منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

من الفيضانات إلى الملاريا.. تغير المناخ يعيد رسم خريطة الأمراض

20 أغسطس 2026
إحدى فرق مكافحة الأمراض في أفريقيا
إحدى فرق مكافحة الأمراض في أفريقيا

قالت منظمة الصحة العالمية إن تغير المناخ لم يعد تهديداً بيئياً بعيداً، بل أصبح عاملاً متزايد التأثير في أنماط المرض والوفاة، بعدما باتت درجات الحرارة والأمطار والفيضانات والجفاف تؤثر في انتشار الأمراض المنقولة بالنواقل والمياه والغذاء، وأكدت المنظمة أن 3.6 مليار شخص يعيشون بالفعل في مناطق شديدة التأثر بتغير المناخ، وأن تغير المناخ قد يتسبب بين عامي 2030 و2050 في نحو 250 ألف وفاة إضافية سنوياً بسبب سوء التغذية والملاريا والإسهال والإجهاد الحراري وحدها.

وأوضح الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ أن المخاطر الصحية المناخية تظهر بصورة أشد في المجتمعات الفقيرة، لأن الدول والمناطق ذات الأنظمة الصحية الضعيفة تملك قدرة أقل على مراقبة الأمراض والاستجابة للفاشيات وتوفير المياه النظيفة والخدمات الطبية.

وقال الفريق إن معدل الوفيات الناجمة عن الظواهر الجوية المتطرفة خلال العقد الأخير كان أعلى بنحو 15 مرة في المناطق شديدة الهشاشة مقارنة بالمناطق الأقل هشاشة.

الملاريا في قلب الخطر

أظهرت أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية أن العالم سجل نحو 282 مليون إصابة بالملاريا و610 آلاف وفاة خلال عام 2024 في 80 دولة، في حين استحوذ إقليم أفريقيا على 94 في المئة من الإصابات و95 في المئة من الوفيات، أي نحو 579 ألف وفاة.

وأكدت المنظمة أن الأطفال دون الخامسة شكلوا نحو 75 في المئة من وفيات الملاريا في الإقليم الأفريقي، ما يجعل أي تغير في الظروف المناخية التي تؤثر في البعوض والطفيلي تهديداً مباشراً للفئات الأكثر هشاشة.

وقال الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ إن ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط هطول الأمطار يؤثران بالفعل في توزيع وانتقال الملاريا في أفريقيا جنوب الصحراء، مع توسع بعض أنواع البعوض إلى ارتفاعات أكبر في شرق أفريقيا. وأوضح الفريق أن مناطق في شرق وجنوب أفريقيا ومنطقة الساحل قد تشهد زيادة في بؤر ملائمة لانتقال الملاريا خلال العقود المقبلة، بينما قد تنخفض ملائمة المناخ للمرض في مناطق أخرى، ما يعني أن تغير المناخ لا يلغي الوباء بقدر ما يعيد رسم خريطته الجغرافية.

وكشفت تقديرات الفريق الحكومي الدولي أن ارتفاعاً عالمياً في الحرارة بنحو درجتين مئويتين يمكن أن يعرّض عشرات الملايين من الأشخاص الإضافيين لخطر الأمراض المنقولة بالنواقل، في حين قدرت إحدى الدراسات التي استند إليها التقرير أن 50.6 إلى 62.1 مليون شخص في شرق وجنوب أفريقيا قد يصبحون معرضين لخطر الملاريا بحلول ثلاثينيات هذا القرن في أحد سيناريوهات الانبعاثات المتوسطة.

تغير المناخ يؤثر في مسببات الأمراض والنواقل

وأفادت منظمة الصحة العالمية بأن الأمراض المنقولة بالنواقل تمثل أكثر من 17 في المئة من جميع الأمراض المعدية، وتتسبب في أكثر من 700 ألف وفاة سنوياً. وأكدت المنظمة أن تغير المناخ يؤثر في مسببات الأمراض والنواقل والحيوانات المضيفة، وأن ارتفاع درجات الحرارة أدى إلى توسع نطاق بعض النواقل جغرافياً وارتفاعياً، فضلاً عن إطالة موسم نشاطها.

وأظهرت بيانات منظمة الصحة العالمية أن حمى الضنك سجلت خلال عام 2024 أكثر من 14.4 مليون حالة أُبلغ عنها عالمياً، بينها أكثر من 7.7 مليون حالة مؤكدة مخبرياً، و52,738 حالة شديدة و11,201 وفاة، وربطت المنظمة استمرار المستويات غير المسبوقة للانتقال خلال 2024، إلى جانب عوامل أخرى، بحساسية الفيروس للمناخ وتوسع وجود بعوض الزاعجة في البيئات الحضرية.

وأضافت منظمة الصحة العالمية أن ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة وتغير أنماط الأمطار والفيضانات يساعد على وصول الأمراض التي ينقلها البعوض إلى مناطق جديدة، بما فيها مناطق معتدلة كانت تاريخياً أقل تعرضاً لها، وأوضحت المنظمة أن انتقال هذه الأمراض يتداخل أيضاً مع التحضر السريع وحركة السكان والتجارة والسفر، ولذلك لا يمكن تفسير توسع الأوبئة بعامل المناخ وحده، بل نتيجة تفاعل المناخ مع الظروف الاجتماعية والصحية والبيئية.

المياه تتحول إلى ناقل للمرض

وقالت منظمة الصحة العالمية إن الفيضانات والأعاصير والجفاف يمكن أن تدمر أو تعطل شبكات المياه والصرف الصحي، وتزيد احتمالات انتقال الكوليرا والأمراض المعوية، وذكرت المنظمة أن الكوليرا ترتبط أساساً بمحدودية الوصول إلى المياه الآمنة والصرف الصحي والنظافة، وأن تغير المناخ والصراعات والنزوح والكوارث الطبيعية تتفاعل مع الفقر وضعف البنية التحتية لتجعل السيطرة على التفشيات أكثر صعوبة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية أن 60 دولة أبلغت عن حالات كوليرا خلال 2024، مقارنة بـ45 دولة في 2023، فيما ارتفعت الوفيات بأكثر من 50 في المئة خلال 2024 إلى أكثر من 6 آلاف وفاة، وأكدت المنظمة أن الأرقام المعلنة لا تمثل بالضرورة الحجم الحقيقي للمرض، بسبب ضعف أنظمة الرصد والتبليغ في عدد من المناطق المتضررة.

وأظهرت بيانات منظمة الصحة العالمية أن 116,574 حالة كوليرا و1,514 وفاة أُبلغ عنها بين الأول من يناير و30 مارس 2025 في 25 دولة ضمن ثلاثة أقاليم للمنظمة، مع تسجيل الإقليم الأفريقي العدد الأكبر من الحالات. وربطت المنظمة استمرار التفشيات بالصراعات والنزوح والكوارث الطبيعية وتغير المناخ، خصوصاً في المناطق الريفية والمتضررة من الفيضانات حيث تؤخر البنية التحتية الضعيفة والوصول المحدود إلى الرعاية الصحية العلاج.

أفريقيا تواجه الحلقة الأخطر

وأفادت منظمة الصحة العالمية في فبراير 2026 بأن دول جنوب أفريقيا سجلت 4,320 حالة كوليرا و56 وفاة بين الأول من يناير و15 فبراير 2026، مقارنة بـ586 حالة و11 وفاة خلال الفترة نفسها من 2025، أي زيادة تجاوزت سبعة أضعاف في عدد الحالات.

وأوضحت المنظمة أن الفيضانات الشديدة التي سببتها الأعاصير وألحقت أضراراً بالبنية التحتية للمياه والصرف الصحي، إلى جانب النزوح، شكلت عوامل رئيسة وراء الارتفاع.

وأضافت منظمة الصحة العالمية أن موزمبيق سجلت نحو 90 في المئة من حالات الكوليرا في جنوب أفريقيا خلال الأسابيع الستة الأولى من 2026، في حين أثرت الفيضانات في أكثر من 700 ألف شخص. وتوقعت المنظمة في السيناريوهات الأكثر احتمالاً تسجيل ما بين 12 ألفاً و22 ألف حالة كوليرا إضافية في المنطقة بين مارس وأغسطس 2026، ما يوضح كيف يمكن لحدث مناخي متطرف أن يتحول سريعاً إلى أزمة وبائية عندما يصيب مجتمعات تعاني أصلاً ضعف خدمات المياه والصرف الصحي.

وأعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة في يوليو 2025 أن نحو 80 ألف طفل كانوا معرضين بدرجة مرتفعة لخطر الكوليرا مع بدء موسم الأمطار في غرب ووسط أفريقيا، في ظل تفشيات نشطة في جمهورية الكونغو الديمقراطية ونيجيريا ودول مجاورة. وأكدت المنظمة أن الأمطار الغزيرة والفيضانات والنزوح رفعت مخاطر انتقال المرض، ما يضع الأطفال في المجتمعات الفقيرة أمام عبء صحي أكبر.

الفقر يضاعف أثر المناخ

وأوضح الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ أن مخاطر الأمراض المنقولة بالنواقل ترتفع عندما تجتمع الظروف المناخية الملائمة مع الفقر وضعف النظافة والسكن غير الملائم وضعف الحماية المنزلية والأنظمة الصحية الهشة. وأكد الفريق أن ارتفاع درجات الحرارة وتغير الأمطار لا يعملان بمعزل عن النمو السكاني والتحضر وتغير استخدام الأراضي وحركة السكان، بل تتفاعل هذه العوامل لتحديد قدرة المرض على الانتقال والانتشار.

وقالت منظمة الصحة العالمية إن المنازل الفقيرة التي تفتقر إلى النوافذ المحمية والأسطح السليمة وخدمات المياه والصرف الصحي المناسبة تعرض سكانها بصورة أكبر للأمراض المنقولة بالحشرات، في حين يؤدي تخزين المياه في ظروف غير آمنة إلى توفير أماكن إضافية لتكاثر البعوض.

وأكدت المنظمة أن الفيضانات والجفاف يمكن أن يعطلا شبكات المياه والصرف الصحي، ما يرفع المخاطر الصحية في المجتمعات التي تملك أقل قدرة على التعافي.

نقص التمويل يهدد الدول الفقيرة

قالت منظمة الصحة العالمية إن نقص التمويل يهدد قدرة الدول الفقيرة على مواجهة التداعيات الصحية لتغير المناخ، إذ تؤدي محدودية الموارد إلى إضعاف أنظمة الإنذار المبكر ومراقبة الأمراض وتوفير المياه الآمنة والصرف الصحي ومكافحة النواقل والاستجابة السريعة للفاشيات.

وأوضحت المنظمة أن الدول الأكثر تعرضاً للمخاطر المناخية غالباً ما تمتلك أقل قدرة مالية على التكيف، ما يجعل أي خفض في التمويل الدولي أو المحلي ينعكس سريعاً على حماية الفئات الأشد فقراً، خصوصاً الأطفال والنازحين وسكان المناطق التي تفتقر إلى الخدمات الأساسية.

وأكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة أن ضعف الاستثمارات الصحية والمناخية يضاعف مخاطر الملاريا والكوليرا وحمى الضنك وغيرها من الأمراض، لأن الفيضانات والجفاف وارتفاع الحرارة قد تدمر البنية التحتية الصحية والمائية في وقت تعاني فيه المجتمعات أصلاً نقص الموارد.

الأطفال في خط المواجهة

وأصدرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة في يوليو 2026 تقريراً حول المحددات البيئية للأمراض المنقولة بالنواقل لدى الأطفال، أكدت فيه أن التغيرات المناخية في درجات الحرارة والأمطار وغيرها من المتغيرات الجوية تؤثر في انتقال مسببات الأمراض وتغير بيئات النواقل والحيوانات المضيفة.

ودعت المنظمة إلى تحسين أنظمة الرصد والبنية الصحية والاستثمار في الوقاية المجتمعية، مع إدماج صحة الأطفال في خطط التكيف المناخي.

وأشارت منظمة الأمم المتحدة للطفولة إلى أن توسع موائل البعوض الناقل للملاريا وحمى الضنك والحمى الصفراء يمكن أن يضع مجتمعات جديدة أمام مخاطر لم تكن تواجهها بالمستوى نفسه، في حين تؤدي الإصابة بالملاريا لدى الأطفال إلى تعطيل الدراسة وزيادة الأعباء الاقتصادية على الأسر، مؤكدة أن ضعف الوصول إلى الغذاء والمياه والرعاية الصحية يجعل آثار تغير المناخ والأمراض أكثر قسوة على الأطفال في المجتمعات الفقيرة.

الحق في الصحة والبيئة

وأكدت الأمم المتحدة أن العلاقة بين المناخ والصحة تحمل بعداً حقوقياً مباشراً، بعدما اعترفت الجمعية العامة في يوليو 2022 بالحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة باعتباره حقاً من حقوق الإنسان، بأغلبية 161 دولة مقابل عدم تصويت أي دولة ضد القرار وامتناع ثماني دول. وقد دعت الجمعية العامة الدول والمنظمات الدولية والقطاع الخاص إلى تعزيز التعاون وبناء القدرات وتطبيق السياسات اللازمة لضمان هذا الحق للجميع.

وقالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إن تغير المناخ يضر بمليارات البشر ويعمق عدم المساواة، وإن المجتمعات الأكثر فقراً وتهميشاً تتحمل بصورة غير متناسبة آثار الأزمة المناخية رغم مساهمتها المحدودة في أسبابها. ويضع هذا الواقع مسؤوليات على الدول في حماية الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الحياة والصحة والمياه والغذاء والسكن والبيئة الآمنة.

الاستجابة تبدأ من الوقاية

وأكدت منظمة الصحة العالمية أن مواجهة الأوبئة المرتبطة بالمناخ تحتاج إلى الجمع بين مراقبة الأمراض والإنذار المبكر وتحسين المياه والصرف الصحي وتوسيع برامج التطعيم ومكافحة النواقل وتعزيز الرعاية الصحية الأولية. وأوضحت المنظمة أن قدرة الدول على تنفيذ إجراءات التكيف ترتبط مباشرة بقدرتها المالية، وأن الدول الأكثر تعرضاً للمناخ غالباً ما تكون الأقل قدرة على تمويل إجراءات الحماية الصحية.

وأظهر تقرير الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ أن خيارات التكيف موجودة، لكنها تحتاج إلى تنفيذ أسرع وأكثر استهدافاً، وتشمل شبكات الوقاية من الملاريا، والمبيدات، والتشخيص المبكر، وتحسين الوصول إلى الرعاية، ونظم الإنذار المبكر، وتحسين السكن والصرف الصحي والتعاون عبر الحدود.

وأكد التقرير أن استمرار الاحترار يرفع المخاطر ويجعل التكيف أكثر صعوبة، خصوصاً في المناطق التي تعاني أصلاً الفقر وضعف المؤسسات الصحية.

وتكشف البيانات المتراكمة أن تغير المناخ لا يصنع الأوبئة من العدم، لكنه يغير الظروف التي تسمح لبعض مسببات الأمراض والنواقل بالانتشار، ويزيد هشاشة المجتمعات التي تفتقر إلى المياه الآمنة والصرف الصحي والخدمات الطبية. وبينما تستطيع الدول الغنية الاستثمار في أنظمة الإنذار والبنية الصحية واللقاحات ومكافحة النواقل، تواجه المناطق الفقيرة خطر اجتماع الصدمة المناخية مع الفقر والنزوح وضعف الرعاية، لتصبح الفيضانات والجفاف والحرارة بوابات إضافية للأمراض.

ويبقى التحدي الصحي الأكبر في السنوات المقبلة هو منع تحول تغير المناخ من عامل خطر إلى مضاعف للأزمات الوبائية، خصوصاً في أفريقيا وجنوب آسيا والمناطق التي تعاني نقص الاستثمار الصحي، وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن تأخر التحرك المناخي سيزيد المخاطر الصحية ويهدد عقوداً من التقدم في الصحة العالمية، في حين تشير تقديراتها إلى أن المناطق ذات البنية الصحية الضعيفة ستكون الأقل قدرة على الاستجابة من دون دعم.