منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

السودان.. النازحون يفرون من القتال إلى مخاطر العنف وغياب الحماية

18 أكتوبر 2026
السودان.. النازحون يفرون من القتال إلى مخاطر العنف وغياب الحماية
السودان.. النازحون يفرون من القتال إلى مخاطر العنف وغياب الحماية

استغرقت رحلة إسماعيلية، البالغة 16 عاما، ثلاثة أيام قبل أن تصل في مارس/آذار 2026 إلى مخيم للنازحين في شمال كردفان. خلفت الفتاة منزلها ومدرستها هربا من القتال، لتجد نفسها أمام حياة مجهولة، فيما أصبحت العودة إلى بيتها وإعادة بنائه أمنية مؤجلة.

وفي المخيم نفسه، تحاول سلمى، البالغة 50 عاما، التكيف مع نزوح طال أمده. تتحدث عن إنهاك النساء وفقدان كثيرات أزواجهن، وعن مخاوف لا تنتهي بمجرد الابتعاد عن مناطق الاشتباك.

تكشف القصتان وجهاً آخر للحرب السودانية؛ فالنجاة من القتال لا تعني بالضرورة الوصول إلى الأمان.

كما أن العثور على مأوى لا يضمن الحماية من العنف أو الحصول على الغذاء والعلاج والخدمات الأساسية.

ملايين النازحين وعودة لا تعني انتهاء الأزمة

بلغ عدد النازحين داخليا في السودان 8 ملايين و583 ألفا و274 شخصاً حتى أغسطس /آب 2026، وفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة، يتوزعون على 185 محلية في الولايات الثماني عشرة، ويشكل الأطفال دون سن الثامنة عشرة نحو 55% منهم.

وتشير المنظمة أيضا إلى عودة نحو 5.15 مليون شخص إلى مناطقهم. غير أن تسجيل العودة لا يعني بالضرورة استعادة الأمان أو الخدمات أو مصادر الدخل، خصوصا في المناطق التي تعرضت منازلها ومرافقها للدمار.

فالنزوح لا يسلب الأسر مساكنها فقط، بل قد يحرمها العمل والتعليم والوثائق وشبكات الدعم الاجتماعي،

فيما تبدأ عند الوصول إلى مناطق الاستقبال معركة أخرى لتأمين الاحتياجات اليومية.

مخاطر تلاحق المدنيين أثناء الفرار

حذّرت نائبة مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، آوا دابو، أمام مجلس حقوق الإنسان في 8 سبتمبر/أيلول 2026، من انتهاكات يتعرض لها مدنيون فارون من مناطق القتال، تشمل القتل بإجراءات موجزة والعنف الجنسي والجسدي والاحتجاز التعسفي والاختطاف والنهب.

وتزداد هذه المخاطر بالنسبة إلى النساء والفتيات عندما تصبح الطرق غير آمنة أو تضطر النازحات إلى قطع مسافات للحصول على  المياه والوقود واستخدام المرافق الصحية.

وفي مخيم إيريديمي بتشاد، الذي يستضيف لاجئات فررن من السودان، رصد صندوق الأمم المتحدة للسكان في مايو/أيار 2026 مخاوف نساء من التعرض للعنف أثناء جمع الحطب أو استخدام دورات المياه.

وتكشف هذه الشهادات امتداد مخاطر الفرار إلى ما بعد عبور الحدود، وإن اختلف الوضع القانوني للاجئين عن النازحين داخل السودان.

ويقدر الصندوق أن 12.7 مليون شخص في السودان يحتاجون خلال عام 2026 إلى خدمات الوقاية والاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي، ما يجعل توفير مرافق آمنة وآليات للإبلاغ والرعاية ضرورة لحماية المتضررين.

المأوى لا يعوض غياب الرعاية

تتجاوز احتياجات النازحين العثور على مكان للإقامة، خصوصا عندما تصل الأسر إلى مناطق تعاني أصلا ضغطا على مرافقها الصحية.

وفي شمال كردفان، يستقبل مستشفى الأبيض للولادة نساء نازحات وسط نقص المعدات والأدوية والمستلزمات الطبية.

