتها القانونية والتنظيمية تجاه هذه الشركات.
ويأتي ذلك في ظل استمرار النقاش حول طبيعة الصك المستقبلي، وما إذا كان ينبغي أن يكون ملزماً قانوناً، مع تأكيد أهمية مواصلة العمل على تضييق الخلافات وصياغة إطار دولي واضح للمساءلة والرقابة.
وفي جلسة عرض التقارير المقدمة من الأمين العام والمفوض السامي، برز ملف عقوبة الإعدام، حيث استعرض تقرير الأمين العام التطورات بين يوليو 2024 ويونيو 2025، موثقاً خطوات اتخذتها دول لإلغاء العقوبة أو تضييق نطاق استخدامها، مقابل استمرار ارتفاع عمليات الإعدام عالمياً، نتيجة استخدامها على نطاق واسع في عدد محدود من الدول.
كما تناول التقرير استمرار فرض عقوبة الإعدام على جرائم لا تصل، وفق معايير القانون الدولي، إلى مستوى «أشد الجرائم خطورة»، ومن بينها بعض الجرائم المتعلقة بالمخدرات.
وطرح مكتب المفوض السامي كذلك تقريراً حول حقوق الشعوب الأصلية، ركز على الفجوة بين المعايير الدولية والتطبيق، وحماية الأراضي الجماعية، والموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة على المشروعات التي تؤثر في أراضي الشعوب الأصلية، إضافة إلى حماية المدافعين عن حقوقهم والتراث الثقافي والمعارف التقليدية.
وشملت التقارير أيضاً الخصوصية والتكنولوجيا الرقمية ومكافحة الإرهاب حيث أثيرت مخاطر جمع البيانات الشخصية والاحتفاظ بها واستخدام تقنيات المراقبة، إلى جانب تأثير بعض التعريفات الواسعة للإرهاب والتطرف على المجتمع المدني والصحفيين والأقليات.
ودعا التقرير إلى أن تكون أي قيود على الخصوصية قائمة على القانون وضرورية ومتناسبة، مع تعزيز الرقابة المستقلة والمساءلة وتقييم تأثير التقنيات عالية المخاطر على حقوق الإنسان.
كما تناولت تقارير المفوضية الحق في المشاركة في الشؤون العامة والانتخابات والممارسات الجيدة لتعزيز المشاركة السياسية وغير السياسية، مع التركيز على إزالة الحواجز التي تواجه النساء والفئات المهمشة، وضمان بيئة تحترم حرية الإعلام والتجمع السلمي وتكافؤ المشاركة.
وفي ملف متصل، ناقش المجلس فضاء المجتمع المدني في ضوء تزايد القيود القانونية والإدارية والأمنية التي يمكن أن تحد من قدرة الأفراد والمنظمات على المشاركة العامة. وأشار التقرير إلى أن التكنولوجيا الرقمية فتحت مساحات جديدة للمشاركة، لكنها صاحبتها أيضاً مخاطر تتعلق بالمراقبة والهجمات السيبرانية والتضليل واستخدام الذكاء الاصطناعي.
كما أدرجت التقارير ملف الوقاية من الإبادة الجماعية، مع التركيز على الإنذار المبكر والتدخل في الوقت المناسب، وإنشاء آليات وطنية للوقاية، وتعزيز القدرة على رصد مؤشرات الخطر، بما في ذلك خطاب الكراهية ضد الجماعات المشمولة بالحماية الدولية.
وتناول المجلس كذلك ثغرات الحماية في الحصول على الأدوية واللقاحات، ولا سيما بالنسبة للفئات المهمشة والمستضعفة، مع التأكيد على ضرورة معالجة الحواجز الاقتصادية والاستفادة من المرونة التي تتيحها قواعد الملكية الفكرية واتفاقية «تريبس» لضمان الوصول إلى المنتجات الدوائية الأساسية.
أما المدافعون عن حقوق الإنسان في المجال الرقمي، فكانوا محور تقرير آخر تناول مخاطر القوانين الفضفاضة المتعلقة بالجرائم السيبرانية والأمن القومي ومكافحة الإرهاب، إلى جانب الرقابة الرقمية وحجب الإنترنت والمحتوى وجمع البيانات الشخصية.
ودعا التقرير الدول إلى مواءمة تشريعاتها مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وتعزيز حماية البيانات الشخصية والضمانات ضد القمع العابر للحدود، فيما حث الشركات على احترام حقوق الإنسان وزيادة الشفافية.
وفي ختام حزمة الملفات، ناقش المجلس دعم المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وامتثالها لمبادئ باريس، حيث أشار التقرير إلى تقديم الأمم المتحدة ومكتب المفوض السامي دعماً تقنياً لأكثر من 50 مؤسسة وطنية في مناطق مختلفة، بهدف تعزيز استقلاليتها ومواءمة تشريعاتها مع مبادئ باريس وبناء قدراتها.
وبحلول يونيو 2026، بلغ عدد المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان التي اعتمدتها اللجنة الفرعية المعنية بالاعتماد 119 مؤسسة، منها 91 مؤسسة ممتثلة بالكامل لمبادئ باريس و28 مؤسسة ممتثلة جزئياً.
وتكشف هذه الملفات مجتمعة عن اتساع نطاق العمل الحقوقي المطروح أمام مجلس حقوق الإنسان، من حماية النساء والأطفال في الحروب، ومساءلة مرتكبي الانتهاكات، إلى الحق في التنمية والخصوصية والمشاركة وحقوق كبار السن، وصولاً إلى بناء مؤسسات وطنية مستقلة قادرة على حماية الحقوق.
وفي جوهر هذه التقارير، تبرز فكرة واحدة تتكرر عبر الملفات المختلفة: أن حماية حقوق الإنسان لا تتوقف عند إعلان الحقوق، وإنما ترتبط بوجود مؤسسات فعالة، وعدالة يمكن الوصول إليها، وموارد كافية، ومساءلة حقيقية، ومشاركة فعلية للأشخاص الذين تمسهم القرارات والسياسات.
