منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مصر.. غرفة تحرير خلف القضبان وحرية الصحافة في قفص الاتهام

19 أكتوبر 2026
مصر.. غرفة تحرير خلف القضبان وحرية الصحافة في قفص الاتهام
مصر.. غرفة تحرير خلف القضبان وحرية الصحافة في قفص الاتهام

ستة صحفيين يشكلون كامل فريق تحرير منصة «متصدقش» المصرية وجدوا أنفسهم رهن الاحتجاز بعد توقيفهم في محافظات مختلفة يومي 28 و29 سبتمبر/أيلول 2026. وخلال الأيام الأولى، قالت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إن أسرهم ومحاميهم لم يتمكنوا من معرفة أماكن وجودهم أو التواصل معهم، وبعد ظهورهم أمام جهات التحقيق، واجهوا اتهامات أمنية وشكاوى بشأن ظروف احتجازهم، قبل أن تقرر نيابة أمن الدولة العليا تجديد حبسهم احتياطياً لمدة 15 يوماً للمرة الثانية.

لم تتوقف تداعيات القضية عند حرية الصحفيين الستة؛ فاحتجاز غرفة تحرير كاملة لمنصة متخصصة في تدقيق المعلومات والصحافة الاستقصائية أعاد إلى الواجهة سؤالاً حقوقياً يتجاوز مصير الموقوفين إلى صون قرينة البراءة وحرية العمل الصحفي وضمانات الاحتجاز والتحقيق عندما يصبح فريق مؤسسة إعلامية بأكمله رهن الحبس.

وتأسست منصة «متصدقش» عام 2018 للعمل في مجال تدقيق المعلومات، قبل أن تتوسع إلى التحقيقات الاستقصائية، ويتجاوز عدد متابعيها مليون شخص على فيسبوك، في حين يُحجب موقعها الإلكتروني داخل مصر، وفق تقارير صحفية. ونفى مؤسس المنصة عبد الرحمن منصور وجود صلة لها بجماعة الإخوان المسلمين، معتبراً الاتهامات الموجهة إليها تشويهاً لعملها الصحفي، بحسب ما نقلته تقارير إعلامية.

وفي الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2026، وصفت وزارة الداخلية المنصة، وفق بيان لها، بأنها «غير مرخصة تُدار من الخارج». كما سبق أن قال مؤسس المنصة إن الصحفي كريم أسعد احتُجز عام 2023 عقب نشر تحقيق للمنصة، قبل الإفراج عنه خلال نحو 36 ساعة.

غرفة تحرير خلف القضبان

شملت التوقيفات عبد الله قدري، عضو نقابة الصحفيين، ومحمد أشرف، وإسلام بركات، وعمر هلال، ومحمد محمود، ومحمد عادل. ووصفت النقابة الخمسة الآخرين بالمتدربين، مؤكدة أنها لا تميز بين النقابيين وغير النقابيين في الدفاع عن حقوق العاملين بالمهنة.

وأشار بيان النيابة العامة إلى أن أحد المتهمين مقيد بنقابة الصحفيين.

وبحسب بيان النيابة العامة المصرية، الصادر في 7 أكتوبر/تشرين الأول بشأن القضية رقم 8083 لسنة 2026 حصر أمن الدولة العليا، يواجه الستة اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية وتمويلها، ونشر أخبار كاذبة من شأنها تكدير السلم والأمن العام، وتعتبر النيابة منصة «متصدقش» تابعة للجنة إعلامية لجماعة الإخوان المسلمين المحظورة قانوناً، متهمة الصحفيين بالتواصل عبر تطبيقات إلكترونية مع قيادي بالجماعة خارج البلاد وتلقي تمويل شهري بعملات أجنبية عبر تحويلات بنكية.

وأورد بيان النيابة ما قالت إنها اعترافات لبعض المتهمين، إلى جانب معلومات عن مجموعات مغلقة على تطبيقات مشفرة ورسائل بريد إلكتروني وتحويلات مالية بالدولار. كما ذكر أن بعض المتهمين أنكروا الانتماء إلى الجماعة. وتظل هذه التفاصيل جزءاً من رواية جهة التحقيق، ولا تمثل في حد ذاتها حكماً بثبوت الاتهامات.

في المقابل، قالت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إن التحقيقات تناولت طبيعة العمل الصحفي للموقوفين، والمؤسسات التي سبق لهم العمل بها، وكيفية انضمامهم إلى المنصة وسياستها التحريرية، مؤكدة أنه رغم مناقشتهم بشأن تقارير منشورة، لم تواجههم النيابة بخبر أو تقرير محدد يتضمن معلومات ملفقة أو بيانات خاطئة.

وقالت المبادرة إن الصحفيين أنكروا الاتهامات المنسوبة إليهم، وإن بيان النيابة لم يحدد تقريراً منشوراً بعينه باعتباره كاذباً أو ملفقاً.

وتبقى الاتهامات محل تحقيق، ولا يمثل توجيهها حكماً بثبوتها.