ويقول مديره، الدكتور حسن بابكر، في تصريحات إعلامية، إن المستشفى يخدم أكثر من 230 ألف نازح، معظمهم من النساء والفتيات، فيما تظل وحدة العناية بحديثي الولادة، التي تضم أربعة أسرّة، ممتلئة باستمرار.

وتقدر يونيسف أن 33.7 مليون شخص في السودان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينهم 17.3 مليون طفل، وأن أكثر من خمسة ملايين طفل نزحوا بسبب الحرب.

وتعني هذه الأرقام أن فقدان المأوى يتداخل مع انقطاع التعليم وصعوبة الحصول على العلاج والغذاء والحماية.

وبالنسبة إلى أطفال مثل إسماعيلية، لا يقتصر أثر النزوح على الابتعاد عن المنزل، بل يمتد إلى فقدان المدرسة والاستقرار اليومي.

شبكات الحماية تواجه نقص الموارد

تتفاقم معاناة النازحين عندما تتعطل المستشفيات وإمدادات المياه والكهرباء والوقود، أو يصبح وصول المساعدات إلى المناطق  المتضررة صعباً بسبب استمرار القتال.

كما يهدد نقص التمويل قدرة المبادرات المحلية على مساندة المتضررين. فقد أظهرت دراسة مدعومة من صندوق الأمم المتحدة للسكان أن أكثر من 91% من المنظمات النسائية المشمولة بالمسح اضطرت إلى تعليق أنشطة أو تسريح موظفين بسبب نقص الموارد.

ولا يقتصر أثر ذلك على تراجع المساعدات المباشرة، بل يشمل إضعاف شبكات مجتمعية تساعد النساء والفتيات على الوصول إلى الخدمات والحماية في ظروف النزوح.

الحماية حق لا ينتهي بمغادرة مناطق القتال

يرى الحقوقي السوداني صالح محمود عثمان، في تصريحات لـ«صفر»، أن مغادرة مناطق الاشتباك لا تضمن انتهاء الانتهاكات، مستحضرا تجارب سابقة في دارفور، ومؤكدا أن الضمانات التي يوفرها القانون الدولي تحتاج إلى تنفيذ فعلي حتى تتحول إلى حماية ملموسة  للمدنيين.

وتشمل هذه الحماية سلامة طرق الفرار وأماكن الإيواء، وإمكانية الحصول على الخدمات الأساسية، ووجود آليات فعالة للإبلاغ عن  الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.

من جانبه، يوضح الباحث السوداني النور أحمد النور لـ«صفر» أن النزوح يبدأ بفقدان الشعور بالأمان، ثم يمتد إلى خسارة المنزل

والعمل والمدرسة والوثائق وشبكات الأقارب والجيران ومصادر الدخل، بما يضعف قدرة الأسر على التخطيط لمستقبلها.

ويؤكد أن المساعدات الإنسانية، رغم أهميتها، لا تستطيع معالجة جذور الأزمة وحدها، ما لم تقترن بوقف مستدام للقتال وحماية

المدنيين وضمان وصول الإغاثة واستعادة الخدمات الأساسية، إلى جانب تسوية سياسية تحول دون تجدد الحرب.

وبالنسبة إلى إسماعيلية، لا تعني العودة مجرد قطع الطريق المعاكس إلى منزلها؛ بل أن تجد مكانا آمنا للسكن ومدرسة تستأنف فيها  تعليمها، وألا تضطر إلى الفرار مجدداً.

وهنا يمتد واجب الحماية إلى ما بعد توفير المأوى والمساعدة الطارئة، ليشمل حق النازحين في الأمان والعدالة والخدمات، وحقهم في اتخاذ قرار العودة بصورة طوعية وآمنة وكريمة.

فنجاح الاستجابة لا يقاس فقط بعدد من غادروا مناطق القتال أو عادوا إليها، بل بقدرة هؤلاء على استئناف حياتهم دون خوف من انتهاك جديد أو نزوح آخر.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية