أمام شاشة هاتفها حاولت مريم، الشابة العشرينية الصماء، متابعة مقطع يشرح تأثير الذكاء الاصطناعي في مستقبل الوظائف. تلاحقت الكلمات المكتوبة والمصطلحات التقنية، وحين بحثت عن شرح بلغة الإشارة التي تستخدمها، واجهت إشارات غير مألوفة وشروحاً مطولة لمفاهيم يختصرها الآخرون في كلمات قليلة.
تكرر الموقف معها أثناء متابعة الأخبار الاقتصادية ومحاولة فهم مصطلحات قانونية ونقاشات تتعلق بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم. وبالنسبة إلى مريم لم تعد المشكلة مجرد صعوبة في متابعة محتوى رقمي، بل عائق أمام حقها في الحصول على المعرفة والمعلومات بالوضوح والتوقيت اللذين يتمتع بهما الآخرون.
وتكشف تجربتها عن فجوة حقوقية أوسع في العالم العربي، حيث تتسارع المفاهيم العلمية والتكنولوجية والقانونية، في حين تتفاوت جهود تطوير المصطلحات في لغات الإشارة الوطنية والمحلية وتوثيقها وإتاحتها، وهي فجوة لا تتعلق بقدرة الأشخاص الصم على الفهم، بل بمدى التزام المؤسسات بتوفير المعرفة بوسائل لغوية ملائمة، وإشراك مستخدمي هذه اللغات في تطويرها.
المعرفة أبعد من وجود مترجم
لا يتحقق حق الأشخاص الصم في المعرفة بمجرد ظهور مترجم للغة الإشارة على شاشة التلفزيون أو حضوره في مؤتمر، فالمعيار هو قدرة خدمات الترجمة والمحتوى المتاح على نقل المعلومات العلمية و القانونية والاقتصادية بدقة وفي الوقت المناسب.
ومع دخول مفاهيم مثل التعلم الآلي والخوارزميات والأمن السيبراني والعملات المشفرة إلى الأخبار والتعليم وسوق العمل والخدمات العامة، تزداد الحاجة إلى تطوير المصطلحات الإشارية وتوثيقها وتداولها بين المستخدمين والمترجمين.
وتشير منظمة الصحة العالمية، في بيانات مكتبها الإقليمي لشرق المتوسط لعام 2025، إلى وجود 78 مليون شخص يعيشون مع فقدان السمع في الإقليم، لكن الرقم يشمل دولاً غير عربية ودرجات مختلفة من فقدان السمع، ولا يمثل إحصاءً لعدد الأشخاص الصم المستخدمين للغات الإشارة في البلدان العربية.
وتبرز هنا ضرورة التمييز بين لغات الإشارة المستخدمة في المنطقة؛ فهي ليست لغة عربية واحدة، ولا ترجمة حرفية للكلمات المنطوقة إلى حركات باليد، بل لغات طبيعية ذات قواعد وبنى وخصوصيات ثقافية تطورت داخل مجتمعات الصم.
ومن ثم، فإن معالجة فجوة المصطلحات تستدعي تطوير هذه اللغات بالتعاون مع مستخدميها، لا افتراض أن فرض قاموس موحد يكفي لضمان وصول الجميع إلى المعرفة.

تطوير المصطلحات أم توحيد اللغات؟
تقول نادية عبد الله، رئيسة المؤسسة المصرية لحقوق الصم والمترجمين، في تصريح لـ«صفر»، إن تسارع التطور العلمي والتكنولوجي يقابله قصور في جهود تطوير لغات الإشارة وتوثيق المصطلحات المستحدثة، ما قد يحد من وصول الأشخاص الصم إلى التعليم والمعلومات والخدمات.
وتوضح أن بعض الأشخاص الصم، خصوصاً من لم تتوافر لهم فرص تعليم كافية أو يواجهون صعوبات في القراءة والكتابة، قد يجدون مشقة إضافية في متابعة المفاهيم الجديدة.
وترى أن المشكلة تتداخل فيها جودة التعليم وإتاحة المعلومات وتوافر المترجمين المؤهلين، ولا يمكن تحميلها للغة الإشارة وحدها.
وتشير عبد الله إلى اختلاف الإشارات بين المجتمعات والسياقات، وعدم توافر إشارات متداولة على نطاق واسع لبعض المفاهيم الحديثة، داعية إلى تحديث القواميس وتيسير استخدامها، مؤكدة أن القاموس الإشاري العربي الموحد لم يحقق الانتشار الكافي في المدارس والجمعيات والمؤسسات العربية.
غير أن توحيد لغات الإشارة يثير إشكالية حقوقية أخرى، ففي بيان صدر في 25 يونيو/حزيران 2009، دعا الاتحاد العالمي للصم إلى وقف مشروع توحيد لغات الإشارة في المنطقة العربية، محذراً من أن فرض لغة موحدة على مجتمعات تستخدم لغات إشارة أصلية متعددة قد ينتهك حقوقها اللغوية ويضر بالتنوع الثقافي. وشدد على ضرورة إشراك جمعيات الصم الوطنية في القرارات المتعلقة بتطوير لغاتها.
ويكشف الموقفان اختلافاً بين الحاجة إلى توثيق المصطلحات وتبادلها، وبين فرض لغة واحدة، فالتعاون الإقليمي يمكن أن يتيح معاجم وموارد مشتركة دون إلغاء الخصوصيات اللغوية الوطنية والمحلية. أما تاريخ مشروع القاموس العربي الموحد والجهات التي أصدرته ومدى استخدامه الفعلي، فتظل مسائل تحتاج إلى توثيق مباشر من الجهات المعنية وجمعيات الصم.

تجارب وطنية وفجوة في التطبيق
تقدم الإمارات نموذجاً لإحدى المبادرات الوطنية؛ إذ اعتمد مجلس الوزراء، بموجب القرار رقم 38 لسنة 2018، معجم لغة الإشارة الإماراتي للصم، ووفق تقارير نشرت عند إطلاق المشروع، ضم المعجم نحو خمسة آلاف كلمة بهدف توثيق المفردات المستخدمة في الدولة وتيسير التعليم والتواصل.
لكن وجود المعجم لا يكفي وحده لقياس أثره الحقوقي، ما لم يُعرف مدى استخدامه في المدارس والإعلام والخدمات العامة، وانتظام تحديثه ومشاركة الأشخاص الصم في تطويره.
وفي مصر يوفر قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لسنة 2018 ولائحته التنفيذية إطاراً يستدعي تقييم تطبيقه على إتاحة المعلومات والخدمات الإعلامية. فوجود ضمانات قانونية لا يثبت وحده انتظام الترجمة في نشرات الأخبار أو توافر محتوى علمي واقتصادي ورقمي يمكن للأشخاص الصم الوصول إليه.
اتفاقية دولية تحمي الحق والهوية
تتعامل اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة مع لغات الإشارة باعتبارها جزءاً من الحقوق اللغوية والمعرفية، فالمادة الثانية تدرجها ضمن مفهوم اللغة، وتوجب المادة الرابعة، في فقرتها الثالثة، التشاور الوثيق مع الأشخاص ذوي الإعاقة وإشراكهم في القرارات المتعلقة بهم.
كما تتناول المادة التاسعة إمكانية الوصول إلى المعلومات والاتصالات والخدمات الملائمة، ومنها خدمات مترجمي لغة الإشارة المحترفين، في حين تؤكد المادة 21 حق الأشخاص ذوي الإعاقة في طلب المعلومات وتلقيها ونقلها بصيغ ميسرة وفي الوقت المناسب، والاعتراف بلغات الإشارة وتشجيع استخدامها وحث وسائل الإعلام على إتاحة خدماتها.
وتدعم المادة 24 تعلم لغة الإشارة وتعزيز الهوية اللغوية لمجتمع الصم، في حين تؤكد المادة 30، ولا سيما فقرتها الرابعة، الاعتراف بالهوية الثقافية واللغوية للأشخاص ذوي الإعاقة، ومنها لغات الإشارة وثقافة الصم.
وبذلك، لا يقتصر الالتزام على توفير ترجمة عابرة، بل يمتد إلى تمكين الأشخاص الصم من فهم المعلومات واستخدامها والمشاركة في إنتاجها ومناقشتها، مع احترام لغاتهم وهويتهم الثقافية.

من المبادرات المتفرقة إلى سياسة عامة
يرى الدكتور أحمد غازي، المدير الإقليمي في المركز العربي الأوروبي لحقوق الإنسان، في تصريح لـ«صفر»، أن تطوير لغات الإشارة أصبح استحقاقاً حقوقياً يرتبط بالمساواة في الوصول إلى المعرفة والتعليم وحرية التعبير والمعلومات، خصوصاً مع ظهور مفاهيم جديدة في الذكاء الاصطناعي والطب والقانون والاقتصاد والبيئة.
ويدعو غازي إلى الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى سياسة عامة بأهداف قابلة للقياس، تقوم على خمسة مسارات: التعاون الإقليمي في توثيق المصطلحات وتحديثها، وإشراك الأشخاص الصم في إعداد المعاجم والسياسات والمناهج، وتطوير الموارد الرقمية والتفاعلية، وتوسيع الإتاحة في التعليم والإعلام والخدمات، وإعداد مترجمين متخصصين وفق معايير جودة وجداول زمنية ومؤشرات لقياس استفادة المستخدمين، مؤكداً أن التنسيق العربي لا يستلزم دمج اللغات الوطنية والمحلية في لغة واحدة.
ومع ما تتيحه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي من إمكانات لتطوير المعاجم الرقمية وأدوات الترجمة والشخصيات الافتراضية التي تؤدي الإشارات، فإن دقتها وملاءمتها للسياقات اللغوية المختلفة تحتاجان إلى تقييم بمشاركة الأشخاص الصم ومختصي لغات الإشارة، حتى لا تصبح بديلاً غير دقيق عن الترجمة البشرية المؤهلة.
وتظل الحاجة قائمة إلى توثيق تجارب مستخدمي لغات الإشارة أنفسهم، والاستماع إلى المترجمين واللسانيين، ورصد حالات محددة تعثرت فيها إتاحة المعلومات أو الإجراءات القانونية، بدلاً من الاكتفاء بالتحذير العام من آثار الفجوة المعرفية.
وبالنسبة إلى مريم لا تكمن المسألة في إيجاد إشارة جديدة لكل مصطلح يظهر على شاشة هاتفها، بل في أن تكون المعرفة التي تحدد مستقبل تعليمها وعملها وحقوقها متاحة لها دون تأخير أو تمييز، وهذا الحق لن يتحقق بمعاجم تُعد نيابة عن الأشخاص الصم وحدها، وإنما بسياسات تعترف بهم شركاء في تطوير لغاتهم وتحديد احتياجاتهم، فالمساواة في الوصول إلى المعرفة تبدأ حين يصبح أصحاب الحق مشاركين في صياغة الوسائل التي تضمنه، لا مجرد متلقين لما يختاره الآخرون لهم.