شكاوى تعذيب ونفي رسمي

أثارت ظروف التوقيف انتقادات حقوقية بعد تعذر معرفة أماكن احتجاز الصحفيين خلال الأيام الأولى، في حين أفاد محاموهم بأن عدداً منهم أثبتوا في محاضر التحقيق تعرضهم لأشكال مختلفة من التعذيب وسوء المعاملة داخل مقار تابعة لقطاع الأمن الوطني، قبل عرضهم على النيابة.

ووفق المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، تقدم ذوو الصحفيين ومحاموهم بـ18 بلاغاً وطلباً للكشف عن أماكن احتجازهم، من بينها 17 برقية إلى النائب العام ووزارة الداخلية وجهات قضائية. وظهر محمد أشرف أبو عميرة أمام النيابة في 4 أكتوبر/تشرين الأول، بعد نحو خمسة أيام من توقيفه، وخضع للتحقيق لنحو عشر ساعات، قبل أن يظهر بقية أعضاء الفريق أمام جهات التحقيق.

وفي بيانها الصادر في 7 أكتوبر/تشرين الأول، قالت النيابة العامة إن ثلاثة من المتهمين ادعوا تعرضهم لاستعمال القوة، وإنها أحالتهم إلى مصلحة الطب الشرعي لفحصهم، مضيفة أن التقارير الطبية لم تُظهر إصابات، وفق ما ورد في البيان.

ويأتي ذلك في مقابل إفادات الدفاع عن المتهمين بشأن التعرض للتعذيب وسوء المعاملة.

وقالت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إن القوات التي نفذت توقيفات بعض الصحفيين لم تُبرز أذون الضبط والتفتيش ولم توضح أسباب القبض أو أماكن الاحتجاز، في حين ذكرت النيابة في بيانها أن إجراءات الضبط تمت بناءً على إذن صادر من جهات التحقيق.

ويستدعي هذا التعارض توضيح ظروف تنفيذ أذون الضبط والتفتيش، وتوقيت إبلاغ الصحفيين بأسباب توقيفهم، ومدى تمكينهم من التواصل مع محاميهم وأسرهم منذ بداية الاحتجاز.

ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من ملابسات الاحتجاز أو الادعاءات المتبادلة، ما يجعل التحقيق الجاد في شكاوى سوء المعاملة وضمان سلامة المحتجزين جزءاً أساسياً من حماية حقوقهم، بصرف النظر عن مسار القضية الجنائية.

النقابة تدافع عن قرينة البراءة

دفعت القضية نقابة الصحفيين إلى متابعة التحقيقات وإيفاد فريق دفاع، والمطالبة بإخلاء سبيل الموقوفين بضمان النقابة أو بضمانات أخرى تراعي حداثة أعمار بعضهم وقلة خبراتهم، وأعلنت بقاء مجلسها في حالة انعقاد دائم، بالتزامن مع دعوات صحفيين إلى اعتصام مفتوح بمقر النقابة وسط القاهرة.

وقال نقيب الصحفيين خالد البلشي، لـ«صفر»: «توجيه الاتهام لا يعني الإدانة وإن قرينة البراءة أصل دستوري وقانوني لا يجوز الانتقاص منه أو تجاوزه بأحكام مسبقة».

وحذر من تحول الاتهامات إلى وسيلة للضغط على المؤسسات الصحفية أو تعطيل عملها، مؤكداً أن النقابة ليست جهة تحقيق أو اتهام وإنما درع مهني لحماية الصحفيين من أي تعسف محتمل وضمان احترام الإجراءات القانونية.

وشدد البلشي على أن الدفاع عن حقوق الصحفيين لا يمثل تدخلاً في عمل جهات التحقيق، محذراً في الوقت نفسه من تداول معلومات غير محسومة أو تقديم الاتهامات باعتبارها حقائق ثابتة، ما قد يؤثر في الرأي العام ومسار العدالة، مؤكداً مسؤولية الصحفيين عن تحري الحقيقة والتحقق من المعلومات والالتزام بأخلاقيات المهنة، دون استسهال توجيه الاتهامات أو الترويج لها بغير أدلة.

حرية الصحافة بين الدستور والواقع

يرى إسحق إبراهيم، الكاتب الصحفي والباحث في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن توقيف فريق «متصدقش» يعيد فتح ملف الأوضاع المتردية للعاملين في الصحافة المصرية، وما يواجهونه من ضغوط تجعل التعبير عن الرأي محفوفاً بالخوف من إغضاب السلطات.

وأشار إلى أن المادة 71 من الدستور المصري تحظر الرقابة على الصحف ووسائل الإعلام أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها، كما تحظر العقوبات السالبة للحرية في الجرائم المرتكبة بطريق النشر أو العلانية، باستثناء الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في أعراض الأفراد.

وتكفل المادة 96 قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.

وتتصل القضية كذلك بالمادتين 54 و55 من الدستور المصري؛ إذ تنظم الأولى ضمانات الحرية الشخصية، ومنها إبلاغ المقبوض عليه بأسباب القبض وتمكينه من الاتصال بذويه ومحاميه وتقديمه إلى سلطة التحقيق خلال المدة الدستورية، في حين تحظر الثانية تعذيب المحتجزين أو إيذاءهم بدنياً أو معنوياً. وعلى المستوى الدولي، تكفل المواد 9 و14 و19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ضمانات تتعلق بالحرية والأمان الشخصي والمحاكمة العادلة و حرية التعبير، ومصر طرف في العهد.

واستناداً إلى بيانات لجنة حماية الصحفيين، أشار إبراهيم إلى وجود 25 صحفياً خلف القضبان في مصر، وفق الرقم الذي أورده، لافتاً إلى تكرار اتهامات الانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار وبيانات كاذبة وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

كما أثارت قضية «متصدقش» ردود فعل من منظمات معنية بحرية الصحافة وحقوق الصحفيين، منها لجنة حماية الصحفيين ومراسلون بلا حدود التي دعت إلى الكشف عن أماكن الصحفيين وتمكينهم من حقوقهم القانونية.

وتأتي القضية في حين تستعد مصر لاجتماع سنوي دعا إليه الرئيس عبد الفتاح السيسي في ديسمبر/كانون الأول المقبل لمناقشة تطوير الإعلام. وبين الدعوة إلى تطوير المنظومة الإعلامية واحتجاز فريق تحرير كامل، تتجدد التساؤلات بشأن موقع حرية الصحافة في أي إصلاح مرتقب.

الحبس الاحتياطي ليس عقوبة مسبقة

يؤكد محمد عبد العزيز، المحامي الحقوقي ورئيس مركز الحقانية للحقوق والحريات، في تصريح خاص لـ«صفر»، أن استمرار حبس الصحفيين دون ضرورة حقيقية ومتجددة، أو أسباب تكشف مبرراته الفعلية، يفقد الإجراء طبيعته الاحترازية ويجعله أقرب في أثره إلى عقوبة تسبق المحاكمة.

وأوضح أن النيابة تملك إخلاء سبيل المتهمين بكفالة أو دونها، كما يتيح القانون استبدال الحبس بتدابير احترازية تكفل حضورهم وعدم التأثير في التحقيقات، إلى جانب حق الدفاع في الطعن على أوامر الحبس وتجديده، والمطالبة بتقييم مبرراته لكل متهم على حدة.

وشدد عبد العزيز على ضرورة تمكين الدفاع من حقوقه كاملة، والفصل بين ممارسة العمل الصحفي المحمي دستورياً وأي أفعال جنائية محددة قد تثبتها أدلة مستقلة، معتبراً أن للنقابة دوراً مهماً في حماية الضمانات المهنية والقانونية.

وقال: “إذا انتفت مبررات الحبس، وجب إخلاء سبيل المتهمين مع استمرار التحقيقات، ولا سيما أن الحبس الاحتياطي وُجد لحماية التحقيق، لا ليصبح عقوبة تسبق المحاكمة”.

وتجدد حبس الصحفيين الستة لمدة 15 يوماً في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بحسب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية التي قالت إن التحقيقات استمرت في تناول طبيعة عملهم الصحفي والمؤسسات التي سبق لهم العمل بها، دون عرض أدلة جديدة عليهم خلال جلسة التجديد، وفق روايتها.

ويأتي ذلك قبل بدء العمل بقانون الإجراءات الجنائية الجديد، الصادر بالقانون رقم 174 لسنة 2025؛ إذ وافق مجلس النواب في 30 سبتمبر/أيلول 2026 على إرجاء تطبيقه إلى الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2027، بموجب القانون رقم 160 لسنة 2026. وبذلك لم تكن أحكام القانون الجديد قد دخلت حيز التنفيذ وقت توقيف الصحفيين أو تجديد حبسهم.

ويتضمن القانون الجديد توسيع بدائل الحبس الاحتياطي من ثلاثة إلى سبعة تدابير، بينها حظر مغادرة نطاق جغرافي محدد، وحظر التواصل مع أشخاص معينين، واستخدام وسائل المراقبة الإلكترونية، إلى جانب أحكام تتعلق بالمراجعة الدورية لملفات المحبوسين احتياطياً. وتظل قرارات الحبس في قضية «متصدقش» خاضعة للقانون الساري وقت صدورها، مع بقاء التساؤل بشأن مدى توافر مبررات استمرار الحبس لكل متهم وإمكانية استخدام بدائل قانونية مناسبة.

وبينما ينتظر الصحفيون الستة جلسة جديدة لتقرير مصير حريتهم، يبقى الاختبار أبعد من قرار تجديد الحبس أو إنهائه، فحق السلطات في التحقيق لا يلغي واجبها في حماية المحتجزين والتحقيق في شكاوى التعذيب واحترام قرينة البراءة، كما لا يجوز أن يتحول إلى تعطيل فعلي لمؤسسة صحفية قبل صدور حكم قضائي.

إن ضمان هذه الحقوق، وإتاحة البدائل القانونية للحبس متى انتفت ضرورته، لا يحميان الصحفيين الستة وحدهم، بل يحميان حق المجتمع في صحافة تستطيع العمل دون أن يصبح الاحتجاز مصيراً يسبق الفصل في الاتهام.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان